من «الشعر والشعراء» لابن قتيبة الدينوري (ت ٢٧٦هـ)
أبو العتاهية
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو إسماعيل بن القاسم، مولى لعنزة ويكنى أبا إسحاق وأبو العتاهية لقب. وكان جرّارا، ويرمى بالزندقة.
وحدثنى شيخ من قدماء الكتّاب أنّه كان له ابنتان، يقال لإحداها:
لله، وللأخرى: بالله! ورأيته يستعظم ذلك. وكان له ابن شاعر ناسك.
وكان أحد المطبوعين، وممّن يكاد يكون كلامه كلّه شعرا. وغزله ضعيف مشاكل لطبائع النساء، وممّا يستخففن من الشعر. وكذلك كان عمر بن أبى ربيعة فى الغزل.
من ذلك قول أبى العتاهية:
بسطت كفى نحوكم سائلاماذا تردّون على السائل
إن لم تنيلوه فقولوا لهقولا جميلا بدل النائل
أو كنتم العام على عسرةويلى فمنّوه إلى قابل
وكان لسرعته وسهولة الشعر عليه ربّما قال شعرا موزونا يخرج به عن أعاريض الشعر وأوزان العرب.
وقعد يوما عند قصّار، فسمع صوت المدقّة، فحكى ذلك فى ألفاظ شعره، وهو عدّة أبيات فيها:
للمنون دائرات يدرن صرفهاهنّ ينتقيننا واحدا فواحدا
وقال أيضا:
عتب ما للخيال خبّرينى ومالىلا أراه أتانى زائرا مذ ليالى
لو رآنى صديقى رقّ لى أو رثى لىأو يرانى عدوّى لان من سوء حالى
وكانت عتبة هذه التى يشبّب بها جارية لريطة بنت أبى العبّاس السفّاح، وكانت تحت المهدىّ، فلمّا بلغ المهدىّ إكثاره فى وصفها غضب فأمر بحبسه، ثم شفع له يزيد بن منصور الحميرىّ خال المهدىّ، فأطلقه. ثم حبسه الرشيد، فكتب إليه من الحبس بأبيات فيها:
تفديك نفسى من كلّ ما كرهتنفسك إن كنت مذنبا فاغفر
يا ليت قلبى مصوّر لك مافيه لتستيقن الّذى أضمر
فوقّع الرشيد فى رقعته: لا بأس عليك. فأعاد عليه رقعة بأبيات، فيها:
كأنّ الخلق ركّب فيه روحله جسد وأنت عليه راس
أمين الله إنّ الحبس بأسوقد وقّعت: ليس عليك باس
فأمر بإطلاقه.
وكتب إليه من الحبس:
إنّما أنت رحمة وسلامهزادك الله غبطة وكرامه
قيل لى قد رضيت عنّى فمن لىأن أرى لى على رضاك علامه
وحقيق ألّا يراع بسوءمن رآك ابتسمت منه ابتسامه
لو توجّعت لى فروّحت عنىروّح الله عنك يوم القيامة
وكان جعل أمره إلى خادم له يقال له ثابت، فكتب إليه:
كفتنى العناية من ثابتبتثمير ما كان من غرسه
وكان الشّفيع إلى غيرهفصار الشّفيع إلى نفسه
وكان أبو العتاهية أتى أحمد بن يوسف الكاتب، فحجب عنه، فقال:
متى يظفر الغادى إليك بحاجةونصفك محجوب ونصفك نائم
وبعث إلى بعض الملوك بنعل، وكتب إليه:
نعل بعثت بها لتلبسهاتسعى بها قدم إلى المجد
لو كان يحسن أن أشرّكهاخدّى جعلت شراكها خدّى
وسمع بقول جميل:
خليلىّ فيما عشتما هل رأيتماقتيلا بكى من حبّ قاتله قبلى
فأخذه كلّه فقال:
يا من رأى قبلى قتيلا بكىمن شدّة الوجد على القاتل
وسمعه رجل ينشد:
فانظر بطرفك حيث شئتفلن ترى إلا بخيلا
فقال له: بخّلت الناس جميعا؟! قال: فأكذبنى بسخىّ واحد!! وممّا يستحسن من شعره قوله:
ما أنا إلّا لمن بغانىأرى خليلى كما يرانى
لست أرى ما ملكت طرفىمكان من لا يرى مكانى
من ذا الّذى يرتجى الأقاصىإن لم ينل خيره الأدانى
فلى إلى أن أموت رزقلو جهد الخلق ما عدانى
لا ترتج الخير عند من لايصلح إلا على الهوان
فاستغن بالله عن فلانوعن فلان وعن فلان
ولا تدع مكسبا حلالاتكون منه على بيان
فالمال من حلّه قوامللعرض والوجه واللّسان
والفقر ذلّ عليه بابمفتاحه العجز والتّوانى
ورزق ربى له وجوههنّ من الله فى ضمان
سبحان من لم يزل عليّاليس له فى العلوّ ثانى
قضى على خلقه المنايافكلّ شىء سواه فانى
يا ربّ لم نبك من زمانإلا بكينا على الزّمان
ويستحسن له قوله:
وعظتك أجداث صمتونعتك أزمنة خفت
وتكلّمت عن أوجهتبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك فى القبور وأنت حىّ لم تمت
وشعره فى الزهد كثير حسن رقيق سهل.
ومات سنة ٢٠٥ هـ.
ومما يستحسن له من شعره قصيدته التى أوّلها:
أتته الخلافة منقادةإليه تجرّر أذيالها
فلم تك تصلح إلا لهولم يك يصلح إلّا لها
ولو رامها أحد غيرهلزلزلت الأرض زلزالها
وممّا نسب فيه إلى الزندقة قوله، وأشار إلى السماء:
إذا ما استجزت الشّك فى بعض ما ترىفما لا تراه الدّهر أمضى وأجوز
وقوله:
يا ربّ لو أنسيتنيها وهىفى جنّة الفردوس لم أنسها
وقوله:
إنّ المليك رآك أحسن خلقه ورأى جمالك
فحذا بقدرة نفسهحور الجنان على مثالك
النص من طبعة دار الحديث بالقاهرة (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع