قافلة الضياع

الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: الطويل

«قافلة الضياع» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أرأيت قافلة الضّياع ؟ أما رأيت النازحين ... الحاملين على الكواهل من مجاعات السنين

آثام كل الخاطئين ... النازفين بلا دماء

السائرين إلى وراء ... كي يدفنوا هابيل و هو على الصليب ركام طين

قابيل أين أخوك أين أخوك ... جمعت السماء

آمادها لتصيح كورت النجوم إلى نداء ... قابيل أين أخوك

يرقد في خيام اللاجئين ... السل يوهن ساعديه و جئته أنا بالدواء

و الجوع لعنة آدم الأولى و إرث الهالكين ... ساواه و الحيوان ثم رماه أسفل سافلين

و رفعته أنا بالرغيف من الحضيض إلى العلاء ... الليل يجهض و السفائن مثقلات بالغزاة

بالفاتحين من اليهود ... يلقين في حيفا مراسيهن كابوس تراه

تحت التراب محاجر الموتى فتجحظ في اللحود ... الليل يجهض فالصباح من الحرائق في ضحاه

الليل يجهض فالحياة ... شيء ترجح لا يموت و لا يعيش بلا حدود

شيء تفتح جانباه على المقابر و المهود ... شيء يقول هنا الحدود

هذا لكل اللاجئين و كل هذا لليهود ... النار تصرخ في المزارع و المنازل و الدروب

في كل منعطف تصيح أنا النضار أنا النضار ... من كل سنبلة تصيح و من نوافذ كل دار

أنا عجل سيناء الإله أنا الضمير أنا الشعوب ... أنا النضار

النار تتبعنا كأن مدى اللصوص و كل قطاع الطريق ... يلهثن فيها بالوباء كأن ألسنة الكلاب

تلتز منها كالمبارد و هي تحفر في جدار النور باب ... تتصبب الظلماء كالطوفان منه فلا تراب

ليعاد منه الخلق و انجرف المسيح مع العباب ... كان المسيح بجنبه الدامي و مئزره العتيق

يسد ما حفرته ألسنة الكلاب ... فاجتاحه الطوفان حتى ليس ينزف منه جنب أو جبين

إلا دجى كالطين تبنى منه دور اللاجئين ... النار تركض كالخيول وراءنا أهم المغول

على ظهور الصافنات و هل سألت الغابرين ... أروضوا أمس الخيول

أم نحن بدء الناس كل تراثنا أنصاب طين ... النار تصهل من ورائي و القذائف لا تنام

عيونها و أبي على ظهري و في رحمي جنين ... عريان دون فم و لا بصر تكور في الظلام

في بركة الدم و هو يفرك أنفه بيد و كالجرس الصغير ... يرن ملء دمي صداه تكاد تومض كل روحي بالسلام

حتى أكاد أراه في غبش الدماء المستنير ... عريان دون فم كأفقر ما يكون بلا عظام

و بلا أب و بدون حيفا دون ذكرى كالظلام ... أسريت أعبر تحت أجنحة الحديد به الزمان

من الحقول إلى المراعي فالكهوف ... و الأرض تطمس من وراء ظهورنا كالأبجدية

ألدور فيها و الدوالي شاخصات كالحروف ... فكأن أمس غد يلوح و ليس بينهما مكان

لم يخرجونا من قرانا و حدهنّ و لا من المدن الرخيّة ... لكنهم قد أخرجونا من صعيد الآدميّة

فاليوم تمتلئ الكهوف بنا و نعوي جائعين ... و نموت فيها لا نخلف للصغار على الصخور

سوى هباب ما نقشنا فيه من أسد طعين ... و نموت فيها لا نخلف بعدنا حتى قبور

ماذا نحط على شواهدها أ كانوا لاجئين ... اليوم تمتلئ الكهوف بنا تظلل بالخيام

و بالصفيح و قد تغلهن بالآجر دور ... و النور كالتابوت فيها ليس فيه سوى ظلام

بين الكهوف و بين حيفا من ظلام ألف عام أو يزيد ... بين الكهوف و بين أمس هناك بئر لا قرار

لها كهاوية الجحيم تلز فاها دون نار ... تتعلق الأحداث فيها كالجلامد في جدار

لحدا على لحد أزيح الطين عنها و الحجار ... من يدفن الموتى و قد كشفوا و ماتوا من جديد

من يدفن الموتى ... ليولد تحت صخرة كل شاهدة و ليد

من يدفن الموتى لئلا يزحموا باب الحياة ... على أكف القابلات

من يدفن الموتى لنعرف أننا بشر جديد ... في كل شهر من شهور الجوع يومىء يوم عيد

فنخف نحمل من تذاكرنا صليب اللاجئين ... يا مكتبا للغوث في سيناء هب للتائهين

مناو سلوى من شعير و المشيمة للجنين ... و اجعل له المطّاط سره

وارزقه ثديا من زجاج واحش بالإدريج صدره ... و بأيما لغة نقول فيستجيب الآخرون

و نورث الدم للصغار ... أعلمت حين نقول دار أو سماء أي دار

أو سماء تخطران على العيون ... هيهات ليس للاجئين و لاجئات من قرار

أو ديار ... إلا مرابع كان فيها أمس معنى أن نكون

سنظل نضرب كالمجوس نجس ميلاد النهار ... كم ليلة ظلماء كالرحم انتظرنا في دجاها

نتلمس الدم في جوانبها و نعصر من قواها ... شع الوميض على رتاج سمائها مفتاح نار

حتى حسبنا أن باب الصبح يفرج ثم غار ... و غادر الحرس الحدود

و اختصّ رعد في مقابر صمتها يعد القفار ... ثم اضمحل إلى غبار بين أحذية الجنود

الليل أجهض ناره الحمى و ديمته انتحاب الضائعين ... الليل أجهض ليس فيه سوى مجوس اللاجئين

النار تركض كالخيول وراءنا أهم المغول ... على ظهور الصافنات ؟ و هل سألت الغابرين

أروضوا أمس الخيول ... أم نحن بدء الناس كل تراثتا أنصاب طين

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • الحاملين: حمل: حَمَلَ الشيءَ يَحْمِلُهُ حَمْلًا وحُمْلاناً فَهُوَ مَحْمول وحَمِيل، واحْتَمَلَه؛ وَقَوْلُ النَّابِغَةِ: فَحَمَلْتُ بَرَّة واحْتَمَلْتَ فَجَارِ عَبَّر عَنِ البَرَّة بالحَمْل، وَعَنِ الفَجْرة بالاحْتِمَال، لأَن حَمْل … (لسان العرب)
  • الحضيض: حضض: الحَضُّ: ضرْبٌ مِنَ الْحَثِّ فِي السَّيْرِ وَالسَّوْقِ وَكُلِّ شَيْءٍ. والحَضُّ أَيضاً: أَن تَحُثَّه عَلَى شيءٍ لَا سَيْرَ فِيهِ وَلَا سَوْقَ، حَضَّه يَحُضُّه حَضّاً وحَضَّضَه وَهُمْ يَتَحاضّون، وَالِاسْمُ الحُضّ وا … (لسان العرب)
  • السائرين: سير: السَّيْرُ: الذَّهَابُ؛ سارَ يَسِيرُ سَيْراً ومَسِيراً وتَسْياراً ومَسِيرةً وسَيْرورَةً؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيُّ، وتَسْياراً يَذْهَبُ بِهَذِهِ الأَخيرة إِلى الْكَثْرَةِ؛ قَالَ: فَأَلْقَتْ عَصا التَّسْيارِ مِنْه … (لسان العرب)
  • السل: (سَلَّ) السِّينُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَدُّ الشَّيْءِ فِي رِفْقٍ وَخَفَاءٍ، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَيْهِ. فَمِنْ ذَلِكَ سَلَلْتُ الشَّيْءَ أَسُلُّهُ سَلًّا. وَالسَّلَّةُ وَالْإِسْلَالُ: السَّرِقَةُ. وَفِي حَدِيثِ … (مقاييس اللغة)
  • الصليب: صلب: الصُّلْبُ والصُّلَّبُ: عَظْمٌ مِنْ لَدُنِ الكاهِل إِلى العَجْب، وَالْجَمْعُ: أَصْلُب وأَصْلاب وصِلَبَةٌ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: أَما تَرَيْني، اليَوْمَ، شَيْخاً أَشْيَبَا، ... إِذا نَهَضْتُ أَتَشَكَّى الأَصْلُبا جَمَعَ لأَ … (لسان العرب)
  • الكواهل: وَهِلَ: وَهِل وَهَلًا: ضعُف وفَزِعَ وجَبُن، وَهُوَ وَهِلٌ، ووَهَّلَه: أَفزعه. الْجَوْهَرِيُّ: الوَهَل، بِالتَّحْرِيكِ، الفزَع، وَقَدْ وَهِلَ يَوْهَل فَهُوَ وَهِلٌ ومُسْتَوْهِل؛ قَالَ الْقُطَامِيُّ يَصِفُ إِبلًا: وتَرى لِ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • لأني غريب
  • الأسلحة والأطفال
  • أنشودة المطر
  • الوصية
  • ليلى
  • المسيح بعد الصلب
  • أهواء
  • هل كان حبا