البدائيُّ الذي في النقش
الشاعر: حيدر العبدالله · البحر: الوافر
«البدائيُّ الذي في النقش» من شعر حيدر العبدالله، وتقع في 36 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
دخلتُ النقشَ، إنَّ النقشَ غُرفَةْ ... فقدْ أصغيتُ، والإصغاءُ شُرفَةْ
ولستُ مُتيَّماً بـ(الأرْكُلُوجْيا)! ... ولكنْ مُهجَتي بالطينِ كَلْفَةْ
دخلتُ النقشَ عَمْدًا باحثًا عنْ ... أخي البَدْئيِّ لمْ أدخلْهُ صُدْفةْ!
أحِنُّ إلى الهواءِ البِكْرِ ... أحتاجُ دهشتَهُ كما أحتاجُ خَوْفَهْ
لأنَّ دمي يموجُ بلا رصيفٍ ... وُجُوديٍّ أُريدُ الآنَ رَصْفَهْ
مِن التاريخِ أخرُجُ ... داخِلًا عالماً ذا هَدْأةٍ تغْشاهُ سدْفَةْ
تحسَّسْتُ المكانَ بجِلدِ رُوحي ... لَثمْتُ جدارَهُ وشمَمْتُ سَقْفَهْ
ظلامٌ..! بَيْدَ أنّي كنتُ أدْري ... بأنَّ هناكَ مَنْ أمسيتُ ضَيْفَهْ
كأنَّ حفاوةً وكأنَّ ظلًّا ... بدائيًّا يُلوِّحُ لي بِسَعْفَةْ
وعانقَهُ خيالُ الوعْيِ أمَّا ... أنا فعجَزْتُ أنْ أصطادَ طَيْفَهْ
لِماذا لمْ يُكَلِّمْني؟ لماذا ... تأخَّرَ لمْ يُضِئْ لقِرَايَ كَهْفَهْ؟
وفِيمَ أُفولُهُ الشّبَحِيُّ عَنّي؟ ... أمَا بِكَ أيُّها الفِطْرِيُّ لهفَةْ؟
قدحْتُ هناكَ بـ(الصَّوَّانِ) قلبي ... فضِئْتُ! وكادَ قلبي أنْ يَشِفَّهْ!
على وَجْدي عَبرتُ إليهِ حتّى ... أطَلَّتْ مِنْ وراءِ النهْرِ ضِفّةْ
أراهُ! أراهُ ..! لا أحتاجُ عيني ... إذا ما لمْ يكُنْ في العينِ ذَرْفَةْ!
أراهُ عاريًا مِنْ كُلِّ شيءٍ سِواهُ ... لابِسًا كالماءِ جَوْفَهْ!
بدائِيٌّ؟ أجَلْ. لكِنْ نقِيٌّ ... نقاءَ البَدْءِ والأحلامُ صِرْفَةْ
يداهُ مِجَسَّتانِ عليهِما قدْ ... أسالَ فُؤادَهُ وأذابَ طَرْفَهْ
إذا ضربَ الحياةَ بِراحَتَيْهِ ... رقَصتُ! وصارَ قُرْصُ الشمْسِ دُفَّهْ!
أمُدُّ لَهُ بمِزْمارِ الحنايا يدِي ... فيَصُبُّ في المزمارِ عَزْفَهْ!
لأسمعَ في ذُهُولِ النايِ صوْتي! ... وأَرْشُفَ مِنْ حليبِ الخُلْدِ رَشْفَةْ
وقامَ يَجُوسُ غابتَهُ، يُغَنِّي ... على مُهْرِ الصدى فَنَهَضْتُ خَلْفَهْ
يَشُمُّ الزعفرانَ، ولستُ أدْري ... كأنَّ الزعفرانَ يَشُمُّ أنْفَهْ!
لَدَيْهِ علاقةٌ بالأرضِ حُبْلى ... يَحُفُّ الكائِناتِ لِكَيْ تَحُفَّهْ
ولمْ يقْطِفْ دمَ العُنقودِ، لكِنْ ... أتاحَ لخمرةِ العُنقودِ قَطْفَهْ!
فراشَتُهُ الطبيعَةُ يَرْتَدِيها ... فتشربُ رَوْعَهُ وتَمَصُّ عُنْفَهْ!
وكانَ ولمْ يَزَلْ ظَنِّي ... بأنَّ الحياءَ صِناعَةٌ، والحُبَّ حِرْفَةْ؛
إلى أنْ جاعَ (بَدْئِيِّي)، إلى أنْ ... بَدَا ضعْفي لهُ ورأيتُ ضَعْفَهْ؛
فلمّا جاعَ لمْ يَنحَرْ خَيَالي ... فيا للهِ مِنْ جُوعٍ مُرَفَّهْ!
وعُدْنا في المساءِ يجُرُّ نِصْفي ... على كَتِفِ الأنا وأجُرُّ نِصْفَهْ
صَبَابَتُنا غَرابَتُنا لأنَّا ... نزيدُ تغرُّبًا .. فنزيدُ أُلْفَةْ!
كأنِّي والبدائيَّ الذي فِيَّ إنْسانانِ: ... مِنْ ثِقْلٍ وخِفَّةْ
تمازَجْنا.. ولكنّي ترسَّبْتُ أسْفَلَهُ ... فمَدَّ إلَيَّ كَفَّهْ!
وأسنَدَني إلى المِخْيالِ حتّى ... يُدَوِّنَني على الأحجارِ تُحْفَةْ!
وصرتُ أنا الذي في النقْشِ ... وَهْوَ الذي يُصْغِي
كأنَّ النَّقشَ شُرْفَةْ!
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البدئي: لبد: لبَدَ بِالْمَكَانِ يَلْبُدُ لبُوداً ولَبِدَ لَبَداً وأَلبَدَ: أَقام بِهِ ولَزِق، فَهُوَ مُلْبِدٌ بِهِ، ولَبَدَ بالأَرض وأَلبَدَ بِهَا إِذا لَزِمَها فأَقام؛ وَمِنْهُ حَدِيثِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لِرَجُلَيْ … (لسان العرب)
- النقش: نقش: النَّقْشُ النَّقّاشُ[[. قوله [النقش النقاش] كذا ضبط في الأَصل.]]، نَقَشَه يَنْقُشُه نَقْشاً وانْتَقَشَه: نَمْنَمَه، فَهُوَ مَنْقُوشٌ، ونَقَّشَه تَنْقِيشاً، والنَقّاشُ صانِعُه، وحِرْفتُه النِّقَاشةُ، والمِنقاشُ الآلة … (لسان العرب)
- باحثا: حثا: ابْنُ سِيدَهْ: حَثَا عَلَيْهِ الترابَ حَثْواً هَالَهُ، وَالْيَاءُ أَعلى. الأَزهري: حَثَوْتُ الترابَ وحثي حَثَيْتُ حَثْواً وحثي حَثْياً، وحَثَا الترابُ نفسُه وَغَيْرُهُ يَحْثُو ويَحْثَى؛ الأَخيرة نَادِرَةٌ، وَنَظِيرُ … (لسان العرب)
- بالطين: طين: الطِّينُ: مَعْرُوفٌ الوَحَلُ، وَاحِدَتُهُ طِينةٌ، وَهُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمَوْصُوفِ بِهَا؛ حَكَى سِيبَوَيْهِ عن العرب: ممرت بصحيفةٍ طينٍ خاتَمُها، جَعَلَهُ صِفَةً لأَنه فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، كأَنه قَالَ لَيّنٍ … (لسان العرب)
- بجلد: جَلَدَ: الجِلْدُ والجَلَد: المَسْك مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ شِبْه وشَبَه؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي، حَكَاهَا ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْهُ؛ قَالَ: وَلَيْسَتْ بِالْمَشْهُورَةِ، وَالْجَمْعُ أَجلاد وجُلود والجِلْدَة … (لسان العرب)
- تحسست: حسس: الحِسُّ والحَسِيسُ: الصوتُ الخَفِيُّ؛ قَالَ اللَّه تَعَالَى: لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها. والحِسُّ، بِكَسْرِ الْحَاءِ: مِنْ أَحْسَسْتُ بِالشَّيْءِ. حسَّ بِالشَّيْءِ يَحُسُّ حَسّاً وحِسّاً وحَسِيساً وأَحَسَّ بِهِ وأَحَ … (لسان العرب)
- تغشاه: غشا: الغِشاءُ: الغِطاءُ. غَشَّيْت الشيءَ تَغْشِيَة إِذا غَطَّيْته. وَعَلَى بَصَره وقَلْبِه غَشْوٌ وغَشْوَةٌ وغُشْوَة وغِشْوَة وغِشَاوَةٌ وغَشَاوَة وغُشاوةٌ وغاشِيةٌ وغُشْية وغُشاية وغِشايةٌ؛ هَذِهِ الثَّلَاثُ عَنِ اللِّح … (لسان العرب)
- جداره: جدر: هُوَ جَدِيرٌ بِكَذَا وَلِكَذَا أَي خَلِيقٌ لَهُ، وَالْجَمْعُ جَدِيرُونَ وجُدَراءُ، والأُنثى جَدِيرَةٌ. وَقَدْ جَدُرَ جَدارَة، وإِنه لمَجْدَرَةٌ أَن يَفْعَلَ، وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ، وَإِنَّهَا لمَجْدَرَة … (لسان العرب)