100 رسالة حُبّ (1)-(10)
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
(1)أريد أن أكتب لك كلاماً
لا يُشبهُ الكلامْوأخترع لغةً لكِ وحدكِ
أفصّلها على مقاييس جسدكومساحةِ حبّي.
*أريدُ أن أسافرَ من أوراق القاموس
وأطلبَ إجازةً من فمي.فلقد تعبتُ من استدارة فمي
أريدُ فماً آخر..يستطيع أن يتحوّل متى أرادْ
إلى شجرة كَرَزأو علبة كبريت
أريد فماً جديداًتخرج منه الكلماتْ
كما تخرج الحوريّات من زَبَد البحروكما تخرج الصيصَانُ البيضاء
من قبَّعة الساحر..*
خذُوا جميعَ الكتبالتي قرأتُها في طفولتي
خذُوا جميع كراريسي المدرسيّةخذوا الطباشيرَ..
والأقلامَ..والألواحَ السوداءْ..
وعلّموني كلمةً جديدةأُعلّقها كالحَلَقْ
في أُذُن حبيبتي*
أريدُ أصابعَ أخرى..لأكتبَ بطريقةٍ أخرى
فأنا أكرهُ الأصابعَ التي لا تطول .. ولا تقصركما أكرهُ الأشجار التي لا تموت .. ولا تكبر
أريد أصابعَ جديدة..عاليةً كصوراي المراكبْ
وطويلةً ، كأعناق الزرافاتْحتى أفصّل لحبيبتي
قميصاً من الشِعرْ..لم تلبسه قبلي.
أريدُ أن أصنع لكِ أبجديّةغيرَ كلّ الأبجدياتْ.
فيها شيء من إيقاع المطرْوشيء من غبار القمرْ
وشيء من حزن الغيوم الرماديّةوشيء من توجّع أوراق الصفصاف
تحت عَرَبات أيلول.*
أريد أن أهديكِ كنوزاً من الكلماتْلم تُهْدَ لامرأةٍ قبلك..
ولنْ تُهْدَى لامرأةٍ بعدكْ.يا امرأةً..
ليس قَبْلَها قَبْلْوليس بَعْدَها بَعْدَ
*أريدُ أن أعلَّم نهديْكِ الكسوليْنْ
كيف يُهجِّيان اسمي..وكيف يقرءان مكاتيبي
أريدُ .. أن أجعلكِ اللغة..(2)
نهارَ دخلتِ عليَّفي صبيحة يومٍ من أيام آذارْ
كقصيدةٍ جميلةٍ .. تمشي على قَدَمَيْهادخلت الشمسُ معك..
ودخل الربيعُ معك..كان على مكتبي أوراقٌ.. فأورقَتْ
وكان أمامي فنجانُ قهوةفشربني قبل أن أشربه
وكان على جداري لوحةٌ زيتيةوكان على جداري لوحةٌ زيتية
لخيول تركض..فتركتْني الخيولُ حين رأتكِ
وركضتْ نحوك..*
نهارَ زُرتني..في صبيحة ذلك اليوم من آذارْ
حدثتْ قشعريرةٌ في جسد الأرضوسقَطَ في مكان ما.. من العالم
وسقَطَ في مكان ما.. من العالمنيزكٌ مشتعلْ..
حسبه الأطفال فطيرةً محشوةً بالعسلْ..وحسبتهُ النساء..
سواراً مرصَّعاً بالماسْ..وحسبه الرجال..
من علامات ليلة القدْرْ..*
وحين نزعتِ معطفكِ الربيعيّوجلستِ أمامي..
فراشةً تحمل في أحقابها ثيابَ الصيف..تأكّدتُ أن الأطفال كانوا على حقّ..
والنساء كُنَّ على حقّ..والرجال كانوا على حقّ..
وأنّكِ..شهيّةٌ كالعسلْ..
وصافيةٌ كالماسْ..ومذهلةٌ كليلة القدرْ...
(3)عندما قلتُ لكِ :
"أُحبّكِ".كنتُ أعرف..
أنني أقود انقلاباً على شريعة القبيلةوأقرع أجراسَ الفضيحة
كنتُ أريد أن أستلم السلطةلأجعلَ غابات العالم أكثرَ ورقاً
وبحارَ العالم أكثرَ زرقةًوأطفالَ العالم أكثرَ براءة.
كنتُ أريد..أن أُنهي عصرَ البربريَّة
وأقتلَ آخر الخلفاءكان في نيّتي _عندما أحببتكِ_
أن أكسر أبوابَ الحريموأنقذَ أثداءَ النساء..
من أسنان الرجال..وأجعلَ حَلَمَاتهنّ
ترقصُ في الهواء مبتهجةكحبّات الزعرور الأحمر..
عندما قلتُ لكِ:"أُحبّكِ".
كنتُ أعرف..أنني أخترع أبجديةً جديدة
لمدينةٍ لا تقرأ..وأنشد أشعاري في قاعة فارغة
وأقدّم النبيذلمن لا يعرفون نعمة السُكْرْ.
*عندما قلتُ لكِ:
"أُحبّكِ"كنتُ أعرف.. أن المتوحّشين سيتعقبونني
بالرماح المسمومة.. وأقواس النشّاب.وأنّ صُوَري..
ستُلصَق على كلّ الحيطانوأنَّ بَصَماتي..
ستوزَّع على كلَّ المخافروأن جائزةً كبرى..
ستُعطى لمن يحمل لهم رأسيليُعلّقَ على بوّابة المدينة
كبرتقالةٍ فلسطينية..عندما كتبتُ اسمكِ على دفاتر الورد..
كنتُ أعرف..أنّ كلَّ الأُميّين سيقفون ضدّي
وكلَّ آلِ عثمان.. ضدّيوكلَّ الدراويش .. والطرابيش .. ضدّي.
وكلّ العاطلين بالوراثةعن ممارسة الحبّ .. ضدّي
وكلَّ المرضى بوَرَم الجنس..ضدّي..
عندما قرّرتُ أن أقتلَ آخر الخلفاءْوأُعلنَ قيامَ دولةٍ للحبّ..
تكونين أنتِ مليكتَها..كنتُ أعرف..
أنَّ العصافير وحدَها..ستعلنُ الثورةَ معي..
(4)حين وزَّع اللهُ النساءَ على الرجالْ
وأعطاني إيَّاكِ..شعرتُ..
أنّه انحاز بصورة مكشوفة إليّْوخالفَ كلَّ الكتب السماويّة التي ألَّفها
فأعطاني النبيذ ، وأعطاهم الحنطةألبسني الحرير، وألبسهم القطن
أهدى إليَّ الوردةوأهداهم الغصن..
*حين عَرَّفني اللهُ عليكِ..
وذهب إلى بيتهفكَّرتُ .. أن أكتب له رسالة
على ورقٍ أزرقْوأضعها في مُغلّفٍ أزرقْ
وأغسلها بالدمع الأزرقْأبدؤها بعبارة: يا صديقي
كنتُ أريد أن أشكرَهُلأنّه اختاركِ لي..
فاللهُ _ كما قالوا لي _لا يستلم إلا رسائلَ الحب.
ولا يجاوب إلا عليها..*
حين استلمتُ مكافأتيورجعتُ أحملك على راحة يديا
كزهرة مانوليابستُ يدَ الله..
وبستُ القمر والكواكبواحداً .. واحداً
وبستُ الجبال .. والأوديةوأجنحة الطواحين
بستُ الغيومَ الكبيرةوالغيومَ التي لا تزال تذهب إلى المدرسة
بستُ الجُزُرَ المرسومة على الخرائطوالجُزُرَ التي لا تزال بذاكرة الخرائط
بستُ الأمشاط التي ستتمشّطين بهاوالمرايا .. التي سترتسمين عليها..
وكلَّ الحمائم البيضاء..التي ستحمل على أجنحتها
جهازَ عرسك..(5)
لم أكُنْ يوماً ملِكاًولم أنحدر من سلالات الملوكْ
غير أن الإحساسَ بأنّكِ لي..يعطيني الشعورَ
بأنني أبسط سلطتي على القارات الخمسْوأسيطر على نزوات المطر، وعَرَبات الريح
وأمتلك آلافَ الفدادين فوق الشمس..وأحكم شعوباً .. لم يحكمها أحدٌ قبلي..
وألعب بكواكب المجموعة الشمسية..كما يلعب طفلٌ بأصداف البحر...
لم أكنْ يوماً مَلِكاًولا أريدُ أن أكونه
غيرَ أن مُجرَّدَ إحساسيبأنّكِ تنامين في جوف يدي..
كلؤلؤة كبيرة..في جوف يدي..
يجعلني أتوهَّم..بأنّني قيصر من قياصرة روسيا
أو أنّني..كسرى أنو شروانْ..
(6)لماذا أنتِ؟
لماذا أنتِ وحدك؟من دون جميع النساء
تغيِّرين هندسةَ حياتيوإيقاعَ أيّامي
وتتسلّلين حافيةً..إلى عالم شؤوني الصغيرة
وتُقفلين وراءكِ الباب..ولا أعترض..
*لماذا؟
أُحبّكِ أنتِ بالذاتْوأنتقيكِ أنتِ بالذاتْ
وأسمح لكِ..بأن تجلسي فوق أهدابي
تُغنّين،وتُدخّنين،
وتلعبين الورق..ولا أعترض.
*لماذا ؟
تشطبينَ كلَّ الأزمنةوتوقفين حركةَ العصور
وتغتالين في داخليجميعَ نساء العشيرة
واحدة .. واحدة..ولا أعترض
*لماذا؟
أعطيكِ، من دون جميع النساءمفاتيحَ مُدُني
التي لم تفتح أبوابَها..لأيّ طاغية
ولم ترفع راياتها البيضاء..لأيّة امرأة..
وأطلب من جنوديأن يستقبلوك بالأناشيد
والمناديل..وأكاليل الغار..
وأبايعكِ..أمامَ جميع المواطنين
وعلى أنغام الموسيقى، ورنين الأجراسأميرةً مدى الحياة..
(7)علّمتُ أطفالَ العالم
كيف يهجّون اسمكِ..فتحولت شفاهُهُم إلى أشجار توتْ.
أصبحتِ يا حبيبتي..في كُتُب القراءة ، وأكياس الحلوى.
خبأتُكِ في كلمات الأنبياءونبيذ الرهبان.. ومناديل الوداع
رسمتكِ على نوافذ الكنائسومرايا الحُلُم..
وخشب المراكب المسافرة..أعطيتُ أسماكَ البحر..
عنوانَ عينيكِفنسيتْ عناوينها القديمة
أخبرتُ تجّار الشرق..عن كنوز جسدك..
فصارت القوافل الذاهبةُ إلى الهندلا تشتري العاج
إلا من أسواق نهديك..أوصيتُ الريحَ
أن تمشّط خصلات شعرك الفاحمفاعتذرتْ.. بأنَّ وقتها قصيرْ..
وشعركِ طويلْ..(8)
من أنتِ يا امرأة؟أيّتها الداخلة كالخنجر في تاريخي
أيّتها الطيّبة كعيون الأرانبوالناعمة كوَبَر الخوخة
أيتها النقيّة، كأطواق الياسمينوالبريئة كمرايل الأطفال..
أيتها المفترسة كالكلمة..أُخرجي من أوراق دفاتري
أُخرجي من شراشف سريري..أُخرجي من فناجين القهوة
وملاعق السُكَّرْ..أُخرجي من أزرار قمصاني
وخيوط مناديلي..أخرجي من فرشاة أسناني
ورغوة الصابون على وجهيأخرجي من كلّ أشيائي الصغيرة
حتى أستطيع أن أذهب إلى العمل...(9)
إني أُحبّكِ..ولا ألعبُ معكِ لعبةَ الحبّ
ولا أتخاصم معكِ كالأطفال على أسماكِ البحرسمكة حمراء لكِ..
وسمكة زرقاء لي..خذي كلَّ السمك الأحمر والأزرقْ
وظلّي حبيبتي..خذي البحرَ ، والمراكبَ ، والمسافرين.
وظلّي حبيبتي..إنني أضع جميع ممتلكاتي أمامك..
ولا أفكر في حساب الربح والخسارة..ربّما ..
لم يكن عندي أرصدة في البنوكولا آبار بترول أتغرغر بها..
وتستحمّ فيها عشيقاتي..ربّما .. لم تكن عندي ثروة آغاخان..
ولا جزيرةٌ في عرض البحر كأوناسيسفأنا لستُ سوى شاعر..
كلُّ ثروتي.. موجودةٌ في دفاتريوفي عينيكِ الجميلتينْ..
(10)رماني حبُّكِ على أرض الدهشة
هاجمني..كرائحة امرأةٍ تدخل إلى مصعدْ..
فاجأني..وأنا أجلس في المقهى مع قصيدة
نسيتُ القصيدة..فاجأني..
وأنا أقرأُ خطوطَ يدينسيتُ يدي..
داهمني كديكٍ متوحّشلا يرى.. ولا يسمع
إختلط ريشُه بريشيإختلطتْ صيحاتُه بصيحاتي
فاجأني..وأنا قاعدٌ على حقائبي
أنتظر قطارَ الأيام..نسيتُ القطارْ..
ونسيتُ الأيّامْ..وسافرتُ معكِ..
إلى أرض الدهشة..
عن القصيدة
«100 رسالة حُبّ (1)-(10)» من شعر نزار قباني، من العصر الحديث، وتقع في ١٧١ بيتًا. ورويّها حرف التاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.