أين بغداد عنا ؟!
الشاعر: عبدالرحمن العشماوي · البحر: الخفيف
«أين بغداد عنا ؟!» من شعر عبدالرحمن العشماوي، من العصر الحديث، وتقع في 48 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف القاف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا شذا المجدِ في تُخُوم العراقِ ... يا بواكيرَ ذكرياتِ التَّلاقي
يا نخيلاً ما زال يُنْتِجُ تَمْراً ... ويُرينا بَشاشةَ الإِعذاقِ
يا خَيولاً يحدِّث الرَّكْضُ عنها ... بسباقٍ يَزُفُّ بُشْرَى سباقِ
يا فُراتاً، به تُرَوَّى المعالي ... ويُغنِّي بمائه كُلُّ ساقِ
يا تَراتيلَ دِجْلَةِ الخير ، لمَّا ... سمع النَّهرُ هَمْهماتِ السَّواقي
يا غصوناً،لمَّا انجلى الليلُ عنها ... علَّمتْ مَنْ يُحبُّ معنىَ العناق
جادها الغيثُ ، فاستجاب ثَراها ... وتَغنَّى بخُضْرةِ الأَوراقِ
يا شذا المجد،أنتَ ما زلتَ تَسري ... في شرايين مُدْنَفٍ مُشتاقِ
تُنعش القلبَ في مساءٍ حزينٍ ... يلبس البدرُ فيه ثَوْبَ المُحاَقِ
يا شُموخَ ابنِ حنْبلٍ،حين أعطى ... مثلاً للوفاءِ بالميثاقِ
يا ابتسامَ الرَّشيد ، حين رآها ... وهي تَنْأى شديدةَ الإبراقِ
أمطري يا سحابةَ الخير أَنَّى ... شئتِ ، جُودي بغيثكِ الدَّفَّاق
فسيأتي إليَ منكِ خَراجٌ ... من عطاءاتِ ربِّنا الرَّزَّاقِ
يا شذا المجد ، أينَ بغدادُ عنَّا ... ما لها استسلمتْ لطول الفراقِ؟
ما لها سافرتْ وراءِ سرابٍ ... ما سقاها إلا سمومَ النِّفاقِ؟
أين بغدادُناَ ، لماذا تلظَّى ... بين أحشائها لهيبُ الشِّقاقِ؟
ولماذا أضلَّها الوَهْمُ حتى ... أسلمتْها يداه للإِخفاقِ؟
يا بقلبي تلكَ المَغاني ، أَراها ... تتلوَّى من قَسْوةِ الإحراقِ
يا بقلبي وجهَ المروءاتِ أمسى ... كالحاً من تسلُّطِ الفُسَّاقِ
يا بقلبي صوتَ الحقيقةِ لمَّا ... ضاع منَّا في ضَجَّة الأبواقِ
يا شذا المجد،عين بغدادَ تبكي ... يا بقلبي مدامعَ الأحداقِ
آه يا دارة الرشيد ، رأينا ... كيف تسطو قبيحةُ الأشداق
ورأينا الصِّراعَ ، بين طُغاةٍ ... فيكِ ، لا يُؤمنون بالإشفاقِ
كَبُرَ الجرحُ يا حبيبةُ حتىَ ... أصبح الدمعُ حائراً في المآقي
ما استطعْنا سيراً ، لأنَّا حُفاَة ... ولأنَّ الرؤوسَ في إطراقِ
ولأنَّ الإعصارَ هَبَّ علينا ... وبقاياَ الخيام دُوْنَ رِواَقِ
ولأنَّا عن نَبْعِنا قد شُغِلنا ... بسراب المَجاهلِ الرَّقْراقِ
يا شذا المجدِ،عينُ بغداد تبكي ... وتعاني من شدَّةِ الإرهاقِ
أين راياتُ خالدٍ ، والمثنَّى ... أينَ إشراقةُ الصَّباحِ العراقي؟
أين فَتْحُ الفتوحِ يومَ رسمنا ... لخيول الإيمانِ دَرْبَ انطلاقِ؟
حين سُقْنا قوافلَ الخير، سُقْنا ... للبرايا مكارمَ الأخلاقِ
ومددْنا لهم جسورَ التَّآخي ... وفتحنا منافذَ الآفاقِ
هكذا يا عراقُ ، واراكَ عنَّا ... في وحولِ الرَّدَى جُنونُ الرِّفاقِ
فتحوا الباب للجراثيم حتَّى ... صِرْتَ تَشكو من"حَصْبَة ٍ"وحُمَاَقٍ
قدَّسواالوهم،وامتطواكلَّ ظهر ... غير ظهر الخشوعِ للخلاَّق
لكأني أرَى " حلَبْجة" تسقي ... عطش الظُّلْمِ بالدَّمِ المُهْراقِ
هكذَا يا عراقُ صِرْتَ حبيباً ... بينَ باغٍ ومُلْحدٍ أَفَّاقِ
في خِضمِّ القصفِ العنيف،رأينا ... كيف تبدو حضارةُ الأَطباقِ
ورأينا حضارةَ القومِ عُنْفاً ... تتلقَّى الأَرواحَ بالإِزْهاقِ
تَهْدم الدارَ، تقتلُ الطفلَ، ترمي ... بشظايا أحقادها مَنْ تُلاقي
لمَّعَتْ وجهَها الدَّعاوىَ ، ولكنْ ... مالها عند ربِّنا مِنْ خَلاَقِ
يا شذا المجد في عراقِ الأَماني ... والمنايا ، والوَرْدِ والحُرَّاق
يا شذا المجد في عراق التَّجلِّي ... والتَّخلّيِ ، والخِصْبِ والإملاقِ
طوَّقَتْ أمتي الحوادثُ ، حتّى ... أصبحتْ تشتكي من الأطواقِ
ما يَئِسْناَ-واللهِ-إناَّ لنرجو ... فَرَجَ اللهِ ، بعدَ هذا الخِنَاقِ
ما يئسْناَ ، فإِنَّ طَعْم المآسي ... في سبيل الرحمنِ ،حَلْوُ المذاقِ
سوف تفنى حجَافلُ الظُّلمِ مهما ... أحكمتْ غُلَّها على الأَعناقِ
يدّعي المُدَّعونَ،والحقُّ شَمْسٌ ... تُلْجِمُ المُدَّعينَ بالإشْراقِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف القاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:
- الركض: ركض: رَكَضَ الدابةَ يَرْكُضُها رَكْضاً: ضرَب جَنْبَيْها بِرِجْلِهِ. ومِرْكَضةُ القَوْس: مَعْرُوفَةٌ وَهُمَا مِرْكَضَتانِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: ومِرْكَضا القَوْس جَانِبَاهَا؛ وأَنشد لأَبي الْهَيْثَمِ التَّغْلَبِيّ: لَنَا … (لسان العرب)
- السواقي: سوق: السَّوق: مَعْرُوفٌ. ساقَ الإِبلَ وغيرَها يَسُوقها سَوْقاً وسِياقاً، وهو سائقٌ وسَوَّاق، شدِّد لِلْمُبَالَغَةِ؛ قَالَ الْخَطْمُ الْقَيْسِيُّ، وَيُقَالُ لأَبي زغْبة الْخَارِجِيِّ: قَدْ لَفَّها الليلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ … (لسان العرب)
- العناق: عنق: العُنْقُ والعُنُقُ: وُصْلة مَا بَيْنَ الرَّأْسِ وَالْجَسَدِ، يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: قَوْلُهُمْ عُنُق هَنْعَاءُ وعُنُق سَطْعاءُ يَشْهَدُ بِتَأْنِيثِ العُنُق، وَالتَّذْكِيرُ أَغلب. يُقَالُ: ضَرَب … (لسان العرب)
- بسباق: سبق: السَّبْق: القُدْمةُ فِي الجَرْي وَفِي كُلِّ شَيْءٍ؛ تَقُولُ: لَهُ فِي كُلِّ أَمْرٍ سُبْقةٌ وسابِقةٌ وسَبْقٌ، وَالْجَمْعُ الأَسْباق والسَّوابِقُ. والسَّبْقُ: مَصْدَرُ سَبَقَ. وَقَدْ سَبَقَه يَسْبُقُه ويَسْبِقُه سَبْق … (لسان العرب)
- بمائه: المِائَة: الثالثةُ من أصول الأَعداد، وذلك أنّ أصول الأعداد أربعةٌ: آحادٌ، وعَشَرَاتٌ، ومِئَاتٌ، وأُلُوفٌ. قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال : 66] ، ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُ … (مفردات الراغب)
- بواكير: كير: الكِيرُ: كِيرُ الْحَدَّادِ، وَهُوَ زِقّ أَو جِلْدٌ غَلِيظٌ ذُو حافاتٍ، وأَما الْمَبْنِيُّ مِنَ الطِّينِ فَهُوَ الكُورُ. ابْنُ سِيدَهْ: الكِير الزِّقّ الَّذِي يَنْفُخ فِيهِ الْحَدَّادِ، وَالْجَمْعُ أَكْيارٌ وكِيَرة. … (لسان العرب)
- تخوم: تخم: التُّخومُ: الفَصْل بَيْنَ الأَرضَيْن مِنَ الْحُدُودِ والمَعالِم، مُؤَنَّثَةٌ؛ قَالَ أُحَيْحة بْنُ الجُلاح، وَيُقَالُ هُوَ لأَبي قَيْسِ بْنِ الأَسلت: يَا بَنِيَّ التُّخومَ لَا تَظْلِموها، ... إِنَّ ظُلْمَ التُّخوم ذُ … (لسان العرب)