رؤيا
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
شاهدتك بين الناس مُسجّىورأيتُ نساءً وحشيّات
مزّقنَ ثيابكلُذتَ إلى كفنك
فتَسرّبَ بين أصابعهنّ ثقوباورأيتُ الناسَ يغنّون ويبكون معاً
هذا يأكل من لحمكهذا يشرب من دمك المسفوح
هذي ترقص فوق النعشتلك ترش على شبان الحفلةِ
من باقي عطرك..واصطفّ الملَكُ
وأنت تئنّ على أرصفة الماضيملَكٌ ناداك:
قم يا سكران— فاستجمعتَ بقايا الصحو
المهدور على عتبات اللحظات الثكلى(يا جندي الله..
لستُ بسكرانٍ من خمرهذي…)
وعلى شفتيك ارتعشتسكراتُ الموت..
وانطلقتْ شَهْقتُكَتُفَرّقُ بين حروف الكلمات
وكأني بك أطبقتَ الجفنَ على الجفن..(أقسمُ أني للتوّ صحوت )
ودنا ملكٌ ثانٍ:- يا عبد الله
أينكَ من برّ الأبوين؟وقضى ربك..
يا عبد الله…أوَفيتَ الدّيْن؟
(هذا عمري يشهد أنيأحببتُهما أكثر من ولدي
ووسائدُ نومي تشهد أنيما من ليلٍ أرّقَ أحدَهما
إلا وهجرتُ المضجعَ بعضَ هزيعواحتدمتْ نارٌ في كبدي)
وتقدّمَ أحدُ جنود الله :يا عبد الله..
حمّلكَ الله أماناتْأعطاك من الدنيا زينتها
صبياناً وبناتْماذا استودعتَ خُطاهم
والعمرُ كما تعلم ميقات؟(يا جندي الله..
ما نحنُ بأهل الدنيابل رحّالون
أولادي..؟أفنيتُ لهم عمري
وجعلتُ مساكنهم قلبيوشرايين دمي
سَلهُم مَن بات على أرصفة الطرقات غريباًليَقرّوا …
مَن عاشَ حزيناًليُسَرّوا…
أشواك الغربة ما زالت في قدميّورياح الغربة ما زالت
تصفرُ في أرجائيآهات شتاتٍ
تعزفني…كنتُ أئنّ على جرحي
أبكي كالطفل الفاقد أمهمجهول في أروقة الظلمات غريب
لا بيت أخٍ لي يؤوينيلا صدر حبيب)
واستُلّتْ من بين ضلوعك آهفاختزلتْ آلامَ الحرمانْ
رفّتْ واحتدمتْوانطفأتْ في بحر الخذلانْ
ابنتك الكبرى انتفضتْسترتْ عُريَكَ
ثم انتصبت رافعة كفيهايا ألله..
حين البردُ يئزٌ العظمْوالريح تزمجر في العَتمْ
فأبي كان الصدرَ الدافئيا ألله..
في غمرة أمواهِ الظلمْعبدك هذا كان الشاطئ
ثم اقتربتْ صُغراكوانكفأت تسكب قبلات في فوديك
وانهمرت من أعين أهلك أنهار دموعنذروا أن يبكوا
حتى تغسل أدمعُهمكل خطاياك
حتى لو كانت آثامك يا عبد اللهكزبد البحر
حتى لو بقيت أعينهم تذرفيا عبد الله
لأجلك طولَ العمرلكني أومأتُ لهم
أن كُفوا أدمعكموأعينوا الراقدَ بالصلوات
وامتشِقوا الصبرحينئذٍ دوّى صوتٌ فيك
وراح يناديك..يا طيناً شُكّلَ إنسانا
وجَنانُكَ كم ذابَ وعانىودموعُكَ فاضت غدرانا
من بين جراحات العمرِجمَعْتَ النشوة
يا مسكين..أفراحُكَ باتت أحزانا
أخذتني الرحمةُفوقفتُ أنادي في الناسْ
حيّ على سَكب الدمعلنغسله في ليلة عرسه
ضحكت إحداهن وقالت:يا ساذجة الإحساسْ
هل ظنُك أنّاسنكونُ به أرحمَ مما كان بنفسه؟
………..………..
وتجلّتْ سيدة الحكمة:يا ولدي..
في زمنٍ عُلويّ النعمةحين انبعثتْ روحٌ في الطينْ
وتجَلّى حُسْنُ التكوينخرّ الملَكُ سجودا
إلا إبليسَ..أبى واستكبَرْ
قال أنا النارُولن أسجد للطين وللماء
هو يدري ..أن الخضرة وثمار الأرض
وأزهار المرج وأسباب الخيرلا تنبت إلا في الطين وفي الماء
والنارُ إذا اندلعتلا تُبقي شيئاً
إلا إن أطفأها الماءْأقسمَ ذاكَ العاصي
أن يشعلها حرباً شعواءْنشبت يا ولدي حربٌ
لا يطفئها إلا الموتوتمادى الظالمُ كيداً
…………..أي ولدي..
حين تحس النارَ استعرتْ في جنبيكوالجمر استمكن في عطفيك
وتراك حريصاً أن تذكيَها ..فاعلم أن هواكَ
انتصر عليكأي ولدي..
حين تشدّ النفسَ إليكفتفرّ كعصفورٍ
من بين يديكوتغيم الرؤية في عينيك
فاعلم وقتئذٍ أن الجولة ليست لكوإذا بتّ تفتّشُ عن أعذارٍ وشهودْ
فاعلم أنك تترافع في وقتٍ ضائعْعن حقٍ مفقودْ
واحذر يا ولدي..خصمُك يغويك
إلى آخر رمق فيكيا عبد الله.. يا عبد الله
……….……….
عندئذٍ زاغت عيناكلملمتَ الوجع المتناثر في أرجائك
تستنجد ساقين ترنحتاوكأنهما ما مشتا يوماً
فوق أديم الأرضووقفتَ تؤَذن في الناس:
يا أهل الأرض..أحببتُ الدنيا
أكثر من نفسيوقسَمتُ لها
أكثر مما استبقيتُ لنفسيكانت تطعنني وأغنّي
طرّزتُ لها بالدمع قصائدَ وحكايالي تجربة في كل مكان وخطايا
فإذا بحياتيضاقت عن كل حكاياتي
جابتني الدّنيافي أيامٍ
مرتْ كالحُلْم بغفلة نومْوصحوتُ على سَفرٍ أبَديٍّ
داهمني في آخر يومبعد قليلٍ …
أمضي وتعودون جميعاوأظل أنادي
يا أولادي..يا أم بنيّ..
يا حسناوات الدنياهل من خلّ يسمع صوتي؟
أين رفاقُ الفرح الزائف؟شربوا الأقداح ورقصوا حول النار
وحدي صرت أنا والناروحدي بتّ أعانيها
وإذا ذَرّتني الريحُ رماداكلٌ يغمض عينيهْ
حتى لا أدخل فيهايا أحبابي
أعياني قيدُ الصلصالوتمادت فيّ الأوحال
تشتاقُ الروحُ إلى نورٍيغسلني من ظلمة وهني
ويكفّ تباريحي عنّيولدي..
لا تسكن جسدكلا تُسْلِم للظلمة ولدك
لا تجعل من حبّ امرأةٍ في الدّنيا كبَدَكلا تَفطُر من أجل بريق المال الزائف كبِدَك
أي ولديلا تشحذ نصلاً يُغرسُ في ظهرك
لا تركع في حضرة كرسيٍّحتى لو أصلِتَ سيفُ القهر
على نحركيا ولدي..
كن حرّاً..كن سيد أمرك
وتلفتّ إلى مَن حولكثم نظرتَ إلى أعلى
وعلتْ وجهَكَ إشراقة بسمةلا أدري هل كانت
ضحكة طفل أم شمساً بزغتْضجّتْ أصواتٌ من حولك:
الرجلُ يموتقلتُ لهم كلا..
بل يولدُ ميلاداً لا يقهره الموتوانتصبتْ قامتك كما الرمح
ونفضتَ غبار الدنيا ورنوتوانطلقتْ صرختك تزلزل كل الأشياء
اليومَ ولدتاليومَ ولدت
يا عبد الله..هذا ما كان بنومي
إنْ سرّك ما بلّغتُكفهنيئاً لك ميلادك
وإذا أوجعتك بسياطيسامحني..
فلقد أبكيتك وبكيت.1992
عن القصيدة
«رؤيا» من شعر نبيلة الخطيب، وتقع في ١١٧ بيتًا. ورويّها حرف التاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.