وتمر المدينة برقاً
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
يستوي الأمرُ:للجوع طعمٌ وحيدٌ
وللذلِّ طعمٌ وحيدٌوللخوف ألفُ قناعٍ
وللموت هجعته الواحدهيستوي الأمرُ:
فالرأس مسقطها واحدٌ .. تحت مقصلةٍوالعدو أمامي .. وألف أخ غادر من ورائي
وحب يقيِّد عمري إلى التربة الجاحدهوأنا الشجرُ العربيُّ الذي نسيَ الماءَ ،
صار السرابُ مدينتهوالرياح تُرنِّحه لا يبدل وقفته الصامده
وأنا لم أهاجرْ:ركضت وراء المدينة، وَهْي تهرول مثل الضبابِ
فأوصلني الركضُ للغربة العربيةِفيها غرقنا معاً
فاغتربت بها ، هاجرت بي لموتي الحنونْحملتْ ضوء مستقبلي ومضت
رحتُ أصرخُ أن أوقفوهاإلى الحرب تمضي وتخبطُ عشواءَ
عمريَ بين يديهاوما الحرب إلا الذي تعرفونْ
أودعتني فجائعها ..سحبت من حياتي طمأنينة العابثينْ
جئتُها مطمئناً إلى أملٍ خادع في رسائلهافوجدتُ الضواري وقد أولمتَها
وكانت تئنُّ فتجرح قلبيالمواعيد بيني وبين شوارعها أوقفتني
فألقت إليَّ أمانتها .. ثم غابت مع الزحمة الحاقدةوأنا بدويٌ .. أضاء بقلبي الزمان ، وسلمني أول الخيط :
قال: المدينة تجري إلى الفاتحين، فعجّلْ إليهاوقال: انتبه للسراب ولا تنخدعْ بمظاهرها
الناقمهكلُّ ما تدَّعيهِ المدينةُ ليس سوى خَفَر تدّعيه العروسُ
التي تتلهف أن تصل الغرفة المظلمهْقالَ : إنّ المدينةَ تجري إلى الفاتحين ،
وقالَ: السماسمرةُ استلموا ثمن الصفقة المجرمهقالَ : حاشيةُ القصرِ تعرف أنّ الفقيرَ ، بهذي الحروبِ ،
يسير من الموت جوعاً إلى الموت غدراًتعانقُ فيها البلادُ هزائمها
والخليفةُ يحملُ منها المزيدَ من الأوْسِمهوركضتُ وراء المدينة:
كانت تطاردني ، في الطريق إليها ، الكلابوكان الزحامُ شديداً على الدربِ ،
جيشُ الهزائم يعرض أوسمةَ الهاربينَوكانت حشود المساجين تَرْفلُ بالقيدِ
وهي تُصفِّق تلبية للأوامرِناديتُ ، غطّى ضجيج الجياعِ ندائي
وكانوا يحيّونَ لافتة كتبت عن مجاعتهموصرختُ ، فكمّم جند الطغاة فمي
ثم أُعلن هدر دميأيها اللؤلؤُ العربيُّ
سيسرق كلٌّ مدينته ويخبئ فيها هواهيحوّلها سجنه ، ويموت بظلمتها
فاصرخوا ، قبل أن يتكلّس سجن اللآليء قبراً على غدنا :أيُّها الطاغيه
أنت ، لا الحاشيهسبب المحنة الداميه
جاءَ طيفُ المدينة ، عانقته بالدموعْكانت الغربةُ العربيةُ تبدأ من ضفّة الجوع
والدمع يحتل ما ظل في فضلات الموائد من وطنيبعدما شبع الفاتحونْ
عانقتني المدينةُ ،كانَ نداءٌ جريح يفيض من المقلتينْ
وفيها اغتراب فجيع تشبّث بيقالَ لي : أنت قريتُنا
قالَ لي : ...قلتُ : دعني
تحلّقَ شباب من الفقر صاروا لصوصاًوصاروا من الهم جمعَ سكارى
فقلت: سلاماً لكنزي الثمينْرأيت الطفولة تحمل أضرحة
وتفتِّش عن ساهمٍ يشتري ورقَ اليانصيبِوعن دَرَجٍ لتنامَ عليه
فقلتُ: سلاماً لأبنائيَ المقبلينْرأيتُ الذي خَرَج الصبحَ يبحثُ عن خبز أطفاله
فقضى في الطريق اغتيالاًأو اقتيد للسجن ،
قلت : سلاماً لوجهي الحزينْرأيت بلاداً تجوعُ وتنذر للحرب لقمتَها
ثم يأكلها الأغنياءْوتنذر للحرب أبناءَها
ثم يقتلها حاكموهافقلتُ : سلاماً بلادي التي تتقيؤنا لاجئينْ
رأيتُ الحصارَ الذي ضاقَ حتى تجاوز حدَّ الكرامةِ والخبزِكان الطغاةُ يضنون عني بحقيّ في الحزنِ
حين أتت ضربة الغدر منهم ، وحطمتِ الرأسَذقتُ قبيلَ التهاوي دمائي
فهنّأتُ رأسي التي لم تكن تعرف الإنحناءأليسَ من العجائب أنّ مثلي يرى ما قلَّ ممتنعاً عليهِ
وتُؤْخذُ باسمه الدنيا جميعاً وما مِنْ ذاكَ شيءٌ في يديهِإليه تجمّع الأموالُ طراً ويمنعُ بعض ما يجبى عليهِ
جاءَ طيفُ المدينةِ يفضحُ سرَ انتمائي إليهافصرتُ الوباءْ
وتجنّبني الأصدقاءْأحدٌ
أحدأحد
سَقَطَ الأصدقاءقطرةً
قطرةًقطرةً
وتُركتَ وحيداً بقعر الإناءورقة
ورقةورقة
وتردَّد بعضهم ليلةًثم مالوا مع الريح حيث تميلْ
تُركتْ وحيداً وحيداً أجابه هذا الشتاءْوقَعَتْ بينهم عنزةٌ
فاشرأبّت خناجرُهمثم طالت أظافرُهم
أخذوا يطعنونفصاغوا قناعا لغدر الأخوّة
مما نزفت ، ومما تبقّى بجسمي دماءْ] حينَ تكالبَ حولي الحقدُ ، تتالى اللطمُ على وجهي المزرقِّ ،
امتلأتْ عيناي دماً وأنا أرفضُ أن أركعَ ، ثم ترنّحتُ ، مددتُيدي أبحث عن لمسة حب تسندني .. مَن منكم مدَّ يَدَه ؟
مَن منكم لم يتجنّبْ وجهي في ساعات الشدَّه ؟مَن مِنْكم لم يَتَقَدَّمْ ليصافح كف مسيلمة
في أوّل أيام الردَّة ؟ [حمّلتني المدينةُ شمساً ،
وحمّلني جُرْحها الكبرياءْأَرْهقتني المدينةُ بالحزنِ
طوبى لمن يَئسواولمن يَجرؤون على النوم والحبِّ
طوبى لمن غافلته السعادة عن حَتْفهلم يكنْ يَترقّبه بعد خطوته التاليه
مرَّ بي الدهر يوماً فيوماًولوّح لي بهزائمه العاريه
ثم مَرّت مدينتنابغتةً وأنا في الطريق إلى البيت، يُتعبُني الدربُ
تأتي إليّ وتسندنيبغتةً وأنا في ظلام اغترابي
تطلُّ وتلقي عليَّ السلامَوزائرتي كأنّ بها حياءً
فرشت لها الهزائم والمنافيقيلَ لي: أنتَ تبقى هنا في المدينة
قلتُ: وأين المدينةإني حملتُ المدينةَ وحدي وأنتم معي
تجهلون ملامِحَهاودموع المدينة وَهْيَ تصيرُ دمي
إنني قد سرقتُ المدينةَ منكمورحتُ أطارد فيها
ويُنفى من المدن الناسُمَنْ سوف ينفي المدينةَ مِنّي
تُعذِّبني وَجَعاًوتطاردني مثلَ ظلي
تفاجئني في المرايا وفي الواجهات خيالاوتمنعني من قبول المخازي
تقود لساني إلى الكلمة القاتلة:أيها الطاغيه
أنت ، والحاشيهسبب الهجرة الآتيه
جعلوا حبنا مثل شيء يُهرَّب ،يأتي إليَّ الطغاة
يصادر كلُّ دليلاً على حبناصادروهُ ، وكان التراب يُهرَّب عبرَ الحدود
وكانت حدود البلاد تلينْفتمتدُّ أو تتقلص مذعنةً
حسب ضغط العدو وضغط الطغاةوتمرّ المدينةُ برقاً
أنا الشجَرَ العربيُّ الذي نسيَ الماءَأهتز جذراً وغصناً
دموع المدينة تجري كنهرٍرأيت المدينة والنهرَ
عانقتُ قريتَنا فيهماوبكيت اغترابي
تدفق نهرٌ جديد من الفُقَراءأيها الشَجَر العربيُّ الذي نسي الماءَ
جفَّ في الرمل غَرْس منىًوالعواصف تنقله وتهجّره
إنني أذرف الصبرَ حين أرى الريح تقبلُحاملة معها الهجرة الآتيه
فلنكن لؤلؤاً عربياًليسرق كلٌّ مدينته
ويعانق فيها هزائمهويحوِّلها سجنه
ويموت معيوسط أمواجها العاتيه.
عن القصيدة
«وتمر المدينة برقاً» من شعر ممدوح عدوان، من العصر الحديث، وتقع في ٩٠ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.