الأسطورة الأزليّة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
كان زمان ، لم يكن كائناو حالة ، ما برحت باقية
ملّ بنو الإنسان أطوارهمو برموا بالسقم و العافية
فاستصرخوا خالقهم و اشتهوالو أنّه كوّنهم ثانية
و بلغت أصواتهم عرشهفي ليلة مقمرة صافية
فقال ، إنّي فاعل ما اشتهوالعلّ فيه حكمة خافية
و شاهدوه هابطا من علفاحتشدوا في السّهل و الرّابيه
من القرى القانعة الطاويةو المدن الجامحة الغادية
تألّبوا من كلّ صوب كماتجتمع الأمطار في الساقيه
يسابق الصّعلوك ربّ الغنىو الأبله الباقعة الداهية
و يدفع الشّيخ التوى عودهوصار مثل الرمّة البالية
فتى مضى الفجر و لمّا نزلروعته في وجهه باقية
و تزحم الحسناء ممكورةخلابة كالروضة الحالية
دميمة تشبه في قبحهامدينة مهجورة عافية
فقال ربّ العرش : ما خطبكم :مابالكم صرخاتكم عالية ؟
هل أصبحت أرضكم عاقرا ،أم غارت الأَنجُمُ في هاوية ؟
أم أقلع الماء فلا جدول ،و ماتت الطير فلا شادية ؟
أم فقدت أعينكم نورها ،أم غشيت أرواحكم غاشية ؟
أين الهوى ، إن لم يكن قد قضىفكل جرح واجد آسية
الفتى :قال الفتى : يا ربّ إنّ الصّبا
مصدر أحزاني و آلاميألبستنيه مونقا بعدما
أبلاه أخوالي و أعماميو صار في مذهبهم عصره
فترة زلاّت و آثامفاختلفت حالي و حالاتهم
كأنّني في غير أقواميوصرت كالجدول في فدفد
أو شاعر ما بين أصنامو الأخضر المورق في يابس
أو مثل صاح بين نوّامدنياهم دنياي ، لكنّما
أعلامهم ليست كأعلاميعندهم الروضة أشجارها
و الروض عندي الزهر الناميو الطير لحم ودم عندهم
و ليس عندي غير أنغامسكري بها أو بالندى و الشذى
و سكرهم بالخمر في الجاميسخر قلبي بلياليهم
و يسخر الدهر بأيّاميكأنّني جئت لتبكيتهم
كأنّما جاؤوا لإيلاميعبء على نفسي هذا الصّبا
ألجائش المستوفز الطامييزرع حولي زهرات المنى
و شوكها في قلبي الداميفان ؛ له كلّ فان هوى
فان ، و لا ينجو من الذامخذه ، و خذ قلبي و أحلامي
فإنّني أشقى بأحلاميومر يمرّ الدهر في لحظة
كالطيف أو كالبرق قدّميوازرع نجوم في لمّتي
فينجلي حندس أوهاميفأبصرُ الحكمة في ضوئه
إني إليها جائعٌ ظاميالشبح :
وجاء شيخ حائر واجفمشتعل اللّمّة بالي الإهاب
كأنّما زلزلة تحتهلما به رعشة واضطراب
فصاح : يا ربّاه خذ حكمتيواردد على عبدك عصر الشباب
إنّ أماني الروح أزهارهاو إنّ روحي اليوم قفر يباب
لا جدولٌ، لا بلبلٌ منشدٌ،بلى، بها الوحشة والإكتئابْ
تلك الأماني ، على كذبها ،لم تكن اللّذّة فيها كذّاب
زالت و ما زالت ؛ و إنّ الشّقاأن تطمس الآي و يبقى الكتاب
و تسلب السرحة أرواقهاو لم تزل أعراقها في التراب
كنت غنيّا في زمان الصّباو كنت صفر الكفّ ، صفر الوطاب
صحوت من جهلي فأبصرتنيكأنّني سفينة في العباب
قيل لها ، في البحر كلّ المنىفلم تجد فب البحر إلاّ الضّباب
نأت عن الشّطّ و لم تقتربشبرا من السرّ الذي في الحجاب
و لو ترجّى أو به لاشتفتلكنّما عزّ عليها الإياب
مر تقف الأيّام عن سيرهافإنّها تركض مثل السّحاب
وضع أمامي ، لا ورائي ، المنىوطوّل الدرب ، وزد في الصّعاب
ما لذّتي بالماء أروى بهبل لذّتي بالعدو خلف السّراب
الحسناء :و قالت الحسناء : يا خالقي
و هبتني الحسن فأشقيتنيوجهي سنّي مشرق ، و إنّما
مرعى عيون الخلق وجهي السنيحظّي منه حظّ ورد الربى
من عطره الفوّاح و السوسنو مثل حظّ السرو من فيئه
و الطير من تغريدها المتقنو مثل حظّ النجم من نوره
في الحندس المعتكر الأدجنللقائل الفيء ، و السامع
التغريد ، و الزهرة للمجتنيو النور للمدلج و المجتلي ،
و الدرّ للغائص و المقتنيكم ريبة دبّت إلى مضجعي
مع الجمال الرائع الممكنإن عشقت نفسي فويل لها
و الويل لي إن رجل حبّنيالسمّ و الشوك و جمر الغضا
أهون من كاشحة الألسنكم تقتفيني نظرات الخنا
ويلي من خائنة الأعينلم يبق في روحي من موضع
يا ربّ لم يخدش و لم يطعنإنّ الغنى في الوجه لي آفة
فليت أنّي دمية ليتني ...الجارية :
و سكتت ؛ فصاحت الجاريةباكية من بؤسها شاكية :
ذنبي إلى هذا الورى خلقتيفهل أنا المجرمة الجانية ؟
إن أخطأ الخزّاف في جبله الطين فأيّ ذنب للآنية ؟
أليس من يسخر بي يَزدَريبالقوّة الموجدة البارية ؟
لو كنت حسناء بلغت العلىفللجمال الرتبة العالية
فبات من أسجد قدّامهصاغرة يسجد قدّمية
فإنّني في ملإ ظالمأحكامه جائرة قاسية
ليس لذّات القبح من غافروفيه من يغفر للزّانية
نفسي جزء منك ، يا خالقيو إنّها عاقلة راقية
أليس ظلما ، و هي بنت العلى ،إن تك بالقبح إذن كاسية ؟
فليكن الحسن رداء لهاترفل به ، أو فلتكن عارية
الفقيرو أقبل الصّعلوك مسترحما
في مقلتيه شبح اليأسيصرخ يا ربّاه حتّى متى
تحكّم الموسر في نفسي ؟و تضع التاج على رأسه
و تضع الشوك على رأسي ؟و يشرب اللّذّات من كأسه
و أشرب الفصّات من كأسيو تنجلي الأنجم في ليله
ضاحكة كالغيد في عرسو يتوارى في نهري السنا
أو يتبدّى حانق الشّمسيا ربّ لا تنقله عن أنسه
و إنّما انقلني إلى الأنسفإن تشأ أن لا يذوق الهنا
قلبي فجرّدني من الحسّلو لم يكن غيري في غبطة
ما شعرت روحي بالبؤسالغني :
و قال ذو الثّروة : ما أشتهيلا أشتهي أنّي ذو ثروة
أنفقت أيّامي على جمعهاو خلتني أدركت أمنيتي
فاستعبدتني في زمان الصباو أوقرت بالهمّ شيخوختي
قد ملكتني قبلما حزتهاو ملكتني و هي في حوزتي
كنحلة أمسكها شهدهامن الجناحين فلم تفلت
حسبتها تكسبني قوّةفافترست قوّتها قوّتي
جنت على نفسي و أحلامهاجناية الشوك على الوردة
ينمو فتذوي فهي علّيقهيحذرها الطائف بالروضة
من قائل عنّي لمن خالنيأمرح من دنياي في جنّة :
لا تنظر الأضواء في حجرتيوانظر إلى الظلماء في مهجتي
و لا يغرّنّك قصري فماقصري سوى سجن لحرّيّتي
أنّي في الصرح الرفيع الذرىكطائر ، في قفص ، ميّت
كم في عباب البحر من سابحقد مات ظمآنا إلى قطرة
موت الطوى شرّ و لكنّماأفظع منه الموت بالتّخمة
إن سهر العاشق من لوعةأو سهر المحزون من كربه
فالشوق كالحزن له آخرو ينقضي في آخر المدّة
أمّا أنا فقلقي دائمما دمت في مالي و في فضّتي
و الخوف من كارثة لم تقعأمصّ من كارثة حلّت
كم من فقير مرّ بي ضاحكاكأنّما يسخر من غصّتي
رأيته بالأمس من كوّتيفخلتني أنظر من هوّة
و كنت كالحوت رأى موجةضاحكة ترقص كالطفله
أو حيّة تدبّ في منجمترنو إلى فراشة حرّه
قد اختفت ذاتي في بردتيفما يرى الخلق سوى بردتي
فهم إذا ما سلّموا سلّمواعلى خيوط البرد و الحلّة
ربّاه أطلق من عقال الغنىروحي ، فإنّي منه في محنه
وانزع من الدينار من قبضتيصلابة الدينار من سحنتي
و حوّل المال إلى راحةو حوّل القصر إلى خيمة
للأبلهو صرخ الأبله مستفسرا
ما القصد من خلقي كذا و المراد ؟ألم يكن يكمل هذا الورى
إلاّ أوجدتني في فسادلي صورة النّاس و حاجاتهم
من مطعم أو مشرب أو رقادلكنّ لبّي غير ألبابهم
فإنّه مكتنف بالسواديعجزني إدراك ما أدركوا
كأنّ عقلي فحمة أو رمادإن كنت إنسانا فلم يا ترى
لست بادراكي كباقي العباد ؟أولم أكن منهم فمرني أكن
جرادة أو أرنبا أو جوادفالندّ لا يعدم مع ندّه
ذريعة للسلم أو للجهادلا تسخر النّملة من نملة
و ليس يزري بالقراد القرادأم أنت كالحقل على رغمه
ينمو مع الحنطة فيه القتادللأديب :
وجاء بعد المستريبالألمعي العبقريّ اللّبيب
فقال : إنّي تائه حائرأنا غريب في مكان غريب
أبحث عن نفسي فلا أهتديو ليس يهديني إليها أريب
أنا عليم حيث لا عالمأنا لبيب عند غير اللّبيب
لو أنّني كنت بلا فطنهسرت و لم تكثر أمامي الدروب
و كان عقلي كعقول الورىو كان قلبي مثل باقي القلوب
و صار عندي كالنجوم الورىفلا عدوّ فيهم أو حبيب
ولم أر في ضحكهم و البكاشيئا سوى الضّحك و غير النّحيب
و لم أسائل كوكبا طالعاما لك تبدو ، و لماذا تغيب
و لم أقف في الروض عند الضحىيذهلني لون و شكل و طيب
و لم أقل ما كنت من قبلماكنت ، و لا ما في سجلّ الغيوب
ما العقل ، يا ربّ ، سوى محنةلولاه لم تكتب عليّ الذنوب
الخاتمة :لمّا وعى الله شكايا الورى
قال لهم : كونوا كما تشتهونفاستبشر الشيخ و سرّ الفتى
و الكاعب الحسناء و الحيزبون...
لكنّهم لمّا اضمحلّ الدجىلم يجدوا غير الذي كانا
...هم حدّدوا القبح فكان الجمال
و عرّفوا الخير فكان الطلاحو ليس من نقص و لا من كمال
فالشوك في التحقيق مثل الأقاح...
و ذرّة الرمل ككلّ الجبالو كالذي عزّ الذي هانا
عن القصيدة
«الأسطورة الأزليّة» من شعر إيليا أبو ماضي، من العصر الحديث، وتقع في ١٤٧ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.