ما للهوى إلا الرصافة مأرب
الشاعر: ابن الأبار البلنسي · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة عامة
«ما للهوى إلا الرصافة مأرب» من شعر ابن الأبار البلنسي، من العصر المملوكي، وتقع في 47 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مَا لِلْهَوى إلا الرُّصافَةَ مأرَبُ — بَعدَ الغَدير فكيفَ يصْفو مشرَبُ
كانا مراداً للنّعيم وَمَوْرِداً — إذْ كُنْت بَيْنَهُما أجيءُ وأذهَبُ
والإلْف لِلْميعادِ بي مُتَرَقّبٌ — والدّهر بالإسْعادِ لي مُتَقَرِّبُ
وَتلاعَبت أيدي النوى بِهما وَبي — حتى انقضى لَعِبٌ وأقْفَر مَلْعبُ
وللّهِ أسْحَارٌ بها وأصائلٌ — كانتْ تُفَضّضُ صبْغَةً وَتُذَهّبُ
وكأنّ كافوراً ومِسكاً لَيْلُها — ونهارُها ممّا يَروق وَيُعْجِبُ
يزداد حُسْناً صبحُها بِرُوائِها — ويكادُ يُشْرقُ من سناها الغَيْهَبُ
تلكَ المَغاني لا حُجِبنَ كأهلِها — عَني فَوَجْدي سافِرٌ لا يُحجَّبُ
وَلعَمْرُ ما أنْفَقْت مِن عُمري بِها — وجَنيْت مِن ثَمَراتِ عَيش يَعْذُبُ
وَلأَغلِبَنّ عَلى السلوّ صَبابتي — والشّوْقُ في كُل المواطن أغْلبُ
ولأندُبَن بها الشّباب وشَرْخَه — إنّ الشباب أحَقُّ فَانٍ يُنْدَبُ
ساحاتُ حُسْنٍ طَرّزَتْ أوقَاتَها — ساعاتُ أنسٍ رَدُّها مُسْتَصْعَبُ
وأجرُّ أذْيال الهَوَادَة والهوى — يَقْتَادُني دَلُّ الحِسَان فَأُصْحبُ
كم جِئْتُ بينَ خَمائلٍ وجَداول — مِنها أصعّد في المُنى وأصوِّبُ
ومُغازلاً فَتَيَاتها في فِتْية — ما منهمُ إلا أغَرُّ مُهَذّبُ
بينَ الأباطحِ والرُّبى مُتَصَرّفٌ — ومَع الصّبابة والصّبَا مُتَقَلّبُ
خَلَعوا على زَهْرِ الرّياضِ حُلاهُم — فَغدا بهم خَيْريُّها يتأدَّبُ
نَسَبَتْه للكرم الصريح شَمائِلٌ — أدَبيّةٌ عنها يَنِمُّ وَيُنْسَبُ
فَمَعَ الصّباح تبتُّلٌ وتَقَلّصٌ — ومع الظلام تبذُّلٌ وتَسحّبُ
كانتْ مآنسَ بل نفائسَ أصبحْت — مَسْلوبَةً وكذا النّفَائسُ تُسلبُ
أين المذانِبَ لا تزال تأسُّفا — تَجري عليها من دُموعيَ مذنبُ
من كُلّ بسّام الحَبابِ كأنّه — ثغرُ الحَبيبِ وريقهُ المُسْتَعذَبُ
كالنّصلِ إلا أنّه لا يُتَّقى — كالصّلِّ إلا أنّه لا يُرْهَبُ
تَقتادُنا أقْدامُنا وجِيادنا — لجنابهِ وهوَ النّضيرُ المُعشِبُ
لَهَجاً بِدُولاب تَرَقّى نهره — فَلَكا ولكنْ مَا ارْتَقاهُ كَوْكَبُ
نَصَبَتْهُ فَوْقَ النّهْر أيْدٍ قَدّرت — ترويحَه الأرْواح سَاعَةَ يُنْصَبُ
فَكَأنّه وهو الطّليقُ مقيّد — وكأنه وهوَ الحبيسُ مُسيَّبُ
للماءِ فيهِ تصعُّدٌ وتحَدُّرٌ — كالمُزنِ يَسْتَسْقي البحار ويسكُبُ
يُعْلي ويُخْفِضُ رنَّتَيْهِ كَما شدا — غَرِدٌ وتابعَ في زئيرٍ أغْلَبُ
شَاقَتْهُ ألحانُ القِيان وشاقها — فيبوحُ من كَلَفٍ بهِنّ ويطْربُ
أبَداً على وِرد ولَيْسَ بقانِعٍ — من غُلّة في صدرِهِ تَتَلّهبُ
كالعاشِقِ الحَرّان يرتَشفُ اللّمى — خَمرا ولا يرويه ريقٌ أشْنَبُ
هَامَتْ بهِ الأحْداق لمّا نادَمت — منهُ الحَدائقُ ساقِيا لا يشربُ
هَلْ تُرْجعُ الأيّامُ عَصْرَ شييبة — مازلتُ فيها بالحسانِ أشَبّبُ
حيثُ النسيم بما يَمُرّ عليهِ من — حقّ الرّياضِ مُضمّخٌ وَمُطَيّبُ
أيّام يُرْسَل من شبابيَ أدْهَمٌ — أرنٌ ويُشكِلُ من مَشيبيَ أشهَبُ
أمّا الرُّصافة فهيَ سَمْتي لا الحِمى — ولِوى الصريمُ ولا العُذَيبُ وغُرّبُ
ربَّى الهوى منها مكانٌ طيّب — وَلَد السُّرور به زَمانٌ مُنْجِبُ
تاللّهِ ما أنْصَفْتُ أهْلَ مَوَدّتي — شرّقت أشرَق بِالبِعاد وغرّبوا
وأعيذُهُم إذْ لَمْ يُلقِنا جَانِبٌ — مِنْ أن تَطولَ قَطيعَةٌ وتجنُّبُ
فعلام ضَنُّوا بالتّحيّة رغبَة — عنّي كأنّي عَن هواهُمُ أرغَبُ
هَذا فُؤادي قَد تَصَدّع بعدهُم — من يَرْأبُ القَلبَ الصديع ويشعبُ
ولَقد تَغُرُّنيَ المُنى فأطِيعُها — سَفَهاً وبَارقَةُ الأماني خُلّبُ
وأخفُّ ما حُمّلتُ من عِبْءِ الهوى — أنْ أسْتريحَ إلى مَطامع تُتْعبُ
يا منْزلاً كانَ الحِفاظُ يُجِلُّهُ — والجودُ بالضِّيفَانِ فيهِ يُرَحّبُ
أَهوى حلولَك ثُم يسلبُني الهوى — أنّ العَدُوّ بِجانبَيْك مطنِّبُ
أصْبَحْتُ فيك مُعَذَّلاً ومُعذَّبا — وكذا المُحِبُّ مُعَذَّلٌ ومعذَّبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الغيهب: الغَيْهَبُ : الظّلمة الشَّديدة؛ غادر القريةَ في غياهب اللَّيل.- من الليل: الشَّديدُ الظُّلمة.-! الشَّديد السَّوادِ من الخيل.-: الكِساءُ الكثير الصُّوف.-: الضَّعيف الغافل مر الرِّجالِ؛ لاتعتمد على الغيهب في إنجاز العمل ال …
- صبحها: صبح: الصُّبْحُ: أَوّل النَّهَارِ. والصُّبْحُ: الفجر. والصَّباحُ: نقيص المَساء، وَالْجَمْعُ أَصْباحٌ، وَهُوَ الصَّبيحةُ والصَّباحُ والإِصْباحُ والمُصْبَحُ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فالِقُ الْإِصْباحِ؛ قَالَ الْفَرَّاء …