أعد نظرا إلى الزمن النضير

الشاعر: ابن الأبار البلنسي · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة عامة

«أعد نظرا إلى الزمن النضير» من شعر ابن الأبار البلنسي، من العصر المملوكي، وتقع في 85 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة عامة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أَعِدْ نظَراً إلى الزَمنِ النَضيرِ ... تَرَ الفَذَّ الوَحيدَ بِلا نَظيرِ

وما أَن لاحَ وَضَّاح المحيَّا ... فقل إشراقُ بَدرٍ مُستَنيرِ

وَقَد برَقَت أسرَّتُه سُروراً ... كَمثل وَميض برق مُستَطيرِ

كأنَّ نهارَه والليل صِيغَا ... مِن الكافورِ والمِسكِ النَثيرِ

وَقد لبِسَ الأصيلُ هناكَ دِرعا ... فَكأن علَيهِ رَدعاً في عَبيرِ

وَما متعَ الضُّحى إلا حَبانا ... بِأَمتَعَ من مُحادَثة البَشيرِ

فمِنْ رِئي رَبيعيٍّ وَري ... كإشراقِ الرياضِ عَلى الغَديرِ

تَبارَكَ مَن كَساه سَنىً وَحُسناً ... وبارَكَ في الرواحِ وفي البكورِ

تَبَرّجَ أو تَبَلَّج فاشرَأَبَّتْ ... لبَهجَتِهِ القُلوبُ مِن الصّديرِ

وَشَعشَعَ مِن سَنَاه فاستَتَبَّتْ ... بَدائِع رُقْن من نَوْر ونُورِ

رأيتُ بِها العَذارَى طالِعاتٍ ... شُموسا من سُموتٍ لِلخدورِ

مُضَمّخَةَ الذَوائِبِ بِالغَوالي ... مُقَلّدَةَ الترائِب بالبخُورِ

أُعَاطي ذِكْرَها صَحبِي فَتَهفو ... مَعاطِفُهم على حُكمِ السُرورِ

وَيَستَشرِي ارتِياحُهُم كأني ... أصرّفُ بَينَهُم صَرْفَ الخُمورِ

فبُشرَى ثُم بُشرَى ثُمَّ بُشرَى ... مُكرّرَةً عَلى كَرِّ العُصورِ

نطَقْتُ عَنِ المَكارِمِ والمَعالي ... بِها وعَنِ المَنابِرِ والقُصورِ

وَعن دُنيا مُهنَّأةٍ ودينٍ ... وَعن ذاتِ الصّليلِ وذي الصّريرِ

بِمَيْمُونِ المَطالِعِ والمَساعي ... ومَأْمُون الستارِ أَو السُفُورِ

هِلالاً حَلَّ مَنْزِلَة الثريَّا ... وَقَبَّل راحَة البَدْرِ المُنيرِ

وَشِبْلاً يَهْصُر الآسادَ بأساً ... أَلَمَّ بغَابَة الأَسَد الهَصُورِ

ونَجْداً يَسْتَخِفُّ الشمّ حِلْماً ... نَحا رضْوى وَحَطَّ عَلى ثَبيرِ

وَمُزْناً يَسْتَهِلُّ نَدىً وجُوداً ... أَتى بَحراً يُطُمُّ عَلَى البُحورِ

أميرُ الدَّهْر يومٌ فيه وافَى ... أبو يَحيَى الأمير ابنُ الأميرِ

لدارِ المُلك صَار وسار يُمْناً ... فأسْعِدْ بالمَصيرِ وبالمَسيرِ

يؤُمُّ بها إمامَ العَدْلِ يَحْيَى ... سرَاجاً كالسّريجِي الشّهيرِ

لِيُوسِعَها التِزاماً والتثاما ... كَما ازْدَحم الحَجيجُ عَلى السُتورِ

وأَكرَمُ زائرٍ نجْلٌ أقرَّت ... عُلاه عَيْن نَاجِلهِ المَزُورِ

تجلَّى يَمْلأ الدُّنيا جَلالاً ... وأَكنافَ السهولَةِ والوُعورِ

فَكَم مِن أَنْفُس لِهُداهُ مِيلٌ ... وَكَم مِن أعْينٍ لِسَناهُ صُورِ

وَجاشَتْ مِنْ حَوالَيْهِ جُيوشٌ ... تَجُلُّ بِحارُهُنَّ عَن العُبورِ

وَراياتٌ كأَفْئِدَة الأَعادِي ... إِذا خَفقت وأَجنحة الطيورِ

تُخَبِّر ألسُنُ العَيِيَاتِ عنْها ... بِما يُعْيِي عَلَى اللسِنِ الخَبيرِ

فَإنْ تُصْبِحْ لَها الدُّنيا طُرُوساً ... فَقَد صُفَّت عَلَيها كالسطورِ

هُمامٌ صِيغَ مِن كَرَم وَمجدٍ ... وأُوتِيَ شيمتي خَيْرٍ وَخِيرِ

تَقَحّم غَمْرة الأخْطارِ لَمّا ... سَما هِمَماً إِلى نَيْلِ الخَطيرِ

وأنْكَرُ ما لَديهِ غِرارُ سَيْفٍ ... بِلا فَلٍّ ووَفرٌ في وُفورِ

وآنقُ ما يَكُرُّ اللحظَ فيهِ ... نَجيعٌ حائِرٌ أثْناءَ مُورِ

يزور الحَرْب مُرْتاحاً إلَيها ... ويَألفُ حِجْرَها دُونَ الحُجورِ

بِآيَةِ مَا غَذَتْهُ وأَرْضَعَتهُ ... صَغيراً في حِجى الكَهلِ الكَبيرِ

وَسَلَّتْ مِنْه صدْق الضّربِ عَضْباً ... مُبيراً كُلّ كَذّابٍ مُبيرِ

وَقوراً والجبالُ تخرُّ مِمَا ... يُزَلزلُ جانِبَ الأرْضِ الوَقورِ

كأنَّ علَيهِ نَذْراً أنْ يُوَافي ... رَجاها فَهوَ يُوفي بِالنذورِ

يَجُرُّ جُيوشَها حالاً فَحالا ... ليَرتَفِعَ انتِصاباً لِلْهَجيرِ

ويختارُ السُّروج على الحَشايا ... مِهاداً والحَديد عَلى الحَريرِ

غَدَتْ تهراق أنْصُلُه دِماءً ... بِهامَةِ كلّ خَتَّارٍ فَخورِ

وتَقذفُها مُهَنّدَةً ذُكورا ... وما قَذْفُ الرِّمَى شِيَمُ الذُّكورِ

وَإنْ فجَرتْ أعادِيه انْتِقاضاً ... ولَجَّتْ في العُتوّ وفي النُّفورِ

فَماءُ حديدِهِ لهُمُ طَهُورٌ ... يُصَبُّ عَلَيهِمُ بِيَد الطَّهورِ

ألَمْ ترَ كيفَ حاطَ الشّرْقَ رِدءاً ... يَرى التّمكينَ مِنْ عَزْمِ الأمورِ

ومَلَّ الغرْبُ غرْبَ ظُباه عَوداً ... ثَناهُ إِلى الغُروبِ عَن الغُبورِ

تَولّى الناصِرِيّةَ مِنهُ أَوْلى ... وَلِيّ لِلإمارَةِ أوْ نَضيرِ

وَرَدَّ جَلالةً في كُلِّ جُلَّى ... عَلى أدراجِها نُوَبَ الدّهورِ

فَكَم جَبرَتْ لُهاهُ من كَسيرٍ ... وَكَم فكَّتْ ظُبَاهُ مِن أَسيرِ

وَكَم خَطبتْ على الأسوارِ هامٌ ... رَماها الجِدُّ بالجَدِّ العثورِ

تُحَذِّر مِن مُواقَعَةِ المَعاصي ... وَتَنْهَى عَن مُتابَعَة الغُرورِ

تَجَهَّمَتِ البَشيرَ فلَمْ يرُعْها ... بِمُصْطَلَمَاتِها غَيرُ النّذيرِ

وَإنْ غَرَّ الغُواةَ ذُرى جِبالٍ ... يُرَوْنَ بِها نُسوراً في وُكورِ

فَلَيْسُوا في حُصون بَل سُجونٍ ... وَلَيْسُوا في قُصور بَلْ قُبورِ

وَسُكّانُ الجَنوبِ وَجانِبَيْها ... سَيُسحِتُهُم بِه عَصْفُ الدّبورِ

وَلَوْلا أنّها رَكدتْ رِياحٌ ... لباءَتْ مِنهُ باليومِ العَسيرِ

وَزاغَتْ زُغبَةٌ ثُمَّ استَقَامتْ ... فقَد عادَتْ بِعَفْوٍ مِنْ قَديرِ

وَشاد نَجاةَ شدَّادٍ خُضوعٌ ... وَفي أَعمارِهِم حَتْمُ الدُّثورِ

وزَانَ زَناتَةً أنْ لم يَشُقْها ... شِقاقٌ جامِعٌ وِزْراً لزورِ

وبَيْنَ الزاغِبينَ وبَينَ زُغْبٍ ... تَحَوَّل عُرْفُها نحْوَ النّكيرِ

ورُبَّ مُسَوَّد لِبَني سُوَيْدٍ ... مَقود بِالجَرائرِ فِي جَرِيرِ

وَجبْت مِن بَني الجَبارِ أودَى ... عَلَى صُغْرٍ بِلَهْدَمِهِ الطّريرِ

وَضَحَّى بالعُصَاةِ بَنِي تَميم ... ضُحى يَوْم عَبُوسٍ قَمْطَريرِ

أَدارَ عَلَيْهِمُ كَأسَ المَنَايا ... فَما اسْطاعُوا بِها رَدَّ المُديرِ

تَجَرَّعَها لَهَاهُم وهي صَابٌ ... بِمَا رَغِبَتْ عن الشهْدِ المَشُورِ

وَفي سَحقِ ابن إسحاق اعْتِبار ... ومَا أفْضَى إِلَيهِ مِن الثبورِ

مَحاهُ وكانَ ذا دَهْي طَويلٍ ... بِأبْتَرَ مِنْ صَوارمِهِ قَصيرِ

وَإِنْ هوَ لَمْ يُباشِره ضرَاباً ... فخِيفَتُهُ طَوتْه إلى النشورِ

وَكَم غَشِيَ الوَغى ولَه زَئيرٌ ... فبُدِّلَ بالزّفيرِ من الزَئيرِ

وَطارَ إِلى غِمار المَوْتِ صَقْراً ... فَحُطَّ إِلى البُغاثِ عَن الصُّقورِ

سُيوفُ بَني أَبي حَفْصٍ نَفَتهُ ... وَقادَتْهُ إِلى سُوءِ المَصيرِ

وَلَوْلاهَا لَسَعَّرَها حُرُوباً ... كَما اضْطَرَمَتْ علَيْهِ لَظَى السَّعيرِ

عُداتك في يدَيك وَإن تَناءَتْ ... فَلِمْ تسْتنَّ في طُرُقِ الغُرورِ

إليكَ تَفِرُّ مِنْكَ بِلا ارْتِيابٍ ... كَأعجازٍ تُرَدُّ عَلى صُدورِ

وَلِيَّ العَهدِ دَعوةَ مُسْتَجيبٍ ... لِدَعْوتِهم وَقَوْلةَ مُسْتَجيرِ

جَرَى بِكُمُ القَريضُ إِلى مَداهُ ... وَجَرّرَ ذَيْلَ مُختالٍ فَخورِ

وآلَى الشعرُ لا يَألُو سُمُوّا ... بِمَدْحِكُمُ عَلى الشِّعرى العبورِ

وَإِني كُلَّما غَفَلُوا ونَامُوا ... أسَامِر في الثّناءِ ابْنَيْ سَميرِ

وَأسْنَى البَذْل من مَوْلَىً جَوادٍ ... إصَاخَتُهُ إلى عَبْدٍ شكورِ

تملّ شَباب مُلكِكَ في سُرورٍ ... وسرْوُك والعُلى مِلْءُ السّريرِ

وَدُمْ للدّين والدُّنيا أَميراً ... وَما غَيْرُ المُهَنَّدِ مِنْ وَزيرِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.

تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • الفذ: (فَذَّ) الْفَاءُ وَالذَّالُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْفِرَادٍ وَتَفَرُّقٍ. مِنْ ذَلِكَ الْفَذُّ، وَهُوَ الْفَرْدُ. وَيُقَالُ: شَاةٌ مُفِذٌّ، إِذَا وَلَدَتْ وَاحِدًا، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَادَتَهَا فَهِيَ مِفْذَ … (مقاييس اللغة)
  • الكافور: أفر: الأَفْرُ: العَدْوُ. أَفَرَ يَأْفِرُ أَفْراً وأُفُوراً: عَدَا وَوَثَبَ؛ وأَفَرَ أَفْراً، وأَفِرَ أَفَراً: نَشِطَ. وَرَجُلٌ أَفَّارٌ ومِئفَرٌ إِذا كَانَ وَثَّاباً جَيِّدَ العَدْوِ. وأَفَرَ الظَّبْيُ وَغَيْرُهُ، بِالْف … (لسان العرب)
  • النثير: نثر: اللَّيْثُ: النَّثْرُ نَثْرُكَ الشيءَ بِيَدِكَ تَرْمي بِهِ مُتَفَرِّقًا مثلَ نَثْرِ الجَوْزِ واللَّوْزِ والسُّكَّرِ، وَكَذَلِكَ نَثْرُ الحَبِّ إِذا بُذرَ، وهو النِّثَارُ؛ وَقَدْ نَثَرَهُ يَنْثُرُهُ ويَنْثِرُهُ نَثراً … (لسان العرب)
  • النضير: ضير: ضارَهُ ضَيْراً: ضَرَّه؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ: فَقِيلَ: تَحَمَّلْ فَوْقَ طَوْقِكَ إِنَّها ... مُطَبَّعَةٌ، مَنْ يَأْتِها لَا يَضِيرُها أَي لَا يَضير أَهْلَها لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا، وَيُرْوَى: نابَها؛ يُقَالُ: ضارَني ي … (لسان العرب)
  • برقت: برق: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: البَرْقُ سَوط مِنْ نُورٍ يَزجرُ بِهِ الملَكُ السَّحَابَ. والبَرْقُ: وَاحِدُ بُروق السَّحَابِ. والبَرقُ الَّذِي يَلمع فِي الْغَيْمِ، وَجَمْعُهُ بُروق. وبرَقت السَّمَاءُ تَبْرُق بَرْقاً وأَبْرَقت … (لسان العرب)
  • حبانا: حبأ: الحَبَأُ عَلَى مِثَالِ نَبَإٍ، مَهْمُوزٌ مَقْصُورٌ: جَلِيسُ المَلِك وخاصَّته، وَالْجَمْعُ أَحْباء، مِثْلُ سَبَبٍ وأَسْبابٍ؛ وَحُكِيَ: هُو منْ حَبَإِ المَلِكِ، أَي مِنْ خاصَّته. الأَزهري، اللَّيْثُ: الحَبَأَةُ: لوْحُ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • مرقوم الخد مورده
  • لم يخن في الحب تأويلي
  • أحد لسان الشكر جلب المنائح
  • أحسنوا العطف عليها مهجا
  • نادتك أندلس فلب نداءها
  • لبانة المستهام لبنى
  • حسب الوجود على التأييد برهانا
  • وعلى حفصية فهرية