حجر الفراغ

الشاعر: طالب همّاش · البحر: الطويل

«حجر الفراغ» من شعر طالب همّاش، وتقع في 42 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

الليلُ "أيّوبٌ" حزينٌ فوق مئذنةِ المدينةِ‏ ... والمقاهي وقتها مرٌ كأوراقِ الخريفِ‏

يقيمُ عزلتها على حجرِ الفراغِ اليائسونْ.‏ ... يتمرّسونَ بطعمِ علقهما الأحدِّ‏

ويلقمُ التنباكُ حلمته المريرةَ‏ ... للشفاهِ البله في سأمٍ‏

فيبكي الوقتُ صفرته‏ ... على صوتِ النراجيلِ الضريرةِ‏

ثم يذبلُ في العيونْ.‏ ... لم يبقَ في أرجائها‏

غيرُ احتضارٍ أسود القمصانِ‏ ... يحملهُ هواءٌ مالحٌ‏

كالنعشِ في طرقاتها الكسلى‏ ... ويمشي خلفه المتسكّعونْ.‏

وَهَنَتْ كهولتها‏ ... فمالتْ كي تحالفَ وحشةَ الأصنامِ..‏

إمرأةٌ تنصّبُ قلبها البدويَّ قدّيساً‏ ... على الأشواكِ..‏

لا قمراً لينفخَ من بقايا الروحِ‏ ... في ظلمائها السوداءِ‏

لا ناياً ليغمسَ كالشموعِ الخضرِ‏ ... في ساعاتها الجرداءِ إصبعه الصغيرةَ‏

كي يعكّرَ ماءها الساجي‏ ... بدمعاتِ العيونْ.‏

لا بائعُ الآسِ العجوزُ (مشرَّدٌ)‏ ... في شارعِ العشاقِ‏

لا امرأة تطرّزُ من ضفائرها‏ ... أهازيجاً لأيلولَ الكئيبِ..‏

سوى خيولِ الدمعِ‏ ... تركضُ خلفَ أشجارِ الخريفِ جريحةً‏

والناسُ في أوقاتهم مثل الدمى مستبهمونْ.‏ ... لا صوتَ أغنيةٍ يطيّر بُلبلاً‏

في زرقة الروحِ الحزينةِ‏ ... كي يفكّرَ عاشقٌ بالانتحارِ‏

على ضفائرِ من يحبّ..‏ ... ولا حمائم كي يطيّرها رسائلَ للغيابِ‏

العاشقونْ.‏ ... فقط ارتجالٌ ضائعُ الأصوات‏

يرفعهُ ندامى اليأسِ كالكهّانِ‏ ... في الأفقِ المضرّجِ بالفراقِ الصعبِ..‏

والحزنُ المراوغُ يقتفي أعمارهم كالذئبِ‏ ... في برّيةِ الشمس التي غربت،‏

ويعوي في ظلامٍ لا يخونْ.‏ ... الليلُ أيوبٌ حزينٌ والمراثي‏

كلها نضبتْ وأبلاها الذبولُ..‏ ... وعندّ أطرافِ البحيرةِ‏

يجلسُ الرجلُ المصابُ بشهوة الموتِ‏ ... العميقةِ‏

شاخصاً في آخرِ الأمواجِ..‏ ... يستبكي زماناً ضائعاً..‏

بين الحقيقةِ والجنونْ!‏ ... فيرى يداً بيضاءَ‏

تطلعُ من شقوقِ الغيمِ‏ ... رافعةً قناديلَ الكآبةِ‏

فوق مئذنةِ الخليقةِ‏ ... ثم تغرقُ في دمِ الحنّاءِ‏

مطبقةً أصابعها على شمسٍ‏ ... تغّيبها الظنونْ.‏

ويرى على شجر الأسى العالي‏ ... حمامةَ (مريمٍ) مذبوحةً بالنايِ‏

والحزنِ الأشفّ..‏ ... يضيئها قمرُ العشيّاتِ الجريحُ‏

بضوئهِ المشلولِ...‏ ... والغيماتُ تحملها على كفّ الندامةِ‏

كي يطّيرها إلى مدنِ الشقاءِ اليائسونْ!‏ ... هرمٌ كنسرٍ‏

لم يعدْ يلوي على شيءٍ‏ ... سوى التحديقِ في صحرائهِ الجرداءِ..‏

في الشمس التي مالت لتغربَ في انفرادٍ‏ ... يائسٍ‏

-لم تبقَ غيرُ ضريبةٍ للحزنِ باهظة الأسى..‏ ... وتغورُ في البئرِ الحياةُ، ويستريح الشاغرونْ!‏

ويدقُ ناقوسُ العشيّةِ نادباً‏ ... في وحشةِ الآحادِ أصداءَ الكهولةِ:‏

لم تكنْ هذي الحياةُ سوى‏ ... انتظارٍ ناقصٍ، ونداءِ حبّ خادع..‏

والناسُ في ظلماتها مستوحشونْ!‏ ... لم ينفعِ التحديقُ عن بُعدٍ‏

بأنصابِ الغيابِ،‏ ... ووقتها المنهوبِ بالخسرانِ يا أبتي!‏

... ويجلسُ عند أطراف البحيرةِ منشداً:‏ ... كلّ الذين رأوا الحقيقةَ في كهانتهمْ‏

أصابهمُ الجنونْ!‏

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • البله: بله: البَلَهُ: الغَفْلة عَنِ الشرّ وأَن لا يُحْسِنَهُ؛ بَلِهَ، بِالْكَسْرِ، بَلَهاً وتَبَلَّه وَهُوَ أَبْلَه وابتُلِهَ كبَلِه؛ أَنشد ابْنُ الأَعرابي: إِنَّ الَّذِي يَأْمُل الدُّنْيا لَمُبْتَلَهٌ، ... وكلُّ ذِي أَمَلٍ عَن … (لسان العرب)
  • التنباك: نبك: النَّبَكَة: أَكَمة مُحَدَّدة الرأْس، وَرُبَّمَا كَانَتْ حَمْرَاءَ وَلَا تَخْلُو مِنَ الْحِجَارَةِ، وَقِيلَ: هِيَ الأَرض فِيهَا صَعُود وهَبُوط، وَالْجَمْعُ نَبَك، بِالتَّحْرِيكِ، ونِباكٌ. الأَزهري: شَمِرٌ فِيمَا قرأَ … (لسان العرب)
  • الفراغ: فرغ: الفَراغُ: الخَلاءُ، فَرَغَ يَفْرَغُ ويَفْرُغُ فَراغاً وفُروغاً وفَرِغَ يَفْرَغُ. وَفِي التَّنْزِيلِ: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً، أَي خَالِيًا مِنَ الصَّبْرِ، وَقُرِئَ فُرُغاً أَي مُفَرَّغاً. وفَرَّغَ المك … (لسان العرب)
  • بطعم: طعم: الطَّعامُ: اسمٌ جامعٌ لِكُلِّ مَا يُؤكَلُ، وَقَدْ طَعِمَ يَطْعَمُ طُعْماً، فَهُوَ طاعِمٌ إِذَا أَكَلَ أَو ذاقَ، مِثَالُ غَنِمَ يَغْنَمُ غُنْماً، فَهُوَ غانِمٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا. وَ … (لسان العرب)
  • تحالف: حلف: الحِلْفُ والحَلِفُ: القَسَمُ لُغَتَانِ، حَلَفَ أَي أَقْسَم يَحْلِفُ حَلْفاً وحِلْفاً وحَلِفاً ومَحْلُوفاً، وَهُوَ أَحد مَا جَاءَ مِنَ الْمَصَادِرِ عَلَى مَفْعُولٍ مِثْلَ المَجْلُودِ والمَعْقُولِ والمَعْسُور والمَيْس … (لسان العرب)
  • حلمته: حلم: الحُلْمُ والحُلُم: الرُّؤْيا، وَالْجَمْعُ أَحْلام. يُقَالُ: حَلَمَ يَحْلُمُ إِذا رأَى فِي المَنام. ابْنُ سِيدَهْ: حَلَمَ فِي نَوْمِهِ يَحْلُمُ حُلُماً واحْتَلَم وانْحَلَمَ؛ قَالَ بِشْرُ بْنُ أَبي خَازِمٍ: أَحَقٌّ مَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • ملكوت الحزن والعاقول*
  • موعد
  • أرملة مغني الرباب الحزين
  • مونولوج العزلة
  • كأني ما زلتُ أعدو ورائي
  • أحزان الأعالي
  • وحشة وبعض خريف
  • راعية المواويل