ردَّ الصبا بعدَ شيبِ اللمة ِ الغزلُ

الشاعر: محمود سامي البارودي · البحر: البسيط

«ردَّ الصبا بعدَ شيبِ اللمة ِ الغزلُ» من شعر محمود سامي البارودي، من العصر الحديث، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

ردَّ الصبا بعدَ شيبِ اللمة ِ الغزلُ ... وَراحَ بِالْجِدِّ مَا يَأْتِي بِهِ الْهَزَلُ

وَعَادَ مَا كَانَ مِنْ صَبْرٍ إِلَى جَزَعٍ ... بَعْدَ الإِباءِ؛ وَأَيَّامُ الْفَتَى دُوَلُ

فَلْيَصْرِفِ اللَّوْمَ عَنِّي مَنْ بَرِمْتُ بِهِ ... فليسَ للقلبِ في غيرِ الهوى شغلُ

وَ كيفَ أملكُ نفسي بعدَ ما ذهبتْ ... يومَ الفراقِ شعاعاً إثرَ منْ رحلوا ؟

تَقَسَّمَتْنِي النَّوَى مِنْ بَعْدِهِمْ، وَعَدَتْ ... عنهمْ عوادٍ ؛ فلا كتبٌ ، وَ لاَ رسلُ

فالصبرُ منخذلٌ ، وَ الدمعُ منهملٌ ... وَالْعَقْلُ مُخْتَبِلٌ، وَالْقَلْبُ مُشْتَغِلُ

أرتاحُ إنْ مرَّ منْ تلقائهمْ نسمٌ ... تَسْرِي بِهِ فِي أَرِيجِ الْعَنْبَرِ الأُصُلُ

ساروا ، فما اتخذتْ عيني بهمْ بدلاً ... إِلاَّ الْخَيَالَ، وَحَسْبِي ذَلِكَ الْبَدَلُ

فَخَلِّ عَنْكَ مَلامِي يَا عَذُولُ، فَقَدْ ... سرتْ فؤادي - على ضعفٍ بهِ - العللُ

لاَ تَحْسَبَنَّ الْهَوَى سَهْلاً؛ فَأَيْسَرُهُ ... خَطْبٌ لَعَمْرُكَ لَوْ مَيَّزْتَهُ جَلَلُ

يَسْتَنْزِلُ الْمَلْكَ مِنْ أَعْلَى مَنَابِرِهِ ... وَيَسْتَوِي عِنْدَهُ الرِّعْدِيدُ وَالْبَطَلُ

فكيفَ أدرأُ عنْ نفسي وَ قدْ علمتْ ... أَنْ لَيْسَ لِي بِمُنَاوَاة ِ الْهَوَى قِبَلُ؟

فَلَوْ قَدَرْتُ عَلَى شَيْءٍ هَمَمْتُ بِهِ ... فِي الْحُبِّ، لَكِنْ قَضَاءٌ خَطَّهُ الأَزَلُ

وَ للمحبة ِ قبلي سنة ٌ سلفتْ ... فِي الذَّاهِبِينَ؛ وَلِي فِيمَنْ مَضَى مَثَلُ

فإنْ تكنْ نازعتني النفسُ باطلها ... وَأَطْلَعَتْنِي عَلَى أَسْرَارِهَا الْكِلَلُ

فَقَدْ أَسِيرُ أَمَامَ الْقَوْمِ ضَاحِيَة ً ... وَالْجَوُّ بِالْبَاتِرَاتِ الْبِيضِ مُشْتَعِلُ

بِكُلِّ أَشْقَرَ قَدْ زَانَتْ قَوَائِمَهُ ... حُجُولُهُ غَيْرَ يُمْنَى زَانَها الْعَطَلُ

كَأَنَّهُ خَاضَ نَهْرَ الصُّبْحِ، فَانْتَبَذَتْ ... يمناهُ وَ انبثَّ في أعطافهِ الطفلُ

زُرْقٌ حَوَافِرُهُ، سُودٌ نَوَاظِرُهُ ... خُضْرٌ جَحَافِلُهُ، فِي خَلْقِهِ مَيَلُ

كأنَّ في حلقهِ ناقوس راهبة ٍ ... باتتْ تحركهُ ، أوْ راعدٌ زجلُ

يَمُرُّ بِالْوَحْشِ صَرْعَى فِي مَكَامِنِهَا ... فما تبينُ لهُ شدا ؛ فتنخذلُ

يرى الإشارة في وحى ؛ فيفهمها ... وَ يسمعُ الزجرَ منْ بعدٍ ؛ فيمتثلُ

لاَ يملكُ النظرة َ العجلاءَ صاحبها ... حتى تمرَّ بعطفيهِ فتحتبلُ

إنْ مرَّ بالقومِ حلوا عقدَ حبوتهمْ ... وَ استشرفتْ نحوهُ الألبابُ وَ المقلُ

تَقُودُهُ بِنْتُ خَمْسٍ؛ فَهْوَ يَتْبَعُهَا ... وَ يستشيطُ إذا ها هي بهِ الرجلُ

أُمْضِي بِهِ الْهَوْلَ مِقْدَاماً، وَيَصْحَبُنِي ... ماضي الغرارِ إذا ما استفحلَ الوهلُ

يَمُرُّ بِالْهَامِ مَرَّ الْبَرْقِ فِي عَجَلٍ ... وَقْتَ الضِّرَابِ، وَلَمْ يَعْلَقْ بِهِ بَلَلُ

تَرَى الرِّجَالَ وُقُوفاً بَعْدَ فَتْكَتِهِ ... بِهِمْ، يُظَنُّونَ أَحْيَاءً وَقَدْ قُتِلُوا

كأنهُ شعلة ٌ في الكفَّ قائمة ٌ ... تهفو بها الريحُ أحياناً ، وتعتدلُ

لولاَ الدماءُ التي يسقى بها نهلاً ... لكادَ منْ شدة ِ اللألاءِ يشتعلُ

يَفُلُّ مَا بَقِيَتْ فِي الْكَفِّ قَبْضَتُهُ ... كُلَّ الْحَدِيدِ وَلَمْ يَثْأَرْ بِهِ فَلَلُ

بَلْ رُبَّ سَارِيَة ٍ هَطْلاَءَ دَانِيَة ٍ ... تَنْمُو السَّوَامُ بِهَا، وَالنَّبْتُ يَكْتَهِلُ

كأنَّ آثارها في كلَّ ناحية ٍ ... ريطٌ منشرة ٌ في الأرض ، أو حللُ

يَمَّمْتُهَا بِرِفَاقٍ إِنْ دَعَوْتُ بِهِمْ ... لبوا سراعا ، وَ إن أنزلْ بهمْ نزلوا

قصداً إلى الصيدِ ، لا نبغي بهِ بدلاً ... وَ كلُّ نفسٍ لها في شأنها عملُ

حَتَّى إِذَا أَلْمَعَ الرُّوَّادُ مِنْ بَعَدٍ ... وَ جاءَ فارطهمْ يعلو ويستفلُ

تغازتِ الخيلُ ، حتى كدنَ منْ مرحٍ ... يذهبنَ في الأرضِ لولاَ اللجمُ وَ الشكلُ

فما مضتْ ساعة ٌ ، أوْ بعضُ ثانية ٍ ... إِلاَّ وَلِلصَّيْدِ فِي سَاحَاتِنَا نُزُلُ

فكانَ يوماً قضينا فيهِ لذتنا ... كما اشتهينا ؛ فلا غشٌّ ، وَ لاَ دغلُ

هذَا هُوَ الْعَيْشُ، لاَ لَغْوُ الْحَدِيثِ، وَلاَ ... مَا يَسْتَغِيرُ بِهِ ذُو الإِفْكَة ِ النَّمِلُ

إنَّ النميمة َ وَ الأفواهُ تضرمها ... نَارٌ مُحَرِّقَة ٌ لَيْسَتْ لَهَا شُعَلُ

فَاتْبَعْ هَوَاكَ، وَدَعْ مَا يُسْتَرَابُ بِهِ ... فأكثرُ الناسِ - إنْ جربتهمْ - هملُ

وَاحْذَرْ عَدُوَّكَ تَسْلَمْ مِنْ خَدِيعَتِهِ ... إنَّ العداوة َ جرحٌ ليسَ يندملُ

وَ عالجِ السرَّ بالكتمانِ تحمدهُ ... فَرُبَّمَا كَانَ فِي إِفْشَائِهِ الزَّلَلُ

وَلاَ تَكُنْ مُسْرِفاً غِرّاً، وَلاَ بَخِلاً ... فبئستِ الخلة ُ : الإسرافُ ، وَ البخلُ

وَ لا يهمنكَ بعضُ الأمرِ تسأمهُ ... لا يَنْتَهِي الشُّغْلُ حَتَّى يَنْتَهِي الأَجَلُ

وَاعْرِفْ مَوَاضِعَ مَا تَأْتِيهِ مِنْ عَمَلٍ ... فَلَيْسَ فِي كُلِّ حِينٍ يَحْسُنُ الْعَمَلُ

فالريثُ يحمدُ في بعض الأمورِ ، كما ... في بعض حالاتهِ يستحسنُ العجلُ

هَذَا هُوَ الأَدَبُ الْمَأْثُورُ، فَارْضَ بِهِ ... علماً لنفسكَ ؛ فالأخلاقُ تنتقلُ

منْ كلَّ بيتٍ إذا الإنشادُ سيرهُ ... فليسَ يمنعهُ سهلٌ ، وَ لا جبلُ

لمْ تبنَ قافية ٌ فيهِ على َ خللٍ ... كلا ، وَ لمْ تختلفْ في رصفها الجملُ

فلاَ سنادٌ ، ولا حشوٌ ، وَ لاَ قلقٌ ... وَ لا سقوطٌ ، وَ لاَ سهوٌ ، وَ لا عللُ

تغايرتْ فيهِ أسماعٌ وَ أفئدة ٌ ... فَكُلُّ نَادٍ «عُكَاظٌ» حِينَ يُرْتَجَلُ

لا تنكرُ الكاعبُ الحسناءُ منطقهُ ... وَ لا يعادُ على قومٍ ، فيبتذلُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • العنبر: العَنْبَرُ: ضربٌ من الطيبِ. والعنبر: أبوحى من تميم، وهو العنبر بن عمرو بن تميم. وبلعنبر، هم بنو العنبر، حذفوا النون لما ذكرناه في باب الثاء في بلحارث [[عن المخطوطة بعد قوله " بلحارث ". والعنبر: الترس. وأنشد: لها عارض كدي … (الصحاح)
  • الغزل: غزل: غَزَلَتِ المرأَة الْقُطْنَ وَالْكَتَّانَ وَغَيْرَهُمَا تَغْزلُه غَزْلًا، وَكَذَلِكَ اغْتَزَلَتْه وَهِيَ تَغْزِل بالمِغْزل، ونسوةٌ غُزَّلٌ غَوازِلُ؛ قَالَ جَنْدَلُ بْنُ الْمُثَنَّى الْحَارِثِيُّ: كأَنه، بالصَّحْصَحان … (لسان العرب)
  • الهزل: هزل: الهَزْل: نَقِيضُ الجِدّ، هَزَلَ يَهْزِلُ هَزْلًا؛ قَالَ الْكُمَيْتُ: أَرانا عَلَى حُبِّ الحياةِ وطُولِها ... تَجِدُّ بِنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ ونَهْزِلُ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الَّذِي فِي شِعْرِهِ. يُجَدُّ بِنَا؛ قَالَ: … (لسان العرب)
  • بالجد: (جَدَّ) الْجِيمُ وَالدَّالُ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ الْعَظَمَةُ، وَالثَّانِي الْحَظُّ، وَالثَّالِثُ الْقَطْعُ. فَالْأَوَّلُ الْعَظَمَةُ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِخْبَارًا عَمَّنْ قَالَ: {وَأَنَّهُ تَعَالَى ج … (مقاييس اللغة)
  • برمت: برم: البَرَمُ: الَّذِي لَا يَدْخُل مَعَ الْقَوْمِ فِي المَيْسِر، وَالْجَمْعُ أَبْرامٌ؛ وأَنشد اللَّيْثُ: إِذا عُقَبُ القُدُور عُدِدْنَ مَالًا، ... تَحُتُّ حَلائلَ الأَبْرامِ عِرْسِي وأَنشد الْجَوْهَرِيُّ: وَلَا بَرَماً ت … (لسان العرب)
  • تقسمتني: قسم: القَسْمُ: مَصْدَرُ قَسَمَ الشيءَ يَقْسِمُه قَسْماً فانْقَسَمَ، وَالْمَوْضِعُ مَقْسِم مِثَالُ مَجْلِسٍ. وقَسَّمَه: جزَّأَه، وَهِيَ القِسْمَةُ. والقِسْم، بِالْكَسْرِ: النَّصِيبُ والحَظُّ، وَالْجَمْعُ أَقْسَام، وَهُوَ … (لسان العرب)
  • تلقائهم: (لَقِيَ) اللَّامُ وَالْقَافُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا يَدُلُّ عَلَى عِوَجٍ، وَالْآخَرُ عَلَى تَوَافِي شَيْئَيْنِ، وَالْآخَرُ عَلَى طَرْحِ شَيْءٍ. فَالْأَوَّلُ اللَّقْوَةُ: دَاءٌ يَأْخُذُ فِي … (مقاييس اللغة)
  • جزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • غلب الوجد عليه فبكىٰ
  • يا رائد البرق يمم دارة العلم
  • عرف الهوى في نظرتي فنهاني
  • عليل أنت مسقمه
  • سواي بتحنان الاغاريد يطرب
  • ردي الكرى لأراك في أحلامه
  • قصيدة
  • ليس الصديق الذي تعلو مناسبه