الفن الضائع
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
لمن تمنحين الحب دوني عن عمد؟وماذا يرجى الحب من شاعر بعدي؟
وحسنك أولى أن يُصان جلالهعلى الفن، حين الفن كالحسن للخلد
وما عالم الناس الذين تطاولواسوى عالم بين النفاية والكيد
ترفعت عن أن تسكنيه فحاذريوخلي الهوى والحسن دينًا لمستهدي
ولا تتركي الأيام تنهب خاطريوتعصف ما شاءت بحبي أو وجدي
فإني تراث للملاحة والهوىفإنْ ضَاع لم يسعدك غبني أو فقدي
لئن كان من حق الجمال عبادتيفمن حق مثلي أن يكلل بالمجد
وأن يغمر الحب الكريم فؤادهجزاءً، وأن يعفى من الشك والصد
مضى العام وانجاب «الربيع» عن المنىولو أنَّ آلامي تباعدن عن عدي
ولو أنَّ أحلامي هي الهم والجوىعلى عالمٍ بالثكل واليتم ممتد
تسربل بالظلمات وهي صواعقوماشى الخراب الهول في الزمن الرغد
فصارت به الجنات نار جهنَّمويا ليتها! فالحرب تعدي وتستعدي
ذكرتك محزونًا جريحًا معذبًاكأني ألاقي الطعن في معرك وحدي
وقد كفكف الحاني «الربيع» مدامعيوإن زادت النسمات ما شئن من وقدي
فأحسست بالسلوى تسلسل في دميتسلسل ماء النبع في الظامئ الورد
وقد ناله لفح الهجير بقسوةفعاد يفض العطر في نفح معتد
فهل لك أنْ تصغي إليَّ فربماأذبتُ فؤادي في النشيد بلا عود
كما ذاب عطر الورد في بسماتهوداعًا لمن يهوى ومات بلا حمد؟!
ويا جارتي ما أبعد القُرب بينناوذلك خوفي صير القرب كالبعد!
أناجيك في دقَّات قلبي والهًاكأنَّ فؤادي طائرٌ رفَّ في القيدِ
يحن إلى من قاته وأفاءهولو أنَّه في أسره ضائع الجهد
وأخشاك رغم الحب، لا عن ضلالةولكن كخوف القانت الواله العبد
وكم تمتمت نفسي بشعر محببأغرده في خدرك الساحر الوعد
فلما تلاقينا نسيت ضراعتيولم تبقَ لي إلا حشاشة منهد
وقد حالت الأنفاس شعري وحدهاوكم تحمل الأنفاس من قُبَل عندي
إذا لم تترجم في لُغى الحب فالهوىسيغفر ما أودى بشاعرك الفرد!
بروحي من أحلام عمري ساعةجلست وموج البحر مثلي في زهدي
على الشاطئ المسحور أنَّت صخورهوغنت به الأمواه للحجر الصلد
أراقب عن بعد جمالك ناشرًاعلى الماء ألوان الرشاقة والصيد
فيغنم عشاق دعابتك التيتخاطفها مثل الجواهر مستجدي
وأقنع بالحلم البعيد ووحدتيكأنَّ حيائي قام دونك كالسد
ولكن خيالي لم يُذَلِّلُه حائلفنال من القد المنعم والخد
وسابق موج البحر في وثباتهوبز شعاع النور في اللهو والجد
فكنت على بعدي المنعم ظافرًابما لم ينل منك المقرب والمسدي
أتوا بالهدايا الحاليات رواقصًاوأخفيت قرباني من الطاهر الود
ولم تلمحيني في تلاهيك حينماتحدثت الأمواج للكثب الجرد
وقد نثرت فوق الرمال تحيةمن اللؤلؤ الغالي الذي جل عن عقد
تلقفها شعري وكاد يصوغهالحسنك معنى لا يقاس بما تبدي
ولكن دنا العاتي الغروب فلم أفقمن الحلم إلا بعد أن فاتني رشدي
وقد ردد الموج الشجي تأوهيوجاوبه في خطوه الحارس الجندي
يعيش على الوهم المجنح شاعروكم باعه للوجد حينًا وللسهد
ويرضى بأدناه عزاء ونعمةعلى حين لا يرضى بدنيا من السعد
له كبرياء المستهين بما يرىووثب خيال المستعزِّ بما يسدي
لئن صاحب الحرمان يدميه نصلهلقد آثر التعذيب حرًّا على الضمد
لئن أعرضت عنه الغواني لقد شدتبتقديسه الربات في عالم فرد
تنزه عمن حاربوا الفن والهوىوأولهم من لو درت قدست عهدي
ولم تتكلف كل ما هو متلفيولم تسقني الصاب المموَّه بالشهد
ولم تتحدث عن نشيدي وروعتيبحب وإعجاب كأنَّهما ضدي!
ولم تدخر أنسًا لمن عاش عابدًامفاتنها ثم انتهى شبه مرتد
لمن فِتن الحسن الذي جلَّ عن حد؟لمن شغف القلب الذي صين عن ند؟
إذا لم يكن هذا الجمال لشاعرفما لي على فوضى التهافت من رد
حرام ضياع الورد في غير أهلهوظلم ممات النور والعطر في اللحد!
ولست ألوم الواردين تهافتواولكن ألوم الحسن يعبث بالورد
وما أفسد الإحسان إلا ابتذالهولا قدر الإحسان إلا على قيد
سيأتي زمان تندمين على هوىأضعت، ويا للحب ضاع من الأيدي!
ولكنَّها أصغت إليَّ بروحهاعلى النأي، والإيحاء للروح قد يعدي
كأنَّ ولوعي زاجر ليس ينتهييحاورها باللطف حينًا وبالنقد
ويلقي حواليها الشباك رقيقةفما كان عن صيد الفراشة من بد
فلمَّا التقينا بعد هجر وترحةوكنت افتقدت الحب في القلق المردي
أعادته مبعوثًا وضيئًا مرفرفًاكما رفرف الفجر الوليد على المهد
فهل يستعيد الحب ماضي رجائهويسمو على الحرمان والخوف والحقد
ويبني لنا ملكًا يعز نوالهعلى غير فنان طليق من القيد
أم المثل الدنيا تهد مثالهوترجعه نهبًا لأيامه التلد؟!
عن القصيدة
«الفن الضائع» من شعر أحمد زكي أبو شادي، من العصر الحديث، وتقع في ٦٣ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.