ما أغمد العضب حتى جرد الذكر

الشاعر: ابن حمديس · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة رثاء

«ما أغمد العضب حتى جرد الذكر» من شعر ابن حمديس، من العصر الأندلسي، وتقع في 41 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة رثاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

ما أُغْمِدَ العَضْبُ حتّى جُرِّدَ الذكرُ — ولا اختفَى قَمَرٌ حتى بدا قَمَرُ

قد ماتَ يحيَى فماتَ الناسُ كُلّهُمُ — حتى إذا ما عليٌّ جاءهم نُشِروا

إنْ يُبْعَثُوا بسُرورٍ مِنْ تملُّكهِ — فَمنْ مَنيّة يحيَى بالأسَى قُبِروا

أَوفى عليٌّ فَسِنُّ المَلكِ ضاحِكَةٌ — وعينُهُ من أبيه دَمْعُها هَمِرُ

يا يَومَ وَلَّى عنِ الدُّنيا بِهِ طُمِسَتْ — بِظُلمَةِ الرزءِ مِن أَنواركَ الغُررَ

ومادَتِ الأَرضُ من فُقدانِها جَبلاً — ينابِعُ الجودِ من سفحَيهِ تَنفَجِرُ

لَم تُغْنِ عَنهُ غِياضٌ مِن قَناً وظُبىً — حمرُ الحماليق فيها أُسْدُها الهُصُرُ

يَرَونَ زُرْقَ ذِئابٍ ما ثَعالِبها — إلَّا عَوامِلُ في أيمانها سُمُرُ

ويَترُكونَ إِذا جَيشَا الوَغى انتَظَما — سَلخاً كَساه حديداً حَيّةٌ ذَكرُ

وديعةُ السّيلِ في البطحاءِ غَادرها — تقري الرِّماحِ بها الآصالُ والبكرُ

لَم يُغْنِيَا عَنهُ لا عِزٌّ يُدِلُّ بِهِ — مَن كانَ بِالكِبرِ في عِرنِينِهِ أَشَرُ

ولا مهابَةُ محجوبٍ تَبَرَّجَها — كَأنّهُ عِندَ أبصارِ الورى خَفَرُ

شُقَّت جُيوبُ المعالي بالأسى وبكَتْ — في الخافقَينِ عليه الأنجمُ الزُّهرُ

إِذِ السَّماءُ بِصَوتِ الرَّعدِ صَرْختُها — يكادُ منها فؤادُ الأرضِ يَنفَطِرُ

والجَوُّ مُتَّقِدُ الأحشاءِ مُكتَئِبٌ — كَأَنَّما البرقُ فيها لِلأَسى سُعُرُ

وقَلَّ لابنِ تَميمٍ حُزْنُ مَأتَمِها — فَكلّ حُزنٍ عظيمٍ فيه مُحتَقَرُ

قامَ الدّليلُ ويَحيَى لا حياةَ لهُ — إِنَّ المنِيَّةَ لا تُبقي ولا تَذرُ

أمسى دفيناً ولم تُدْفَنْ مفاخرُهُ — كالمِسْكِ يُطوى ونشْرٌ مِنهُ يَنتَشرُ

قد كنتُ أحسبُ أن أُعطَى مُنايَ به — وأن يطولَ على عمري لهُ عمرُ

وها أنا اليومَ أرثيهِ وكنتُ لهُ — أُنَقّحُ المدحَ والدنيا لها غِيَرُ

يا وَيْحَ طارِقِ لَيلٍ يَستَقِلُّ بِهِ — سامي التليلِ براهُ الأيْنُ والضُّمُرُ

في سرجه من طُيورِ الخيلِ مُبتْدِرٌ — وما جناحاهُ إلّا العُنقُ والخَصِرُ

يطوي الضَّميرَ على سِرٍّ يُكِنُّ به — بُشْرَى ونَعْيٍ حَيارَى منهما البَشَرُ

لَولا حَديثُ عَلِيٍّ قلتُ من أسَفٍ — بِفيكَ يا مَن نَعى يَحيَى لَنا العَفَرُ

إِن هُدَّ طَوْدٌ فذا طَوْدٌ يُعَادِلُهُ — ظِلٌّ تُؤَمَّنُ في أفيائِهِ الجدُرُ

أَو غيضَ بَحرٌ فَذا بَحرٌ بِمَوضِعِهِ — لِوارِديهِ نَميرٌ ماؤُهُ خَصِرُ

يا واحِداً جُمِعَتْ فيهِ الكرامُ ومَنْ — بِسَيفه مِلَّةٌ التَّوحيدِ تَنتَصِرُ

أوجَفْتَ طِرْفَكَ والإِيجافُ عادتُهُ — والصُّبحُ مُحتَجِبٌ واللَّيلُ مُعتَكِرُ

لَمّا سَرَيتَ بِجَيشٍ كُنتَ جُملَتَهُ — وما رَفيقاكَ إلّا النَّصرُ والظَّفَرُ

طوى له اللَّه سَهباً بِتَّ قاطِعَهُ — كأنّما بُعْدُهُ بالقُرْبِ يُخْتَصِرُ

وَقَصَّرَ السَّعدُ لَيلاً فالتَقى عَجلاً — مِنهُ العِشاءُ على كَفَّيكَ والسَّحَرُ

وفي ضُلوعِكَ قَلبٌ حَشوُهُ هِمَمٌ — وبَينَ عَينَيكَ عَزمٌ نَوْمُهُ سَهَرُ

حَتّى كَسَوْتَ حياةً جِسْمَ مَملكةٍ — بِرَدّ روحٍ إليهِ منكَ يَنْتَظرُ

هنئتَ بالملكِ إذْ عُزّيتَ في ملكٍ — لِمَوْتهِ كانَ منكَ العيش يذَّخِرُ

جَلَستَ في الدستِ بالتَّوفيقِ وابتَهَجَتْ — بِكَ المَنابِرُ وَالتِّيجانُ والسُّرُرُ

أَضحَتْ عُلاكَ على التَّمكينِ ثابِتَةً — فَطيبُ ذِكرِكَ في الدُّنيا له سَفَرُ

تناوَلَ القَوْسَ باريها فأسْهُمُهُ — نَوافِذٌ في العدى أَغراضُها الثُّغَرُ

وقامَ بالأمرِ سهْمٌ منكَ مُعْتَزِمٌ — يجري منَ اللَّه في إِسعادِهِ القَدَرُ

وأصبَحَتْ هِمَمُ الآمالِ سانِيةً — عَنِ العَطايا الَّتي عُنوانُها البِدَرُ

وَأَنتَ سَمحٌ بِطَبعٍ غَيرِ مُنتَقِلٍ — سِيّانِ في المحلِ مِنكَ الجَوْدُ وَالمَطَرُ

واسلَمْ لِعِزِّ بني الإِسلامِ ما سَجَعَتْ — سَوامِرُ الطَّيرِ وانآدت بِها السَّمُرُ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • العضب: عضب: العَضْبُ: الْقَطْعُ. عَضَبَه يَعْضِبُه عَضْباً. قَطَعه. وَتَدْعُو العربُ عَلَى الرَّجُلِ فَتَقُولُ: مَا لَهُ عَضَبَه اللهُ؟ يَدْعونَ عَلَيْهِ بقَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ. والعَضْبُ: السيفُ الْقَاطِعُ. وسَيْفٌ عَضْبٌ: …
  • الغرر: غرر: غَرَّهُ يغُرُّه غَرًّا وغُروراً وغِرّة؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، فَهُوَ مَغرور وَغَرِيرٌ: خدعه وأَطعمه بِالْبَاطِلِ؛ قَالَ: إِن امْرَأً غَرّه مِنْكُنَّ واحدةٌ، ... بَعْدِي وبعدَكِ فِي الدُّنْيَا، لَمَغْرُورُ أ …
  • الهصر: هصر: الهَصْرُ: الكسْرُ. هَصَرَ الشيءَ يَهْصِرُه هَصْراً: جَبَذَه وأَماله واهْتَصَرَه. أَبو عُبَيْدَةَ: هَصَرْتُ الشَّيْءَ ووَقَصْتُه إِذا كَسَرْتَهُ. والهَصْرُ: عَطْفُ الشَّيْءِ الرَّطْبِ كَالْغُصْنِ وَنَحْوِهِ وكَسْرُه …
  • بسرور: السُّرُورُ :- ارتياحٌ في القلب عند حصول نَفع أو تَوقُّعه أو اندفاع ضَرَر فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا.
  • تملكه: تَمَلَّكَ يَتَمَلَّكُ تَمَلُّكاً :- الشىءَ: ملكه أو استولى عليه وكان في قدرته أن يتصرّف فيه كما يريد، أي ملكه قهراً؛ تملك الغزاةُ الأَرض وبَنَوْا عليها بيوتاً/ التملُّكُ في الفقه هووضعُ اليد على الشَّيءِ وضعاً شرعياَ/ ال …

قصائد ذات صلة

  • وأخضر لولا آية ما ركبته
  • ألا رب كأس تقتضي كل لذة
  • فعوضت شيبا من شبابي كأنني
  • طيارة ولها فرخان واعجبا
  • ومرتفع في الجذع إذ حط قدره
  • وحمام سوء وخيم الهواء
  • لهم رياض حتوف فالذباب بها
  • قد طيب الآفاق طيب ثنائه