يا دجلة الخير
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
حَيّيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحَيِّينييا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ
حَيَّيْتُ سَفْحَكِ ظَمْآناً أَلُوذُ بِهِلَوْذَ الحَمَائِمِ بَيْنَ المَاءِ وَالطِّينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ يَا نَبْعاً أُفَارِقُهُعَلَى الكَرَاهَةِ بَيْنَ الحِينِ وَالحِينِ
إِنِّي وَرَدْتُ عُيُونَ المَاءِ صَافِيَةًنَبْعاً فَنَبْعاً فَمَا كَانَتْ لِتَرْوِيَنِي
وَأَنْتَ يَا قَارِباً تَلْوِي الرِّيَاحُ بِهِلَيَّ النَّسَائِمِ أَطْرَافَ الأَفَانِينِ
وَدِدْتُ ذَاكَ الشِّرَاعَ الرَّخْصَ لَوْ كَفَنِييُحَاكُ مِنْهُ غَدَاةَ البَيْنِ يَطْوِينِي
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: قَدْ هَانَتْ مَطَامِحُنَاحَتَّى لِأَدْنَى طِمَاحٍ غَيْرُ مَضْمُونِ
أَتَضْمَنِينَ مَقِيلاً لِي سَوَاسِيَةًبَيْنَ الحَشَائِشِ أَوْ بَيْنَ الرَّيَاحِينِ؟
خِلْواً مِنَ الهَمِّ إِلاَّ هَمَّ خَافِقَةٍبَيْنَ الجَوَانِحِ أَعْنِيهَا وَتَعْنِينِي
تَهُزُّنِي فَأُجَارِيهَا فَتَدْفَعُنِيكَالرِّيحِ تُعْجِلُ فِي دَفْعِ الطَّوَاحِينِ
يا دجلةَ الخيرِ: يا أطيافَ ساحرةٍيا خمرَ خابيةٍ في ظلِّ عُرْجون
يا سكتةَ الموتِ، يا إعصارَ زوبعةٍيا خنجرَ الغدرِ، يا أغصانَ زيتون
يَا أُمَّ بَغْدَادَ، مِنْ ظَرْفٍ، وَمِنْ غَنَجٍمَشَى التَّبَغْدُدُ حَتَّى فِي الدَّهَاقِينِ
يَا أُمَّ تِلْكَ الَّتِي مِنْ «أَلْفِ لَيْلَتِهَا»لِلْآنَ يَعْبَقُ عِطْرٌ فِي التَّلَاحِينِ
يا مُستَجمَ «النُّوُاسيِّ» الذي لبِستْبه الحضارةُ ثوباً وشيَ «هارون»
الغَاسِلِ الهَمَّ فِي ثَغْرٍ، وَفِي حَبَبٍوَالمُلْبِسِ العَقْلَ أَزْيَاءَ المَجَانِينِ
والساحبِ يأباه الزِّقَّ ويُكرِهُهوالمُنْفِقِ اليومَ يُفدى بالثلاثين
وَالرَّاهِنِ السَّابِرِيَّ الخَزَّفِي قَدَحٍوَالمُلْهِمِ الفَنَّ مِنْ لَهْوٍ أَفَانِينِ
وَالمُسْمِعِ الدَّهْرَ، وَالدُّنْيَا، وَسَاكِنَهَاقَرْعَ النَّوَاقِيسِ فِي عِيدِ الشَّعَانِينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: مَا يُغْلِيكِ مِنْ حَنَقٍيُغْلِي فُؤَادِي، وَمَا يُشْجِيكِ يُشْجِينِي
مَا إِنْ تَزَالُ سِيَاطُ البَغْيِ نَاقِعَةًفِي مَائِكِ الطُّهْرِ بَيْنَ الحِينِ وَالحِينِ
وَوَالِغَاتٍ خُيُولُ البَغْيِ مُصْبِحَةًعَلَى القُرَى آمِنَاتٍ وَالدَّهَاقِينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: أَدْرِي بِالَّذِي طَفَحَتْبِهِ مَجَارِيكِ مِنْ فَوْقٍ إِلَى دُونِ
أَدْرِي عَلَى أَيِّ قِيثَارٍ قَدِ انْفَجَرَتْأَنْغَامُكِ السُّمْرُ عَنْ أَنَّاتِ مَحْزُونِ
أَدْرِي بِأَنَّكِ مِنْ أَلْفٍ مَضَتْ هَدَراًلِلْآنَ تَهْزِينَ مِنْ حُكْمِ السَّلَاطِينِ
تَهْزِينَ أَنْ لَمْ تَزَلْ فِي الشَّرْقِ شَارِدَةًمِنَ النَّوَاوِيسِ أَرْوَاحُ الفَرَاعِينِ
تَهْزِينَ مِنْ خِصْبِ جَنَّاتٍ مُنَشَّرَةٍعَلَى الضِّفَافِ، وَمِنْ بُؤْسِ المَلَايِينِ
تَهْزِينَ مِنْ عُتَقَاءٍ يَوْمَ مَلْحَمَةٍأَضْفَوْا دُرُوعَ مَطَاعِيمٍ مَطَاعِينِ
الضَّارِعِينَ لِأَقْدَارٍ تَحِلُّ بِهِمْكَمَا تَلَوَّى بِبَطْنِ الحُوتِ ذُو النُّونِ
يَرَوْنَ سُودَ الرَّزَايَا فِي حَقِيقَتِهَاوَيَفْزَعُونَ إِلَى حَدْسٍ وَتَخْمِينِ
وَالخَائِفِينَ اجْتِدَاعَ الفَقْرِ مَا لَهُمُوَالمُفْضِلِينَ عَلَيْهِ جَدْعَ عِرْنِينِ
وَاللَّائِذِينَ بِدَعْوَى الصَّبْرِ مَجْبَنَةًمُسْتَعْصِمِينَ بِحَبْلٍ مِنْهُ مَوْهُونِ
والصبرُ ما انفكَّ مَرداةً لمُحترِبٍومستميتٍ، ومنجاةً لمِسكين
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: وَالدُّنْيَا مُفَارَقَةٌوَأَيُّ شَرٍّ بِخَيْرٍ غَيْرُ مَقْرُونِ
وَأَيُّ خَيْرٍ بِلَا شَرٍّ يُلَقِّحُهُطُهْرُ المَلَائِكِ مِنْ رِجْسِ الشَّيَاطِينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: كَمْ مِنْ كَنْزِ مَوْهِبَةٍلَدَيْكِ فِي «القُمْقُمِ» المَسْحُورِ مَخْزُونِ
لَعَلَّ تِلْكَ العَفَارِيتَ الَّتِي احْتُجِزَتْمُحَمَّلَاتٌ عَلَى أَكْتَافِ «دُلْفِينِ»
لَعَلَّ يَوْماً عَصُوفاً جَارِفاً عَرِماًآتٍ فَتُرْضِيكِ عُقْبَاهُ وَتُرْضِينِي
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: إِنَّ الشِّعْرَ هَدْهَدَةٌلِلسَّمْعِ مَا بَيْنَ تَرْخِيمٍ وَتَنْوِينِ
عَفْواً يُرَدِّدُ فِي رَفْهٍ وَفِي عَلَلٍ..لَحْنَ الحَيَاةِ رَخِيّاً غَيْرَ مَلْحُونِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: كَانَ الشِّعْرُ مُذْ رَسَمَتْكَفُّ الطَّبِيعَةِ لَوْحاً، «سِفْرَ تَكْوِينِ»
«مِزْمَارُ دَاوُدَ» أَقْوَى مِنْ نُبُوَّتِهِفَحْوًى، وَأَبْلَغُ مِنْهَا فِي التَّضَامِينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: لَمْ نَصْحَبْ لِمَسْكَنَةٍلَكِنْ لِنَلْمِسَ أَوْجَاعَ المَسَاكِينِ
هَذِي الخَلَائِقُ أَسْفَارٌ مُجَسَّدَةٌالمُلْهِمُونَ عَلَيْهَا كَالعَنَاوِينِ
إِذَا دَجَا الخَطْبُ شَعَّتْ فِي ضَمَائِرِهِمْأَضْوَاءُ حَرْفٍ بِلَيْلِ البُؤْسِ مَرْهُونِ
دَيْنٌ لِزَامٌ، وَمَحْسُودٌ بِنِعْمَتِهِمَنْ رَاحَ مِنْهُمْ خَلِيصاً غَيْرَ مَدْيُونِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: مَا أَبْقَيْتُ جَازِيَةًلَمْ أَقْضِ عِنْدِيَ مِنْهَا دَيْنَ مَدْيُونِ
ما كنتُ في مَشْهدٍ يَعنيك مُتَّهماًخَبَاً، وما كنتُ في غيبٍ بظِنِّين
وَكَانَ جُرْحُكِ إِلْهَامِي مُشَارَكَةًوَكَانَ يَأْخُذُ مِنْ جُرْحِي وَيُعْطِينِي
وَكَانَ سَاحُكِ مِنْ سَاحِي إِذَا نَزَلَتْبِهِ الشَّدَائِدُ، أَقْرِيهِ وَيَقْرِينِي
حَتَّى الضَّفَادِعُ فِي سَفْحَيْكِ سَارِيَةًعَاطَيْتُهَا فَاتِنَاتٍ حُبَّ مَفْتُونِ
غَازَلْتُهُنَّ خَلِيعَاتٍ وَإِنْ لَبِسَتْمِنَ الطَّحَالِبِ مَزْهُوَّ الفَسَاتِينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: هَلاَّ بَعْضُ عَارِفَةٍتُسْدَى إِلَيَّ عَلَى بُعْدٍ فَتَجْزِينَنِي
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: مَنِّينِي بِعَاطِفَةٍوَأَلْهِمِينِيَ سُلْوَاناً يُسَلِّينِي
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: مِنْ كُلِّ الأُلَى خَبَرُوابَلْوَايَ لَمْ أُلْفِ حَتَّى مَنْ يُوَاسِينِي
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: خَلِّي المَوْجَ مُرْتَفِقاًطَيْفاً يَمُرُّ وَإِنْ بَعْضَ الأَحَايِينِ
وَحَمِّلِيهِ بِحَيْثُ الثَّلْجُ يَغْمُرُنِيدِفْءَ «الكَوَانِينِ»، أَوْ عِطْرَ «التَّشَارِينِ»
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: يَا مَنْ ظَلَّ طَائِفُهَاعَنْ كُلِّ مَا جَلَتِ الأَحْلَامُ يُلْهِينِي
لَوْ تَعْلَمِينَ بِأَطْيَافِي وَوَحْشَتِهَاوَدِدْتِ مِثْلِي لَوَ أنَّ النَّوْمَ يَجْفُونِي
أَجُسُّ يَقْظَانَ أَطْرَافِي أُعَالِجُهَامِمَّا تَحَرَّقْتُ فِي نَوْمِي بِأَتُّونِ
وَأَسْتَرِيحُ إِلَى كُوبٍ يُطَمْئِنُنِيأَنْ لَيْسَ مَا فِيهِ مِنْ مَاءٍ بِغِسْلِينِ
وَأَلْمِسُ الجُدُرَ الدَّكْنَاءَ تُخْبِرُنِيأَنْ لَسْتُ فِي مَهْمَهٍ بِالغِيلِ مَسْكُونِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: خَلِّينِي وَمَا قَسَمَتْلِيَ المَقَادِيرُ مِنْ لَدْغِ الثَّعَابِينِ
الطَّالِحَاتُ فَمَا يَبْعَثْنَ صَالِحَةًوَلَا يُبَعْثِرْنَ إِلاَّ كُلَّ مَأْفُونِ
وَالرَّاهِنَاتُ بِجِسْمِي يَنْتَبِشْنَ بِهِنَبْشَ الهَوَامِ ضَرِيحاً كُلَّ مَدْفُونِ
وَاهاً لِنَفْسِيَ مِنْ جَمْعِ النَّقِيضِ بِهَانَقِيضَهُ جَمْعَ تَحْرِيكٍ وَتَسْكِينِ
جَنْباً إِلَى جَنْبِ آلَامٍ أُقَطِّفُهَاقَطْفَ الجِيَاعِ جَنَى اللَّذَّاتِ يَزْهُونِي
وأركبُ الهوْلَ في ريعانِ مامَنةٍحبُّ الحياة بِحبِّ الموتِ يُغريني
مَا إِنْ أُبَالِي أَصَاباً دَرَّ أَمْ عَسَلاًمَرِيٌ أَرَاهُ عَلَى العِلاَّتِ يُرْضِينِي
غُولاً تَسَنَّمْتُ لَمْ أَسْأَلْ أَكَارِعَهُإِلَى الهُوَى، أَمْ عَلَى الوَاحَاتِ تَرْمِينِي
وَمَا البُطُولَاتُ إِعْجَازٌ وَإِنْ قَنِعَتْنَفْسُ الْجَبَانِ عَنِ العُلْيَاءِ بِالهُونِ
وَإِنَّمَا هِيَ صَفْوٌ مِنْ مُمَارَسَةٍلِلطَّارِئَاتِ، وَإِمْعَانٍ، وَتَمْرِينِ
لَا يُولَدُ المَرْءُ لَا هِرَّاً وَلَا سَبُعاًلَكِنْ عُصَارَةَ تَجْرِيبٍ وَتَلْقِينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: كَمْ مَعْنًى مَزَجْتُ لَهُدَمِي بِلَحْمِي فِي أَحْلَى المَوَاعِينِ
أَلْفَيْتُهُ فَرْطَ مَا أَلْوَى اللُّوَاةُ بِهِيَشْكُو الأَمَرَّيْنِ مِنْ عَسْفٍ وَمِنْ هُونِ
أجرَّه الشوكَ ألفاظٌ مُرَصَّفةٌأجرَّها الشوكَ سجعٌ شِبهٌ موزون
سَهِرْتُ لَيْلَ «أَخِي ذُبْيَانَ» أَحْضُنُهُحَضْنَ الرَّوَاضِعِ بَيْنَ العَتِّ وَاللِّينِ
أُعِيدُ مِنْ خَلْقِهِ نَحْتاً وَخَضْخَضَةًوَالنَّجْمُ يَعْجَبُ مِنْ تِلْكَ التَّمَارِينِ
حتَّى إذا آضَ ريَّان الصِبا غَضِراًمهوى قلوبِ الحسانِ الخرَّدِ العِين
أَتَاحَ لِي سُمَّ حَيَّاتٍ مُرَقَّطَةٍتَدِبُّ فِي حَمَأٍ بِالحِقْدِ مَسْنُونِ
فَهَلْ بِحَسْبِ اللَّيَالِي مِنْ صَدَى أَلَمِيأَنِّي مَضِيغَةُ أَنْيَابِ السَّرَاحِينِ
الآكِلِينَ بِلَحْمِي سُمَّ أَغْرِبَةٍوَغُصَّةً فِي حَلَاقِينِ الشَّوَاهِينِ
وَالسَّاتِرِينَ بِشَتْمِي عُرْيَ سَوْأَتِهِمْكَخَصْفِ حَوَّاءَ دَوْحَ التُّوتِ وَالتِّينِ
وَالعَائِشِينَ عَلَى الأَهْوَاءِ مُنْزِلَةًعَلَى بَيَانٍ بِلَا هَدْيٍ وَتَبْيِينِ
وَالمَيِّتِينَ وَقَدْ هِيضَتْ ضَمَائِرُهُمْبِوَاخِزٍ مَعَهُمْ فِي القَبْرِ مَدْفُونِ
صَنَّاجَةَ الأَدَبِ الغَالِي، وَكَمْ حِقَبٍبِهَا المَوَاهِبُ سِيمَتْ سَوْمَ مَغْبُونِ
وَمُنْزِلَ السُّوَرِ البَتْرَاءِ لَاعِنَةًمَنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا يَوْماً بِمَلْعُونِ
جُوزِيتَ عَنْهَا بِمَا أَنْتَ الصَّلِيُّ بِهِهَذَا لَعَمْرِي عَطَاءٌ غَيْرُ مَمْنُونِ!!
مَاذَا سِوَى مِثْلِ مَا لَاقَيْتَ تَأْمُلُهُشُمُّ العَرَانِينِ مِنْ جُدْعِ العَرَانِينِ
حَامِي الظَّعَائِنِ لَا حَمْدٌ وَلَا مِقَةٌوَقَدْ يَكُونُ عَزَاءً حَمْدُ مَظْعُونِ
لِمَنْ؟ وَفِيمَ؟ وَعَمَّنْ أَنْتَ مُحْتَمِلٌثِقْلَ الدِّيَاتِ مِنَ الأَبْكَارِ وَالعُونِ؟
وَيَا زَعِيماً بِأَنْ لَمْ يَأْتِهِ خَبَرٌعَمَّا يُنَشَّرُ مِنْ تِلْكَ الدَّوَاوِينِ
لَكَ العَمَى وَمَتَى احْتَجَّتْ بِأَنْ قَعَدَتْعَنِ المَوَازِينِ أَرْبَابُ المَوَازِينِ
بَلْ قَدْ مَشَتْ لَكَ كَالأَصْبَاحِ عَابِقَةًوَأَنْتَ تَحْذَرُهَا حَذْرَ الطَّوَاعِينِ
كَفَرْتُ بِالعِلْمِ صِفْرَ القَلْبِ تَحْمِلُهُلِلْبَيْعِ فِي السُّوقِ أَشْبَاهَ البَرَاذِينِ
كَانَتْ عَبَاقِرَةُ الدُّنْيَا وَقَادَتُهَاتَأْتِي المُوَرِّقَ فِي أَقْصَى الدَّكَاكِينِ
تَلُمُّ مَا قَدْ عَسَى أَنْ فَاتَ شَارِدُهُعَنْهَا، وَلَوْ كَانَ فِي غَيَابَةِ الصِّينِ
لَهْفِي عَلَى أُمَّةٍ غَاضَ الضَّمِيرُ بِهَامِنْ مُدَّعِي العِلْمِ، وَالآدَابِ وَالدِّينِ
موتى الضمائرِ تُعطي المَيْتَ دمعتَهاوتستعينُ على حيٍّ بسكِّين
لَا بُدَّ مُعْجِلَةٌ كَفُّ الخَرَابِ بِهِبَيْتٌ يَقُومُ عَلَى هَذِي الأَسَاطِينِ
جُبْ أُرْبُعَ النَّقْدِ، وَاسْأَلْ عَنْ مَلَاحِمِهَافَهَلْ تَرَى مِنْ نَبِيغٍ غَيْرِ مَطْعُونِ
وَقِفْ بِحَيْثُ ذَوُو النَّزْعِ الأَخِيرِ بِهَاوَزُرْ قُبُورَ الضَّحَايَا وَالقَرَابِينِ
تَرَ الفَطَاحِلَ فِي قَتْلٍ عَلَى عَمَدٍهُمُ الفَطَاحِلُ فِي صَوْغِ التَّآبِينِ
مِنْ نَاكِرٍ عَلَماً تُهْدَى الغُوَاةُ بِهِحَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الكَافِ وَالنُّونِ
أَوْ قَارِنٍ بِأسْمِهِ خُبْثاً وَمَلْأَمَةًمَنْ لَيْسَ يَوْماً بِضَبْعَيْهِ بِمَقْرُونِ
تَشَفِّياً: إِنَّ لَمْحَ الفِكْرِ مُنْطَلِقاًقَذًى بِعَيْنِ دَعِيِّ الفِكْرِ مَأْفُونِ
عَادَى المَعَاجِمَ وَغْدٌ يَسْتَهِينُ بِهَايُحْصِي بِهَا «أَبْجَدِيَّاتٍ» وَيَعْدُونِي
شَلَّتْ يَدَاكَ وَخَاسَتْ رِيشَةٌ غَفَلَتْعَنِ البَلَابِلِ فِي رَسْمِ السَّعَادِينِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: رَدَّتْنِي صَنِيعَتَهَاخَوَالِجٌ هُنَّ مِنْ صُنْعِي وَتَكْوِينِي
إِنَّ المَصَائِبَ طَوْعاً أَوْ كَرَاهِيَةًأَعَدْنَ نَحْتِي، كَمَا أَبْدَعْنَ تَلْوِينِي
أَرَيْنَنِي أَنَّ عِنْدِي مِنْ شَوَافِعِهَاإِذَا تَبَاهَى زَكِيٌّ مَا يُزَكِّينِي
وجَبَّ شتَى مقاييسٍ أخذتُ بهامقياسُ صبرٍ على ضُرٍّ وتوطين
وَرَاحَ فَضْلُ الَّذِي يَبْغِي مُبَاهَلَتِينُعْمَى تُعَنِّيهِ، مِنْ بُؤْسِي تُعَنِّينِي
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: شَكْوَى أَمْرُهَا عَجَبٌإِنَّ الَّذِي جِئْتُ أَشْكُو مِنْهُ يَشْكُونِي
مَاذَا صَنَعْتُ بِنَفْسِي قَدْ أَحَقْتُ بِهَامَا لَمْ يُحِقْهُ بِـ«رُومَا» عَسْفُ «نِيرُونِ»
أَلْزَمْتُهَا الجِدَّ حَيْثُ النَّاسُ هَازِلَةٌوَالهَزْلَ فِي مَوْقِفٍ بِالجِدِّ مَقْرُونِ
وَسُمْتُهَا الخَسْفَ أَعْدَى مَا تَكُونُ لَهُوَأَمْنَعُ الخَسْفَ حَتَّى مَنْ يُعَادِينِي
وَرُحْتُ أَظْمَي وَأَسْقِي مِنْ دَمِي زُمَراًرَاحَتْ تُسَقِّي أَخَا لُؤْمٍ وَتُظْمِينِي
وَقُلْتُ بِالزُّهْدِ أَدْرِي أَنَّهُ عَنَتٌلَا الزُّهْدُ دَأْبِي، وَلَا الإِمْسَاكُ مِنْ دِينِي
خَرْطَ القَتَادِ أُمَنِّيهَا وَقَدْ خُلِقَتْكَيْمَا تَنَامَ عَلَى وَرْدٍ وَنِسْرِينِ
حَرَاجَةٌ لَوْ يُرَى حَمْدٌ يُرَافِقُهَاهَانَتْ وَقَدْ يُدَّرَى خَطْبٌ بِتَهْوِينِ
لَكِنْ رَأَيْتُ سِمَاتِ الخَيْرِ ضَائِعَةًفِي الشَّرِّ كَاللَّثْغِ بَيْنَ السِّينِ وَالشِّينِ
ما أضيعَ الماسَ مصنوعاً ومتطَبِعاًحتى لدى أهلِ تمييزٍ وتثمين
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: هَلْ أَبْصَرْتِ بَارِقَةًأَلْقَتْ بِلَمْحٍ عَلَى شَطَّيْكِ مَظْنُونِ؟
تِلْكُمْ هِيَ العُمْرُ وَمْضٌ مِنْ سَنَى عَدَمٍيَنْصَبُّ فِي عَدَمٍ فِي الغَيْبِ مَكْنُونِ
يَا دِجْلَةَ الخَيْرِ: هَلْ فِي الشَّكِّ مُنْجَلِياًحَقِيقَةٌ دُونَ تَلْمِيحٍ وَتَخْمِينِ؟
أَمْ خُولِطَتْ فِيهِ أَوْهَامٌ وَأَخْيِلَةٌكَمَا تَخَالَطَتِ الأَلْوَانُ فِي الجُونِ
أَكَادُ أَخْرُجُ مِنْ جِلْدِي إِذَا اضْطَرَبَتْهَوَاجِسٌ بَيْنَ إِيقَانٍ وَتَظْنِينِ
أَقُولُ لَوْ كَنْزُ قَارُونٍ وَقَدْ عَلِمَتْكَفَّايَ أَنْ لَيْسَ يُجْدِي كَنْزُ قَارُونِ
أَقُولُ: مَا كَنْزُ قَارُونَ، فَيَدْمَغُنِيأَنَّ الخَصَاصَةَ مِنْ بَعْضِ السَّرَاطِينِ
أَقُولُ: لَيْتَ كَفَافاً وَالكَفَافُ بِهِرُحْبُ الحَيَاةِ، وَأَقْوَاتُ المَسَاجِينِ
أَقُولُهُنَّ وَعِنْدِي عِلْمُ ذِي ثِقَةٍأَنْ لَيْسَ يُؤْخَذُ عِلْمٌ بِالأَظَانِينِ
وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ هَمُّ صَاحِبِهَاأَنْ لَا تُصَدِّقَ مَدْحُوضَ البَرَاهِينِ
لَمْ يُوهَبِ الفِكْرُ قَانُوناً يُحَصِّنُهُمِنَ الظُّنُونِ، وَمِنْ سُخْفِ القَوَانِينِ
يَا نَازِحَ الدَّارِ نَاغِ العُودَ ثَانِيَةًوَجُسَّ أَوْتَارَهُ بِالرِّفْقِ وَاللِّينِ
لَعَلَّ نَجْوَى تُدَاوِي حَرَّ أَفْئِدَةٍفِيهَا الحَزَازَاتُ تَغْلِي كَالبَرَاكِينِ
وَعَلَّ عُقْبَى مُنَاغَاةٍ مُخَفِّقَةًحُمَّى عَنَاتِرَ «صِفِّينِ» وَ«حِطِّينِ»
وَيَا صَدَى ذِكْرَيَاتٍ يَسْتَثِرْنَ دَمِيبِهِزَّةٍ جَمَّةِ الأَلْوَانِ تَعْرُونِي
أَشْكُو المَرَارَةَ مِنْ إِعْنَاتِ جَامِحَةٍمِنْهَا إِلَى سَمْحَةٍ بَرٍّ فَتُشْكِينِي
مِثْلَ الضَّرَائِرِ هَذِي لَا تُطَاوِعُنِيفَأَسْتَرِيحُ إِلَى هَذِي فَتُؤْوِينِي
ويا مَقيلاً على غربيِّها أبداًذكراهُ تَعطِفُ من عودي وتَلويني
عُشُّ الأَهَازِيجِ مِنْ سَجْعِي يُرَدِّدُهَاسَجْعُ الحَمَامِ وَتَرْجِيعُ الطَّوَاحِينِ
وَسِدْرَةٌ نَبْعُهَا خَضْدٌ، وَسَاقِيَةٌوَبَاسِقُ النَّخْلِ مَعْقُوفُ العَرَاجِينِ
وَمُسْتَدَقُّ صُخُورٍ مِنْ مَآبِرِهَارُؤًى تَظَلُّ عَلَى الحَالَيْنِ تُشْجِينِي
مِنْ أَنْمُلِ الغِيدِ فِي حُسْنٍ تُتَمِّمُهُفَإِنْ تَعَرَّتْ قَمِنْ أَنْيَابِ تِنِّينِ
يَا مَجْمَعَ الشَّمْلِ مِنْ صَحْبٍ فُجِعْتُ بِهِوَآخَرٍ رُحْتُ أَبْلُوهُ وَيَبْلُونِي
وَيَا نَسَائِمَ إِصْبَاحٍ تُصَفِّقُ لِينَدَى الغُصُونِ بِلَيْلَاتٍ وَتَسْقِينِي
وَيَا رُؤَى أُصُلٍ نَشْوَى تُرَاوِحُنِيوَيَا سَنَا شَفَقٍ حُلْوٍ يُغَادِينِي
وَيَا مَدَاحَةَ رَمْلٍ فِي مَخَاضَتِهَارَاحَتْ أُصَيْبِيَةٌ تَلْهُو فَتُلْهِينِي
وَضَجَّةٌ مِنْ عَصَافِيرٍ بِهَا فَزَعٌعَلَى أَكِنَّتِهَا بَيْنَ الأَفَانِينِ
وَمَنْطِقٌ لَيْسَ بِالفُصْحَى فَتَفْهَمَهُيَوْماً وَمَا هُوَ مِنْ حِسٍّ بِمَلْحُونِ
وَأَنْتِ يَا دِجْلَةَ الخَيْرَاتِ سِعْلِيَةٌقَرْعَاءُ نَافِجَةُ الحِضْنَيْنِ تَعْلُونِي
لَا ضَيْرَ كُلُّ أَخِي عُشٍّ مُفَارِقُهُوَأَيُّ عُشٍّ مِنَ البَازِي بِمَأْمُونِ!
وَيَا ضَجِيعَيْ كَرًى أَعْمَى يَلُفُّهُمَالَفَّ الحَبِيبَيْنِ فِي مَطْمُورَةٍ دُونِ
حَسْبِي وَحَسْبُكُمَا مِنْ فُرْقَةٍ وَجَوًىبِلَاعِجٍ ضَرِمٍ كَالْجَمْرِ يَكْوِينِي
لَمْ أَعْدُ أَبْوَابَ سِتِّينٍ، وَأَحْسِبُنِيهِمَّاً وَقَفْتُ عَلَى أَبْوَابِ تِسْعِينِ
يَا صَاحِبَيَّ إِذَا أَبْصَرْتُ طَيْفَكُمَايَمْشِي إِلَيَّ عَلَى مَهْلٍ يُحَيِّينِي
أطبقتُ جَفناً على جَفنٍ لأبصُرَهحتى كأنَّ بريقَ الموتِ يُعشيني
إِنِّي شَمِمْتُ ثَرًى عَفْناً يَضُمُّكُمَاوَفِي لُهَاثِيَ مِنْهُ عِطْرُ «دَارِينِ»
بُنُوَّةً وَإِخَاءً حِلْفَ ذِي وَلَعٍبِتُرْبَةٍ فِي الغَدِ الدَّانِي تُغَطِّينِي
لَقَدْ وَدِدْتُ وَأَسْرَابُ المُنَى خُدَعٌلَوْ تَسْلَمَانِ وَأَنَّ المَوْتَ يَطْوِينِي
قَدْ مِتُّ سَبْعِينَ مَوْتاً بَعْدَ يَوْمِكُمَايَا ذُلَّ مَنْ يَشْتَرِي مَوْتاً بِسَبْعِينِ
لَمْ أَقْوَ صَبْراً عَلَى شَجْوٍ يُرَمِّضُنِيحَرَّانَ فِي قَفَصِ الأَضْلَاعِ مَسْجُونِ
تَصَعَّدَتْ آهِ مِنْ تِلْقَاءِ فِطْرَتِهَاوَأَرْدَفَتْ آهَةٌ أُخْرَى بِآمِينِ
وَدَبَّ فِي القَلْبِ مِنْ تَأْمُورِهِ ضَرَمٌمَا انْفَكَّ يُثْلِجُ صَدْرِي حِينَ يُصْلِينِي
عن القصيدة
«يا دجلة الخير» من شعر محمد مهدي الجواهري، من العصر الحديث، وتقع في ١٦٥ بيتًا. وهي قصيدة عمودية، ورويّها حرف النون، وهي قصيدة وطنية.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.