تذكرت أيام الصبابة والصبا
الشاعر: ابن سناء الملك · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة عامة
«تذكرت أيام الصبابة والصبا» من شعر ابن سناء الملك، وتقع في 51 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تذكَّرتُ أَيامَ الصَّبابَة والصِّبا — وعيشاً مليحاً بالمَلحيةِ مُعْجِبَا
وثوبَ نعيمٍ لا يحِلُّ لباسُه — لذي ورعٍ لأَنه كان مُذهَبَا
مذهبةُ الخدَّيْن يحمر خدها — لجني ويجري الماء فيه ليشربا
ومن خدها يحمَرُّ ياقوتُ عِقْدِها — ويصفَرُّ إِمَّا خَجْلةً أَو تَهيُّبا
أَبو ثَغْرِهَا الدُّرُّ الذي في عقودِها — ولكن رأَيت الإِبنَ قد فضل الأَبَا
تُغير فتَسْبي باللِّحاظِ عقولَنَا — وكم من شجاعٍ قد أَغارَ وما سَبَى
وقد أُوتِيتْ فَصْلَ الخطابِ ملاحةً — فأَوجَز فيها الخصرُ والرِدْفُ أَسْهَبَا
مُعذِّبَتي لولاك لم يَعذُبِ الرَّدى — ولا كنتُ في جناتِ عدن مُعذَّبا
ولا كان قَلْبي بالهموم مُكَحَّلاَ — ولا كَانَ طرْفي بالدِّماءِ مخضَّبا
ولا كان جسمِي من هُزالي مُخْصِباً — ولا كان خَدِّي من شُحوبيَ مُعْشِبَا
وأَبْصَر طَرْفي في الدُّجى أَلْفَ كَوْكبٍ — فلم أَر فيهم غَيرَ وجهِك كَوْكَبَا
تحيَّر دَمْعي بين جَرْيٍ ووقفةٍ — فكيف تُراهُ مِثْلَ قَلبي مُذَبْذَبَا
ومذ قوَّضوا أَطْنَابَهُمْ صار ناظِري — خِباءً ولكن بالدموعِ مُطَنَّبَا
سقى الله أَيامَ الشَّباب مدامِعي — على زينبٍ لا واخَذَ الله زينبا
فذاك زمانٌ كلُّ عيشي به رِضاً — وكلُّ نسيمٍ هبَّ من صَبْوتي صَبَا
وتُضمِرُ حُبِّي كلُّ ضامرةِ الحشَا — وتُنْعِمُ عيِشي كلُّ ناعمةِ الصَّبا
تكاثرَ لَثْمُ الغَانياتِ بعَارِضِي — فكدتَ تراهُ بالمباسِمِ أَشْنَبَا
تقبلُني عن قبلةٍ أَلفَ قبلةٍ — وحُلِّل في شَرْع الهَوى ذلِك الرِّبَا
فأَثكلَني الدَّهرُ الشبابَ وإِنَّما — أُطَاعِنُ من بعدِ الشَّبابِ بلا شَبَا
أَساءَت بي الأَفلاكَ غارْت نجومُها — ولا نزعَتْ من مَلْبسِ الحُزْنِ غَيْهَبَا
ويا ليت شِعْري مَنْ لمن أَشْتِكي لها — أُخَاطِبُ ثَوْراً أَمْر أُعَاتِبُ عَقْرَبا
رجعتُ بها عن حَضْرَةِ العزِّ والعُلاَ — وحيداً وقد كنت النَّجيَّ المُقَرَّبَا
وأَصبحتُ مُقْصىً بعد أَن كنت مُصْطَفى — وأَمسيتُ مُلقىً بعد ما كنت مُجْتَبى
نأَيتُ فيا شوقاهُ عن أَبيضِ الجَدا — وسرتُ فيا لهفاهُ عن أَخضرِ الرُّبَا
عَنِ المالكِ الأَمْلاكِ رأْياً وحكمةً — وفاضِلهم عِلْماً وحِلْماً ومَنْصِباً
تجوبُ ملوكُ الأَرض أَقصَى بلادِها — لِبابٍ تراها خسأَى ولُغَّبا
رأَيتُهمُ يأْتُونَ منه معظَّماً — وأَبصرتُهُمْ يستأَذِنُونَ المُحَجَّبا
يَطَوْنَ بِساطاً فيه للشمس مَنصِبٌ — كما أَنَّ فيه للسَّحائبِ مَسْحَبَا
أَقمتُ به بَيْنَ البشَاشةِ والقِرى — وإِن شئْتَ قُل بين المحبَّة والحَبَا
أعانقُ للآمالِ قَدّاً مُهَفْهَفَاً — وأَلْثمُ ثغراً للأَمانيِّ أَشْنَبا
وأُوصِلُ رزقاً كان من قبلُ قد نأَى — وأُنْهِضُ جدّاً كان من قَبْلُ قد كَبا
وأَشفعُ حتى لا تُردَّ شفاعَتي — ولو فيَّ إِذ أَصبحتُ بالبُعدِ مَذْنِبا
وكم سِيقَ من نُعمى إِليَّ ونعمةٍ — وكم قيل لي أَهلاً وسهلاً ومَرْحَبَا
فلا يَذكُرَنْ آلَ المهلَّب ذاكرٌ — فقد جاءَ من يُنسيهمُ المُهَلَّبَا
فيا جَذَلِي إِن كنتَ في الخلدِ حاضراً — ويا أَسفي إِذ كنْتُ عَنهُ مغَيَّبَا
لسوءِ اختياري كان لي عنك مَذْهَبٌ — على أن قلبي لم يجد عنك مذهبا
ولولا أني ما كان بي عنك مرغب — وكيف أَرَى عن جنَّةِ الخلدِ مَرْغَبَا
وكم لكَ لولا سوءُ بختي نعمةٌ — مَنَنْتَ بها لو شئتَ سميتَها أَبَا
وبعد أَبي كم نعمةٍ منك نلتُها — فأَلفيتُها أَحْلى وأَهْنَا وأَعجبا
أَبَى لي أَن أَبقى السعيدَ بزعمهم — شقاءٌ أبَى أَن يسعدَ المرءُ إِنْ أَبَى
شقاءٌ دهاني لم أَجد عنه مَصْرِفاً — وخطبٌ أَتاني لم أَجد عنه مَهْرَبا
وأَيُّ امرئٍ يختاره السَّعْد مأْلفاً — فيختارُ عن ذاك الجناب تَجَنُّبَا
ولو عُدْتُ بالملكِ العقيم وإِنني — رَجعْتُ به ما كنت إِلاَّ مُخَيَّبَا
رجعت أَعَضُّ الراحتين ورَاحَتي — إِذا ضاقَ صدرِي أَن أُبَكى وأَنْدُبَا
وأَطْلبُ بعد البين شملاً مُنظماً — فأَطلبُ بعد الصبحِ نجماً مُغَرِّبَا
فيا لهفَ نفسِي لو أَقمتُ فقَامَ لي — مَنَارٌ بِموْلىً نُورُه قطُّ ما خَبَا
وكان دَرَى أَيَّ البرية عِندَه — وكان رأَى أَيَّ الرجالِ المهذبَا
وكان ذا لاقى بِحَدَّيْ صَريمة — رآنيَ سَيْفاً في الرقاب مُجرَّبَا
أَمولىَ الموالي إِنني بقصيدتي — شكوْتُ لِتَرْثي لا شَدَوْتُ لتَطْرَبَا
أَقِلْني أَقِلْني تُبتُ توبةَ ناصحٍ — لترضَى ولم أُذْنِبْ بجهلي لتغضبَا
ولي طمعٌ في حسن رأْيك صادقٌ — وما طمعِي في حسنِ رأْيكَ أَشعبا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- باللحاظ: اللِّحَاظ : مؤخر العين مما يلي الصُّدغ؛ التفت ناظراً إليه بلِحاظه ج لُحُظٌ.
- شجاع: الشُّجَاعُ : الجَريءُ المِقدامُ؛ وَلَوَ أَنَّ الحَيَاةَ تَبقى لِحَيٍّ ** لَعَدَدنا أَضَلَّنَا الشُّجْعَانا. ج شُجعانٌ (بضم الشين أو كسرها) وشِجْعَةٌ. ـ: الحَيَّةُ ج شُجْعانٌ (بضم الشين أو كسرها).
- عقدها: عقد: العَقْد: نَقِيضُ الحَلِّ؛ عَقَدَه يَعْقِدُه عَقْداً وتَعْقاداً وعَقَّده؛ أَنشد ثَعْلَبٌ: لَا يَمْنَعَنَّكَ، مِنْ بِغاءِ ... الخَيْرِ، تَعْقادُ التمائمْ واعتَقَدَه كعَقَدَه؛ قَالَ جَرِيرٌ: أَسِيلَةُ معْقِدِ السِّمْطَ …
- عقودها: العُقُودُ : [بصيغة الجمع]- من الأعداد: العشرةُ والعشرون إلى التسعين؛ جرت حربان عالميتان خلال العقود الخمسة الأولى من القرن العشرين.-: مفـ عَقْد.
- عقولنا: العَقُولُ : مبالغة العاقل، المدرك الفاهم للأمور؛ إذا اختلطتْ عليك الأمور فاستشر عَقولاً.-: الدواءُ الذي يعقل البطنَ أي يمسكه؛ تناول المريض عقولاً.
- فتسبي: تَسَبَّى يَتَسَبَّى تَسَبَّ تَسَبِّياً [سبيَ]: ـ له: تحبّب إِليه واستماله؛ تَسَبَّتْ له بدلّها وغنجها.
- لباسه: اللِّبَاسُ : ما يستر الجسم؛ اتَّقى البردَ بلباسٍ صوفيّ/ لباس عسكريّ/ لباسٌ رسميّ/ لباس الرأس/ البسة جاهزة.- التَّقوى: الايمان والعمل الصالح وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذلِكَ خَيْرٌ.- مِن كلِّ شيءٍ: عشاؤه وما يستره؛ لباس الزَّهر …