أيا دمع عيني لا تكن بعد إخواني
الشاعر: ابن سناء الملك · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة عامة
«أيا دمع عيني لا تكن بعد إخواني» من شعر ابن سناء الملك، وتقع في 69 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة عامة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أيا دمعَ عَيْني لا تكُنْ بَعْدَ إِخْوَاني — وقَدْ نَزَحُوا لاَ بالضَّعيفِ ولا الواني
أَبنْ حُسْنَ عَهْدي إِن عهدي تُبِينه — جُفُوني بماءٍ لا فؤَادِي بِنيرانِ
وعذرُ فؤادِي لا كعُذْرِك واضحٌ — فأَنت طليقٌ والفؤادُ هو العَانِي
وحاشاك من أَن لا تفي يا مَدَامَعي — لوافٍ وقِدْمَاً كم وَفيْتِ لخَوَّان
ويا عينُ إِن أَبصرتِ في الناس غيرَهم — فما أَنْتَ يا إِنسانُها قَطُّ إِنْسَاني
وما بالُ عيني تبصرُ الناسَ بَعْدَهم — وقد عَدِمَتْ مِنِّي عُيُوني وأَعْوَاني
طوى الدَّهرُ عنِّي مَعْشَرِي وأَحبَّتي — وأَهَلْي وجيراني وأُسْدي وغُزْلاَني
ومن كان يُسْمي طَاعَة اللهِ طَاعتي — كما عِنْدَهُ عصيانُه كَان عِصْيَاني
من السَّابقين الأَولين إِلى الذي — يلائمُني والتَّابعِين بإِحْسَانِ
وكم إِلفِ إِلفِ كَان أَضْحَكَ نَاجِذِي — زماني به لكنَّه اليومَ أَبْكَاني
وكَمْ سرَّني دَهْرِي بِه ثُمَّ ساءَني — ونَعَّمني دهراً به ثم أَشْقَاني
كرامٌ سُقُوا كَأسَ المنيةِ والرَّدى — فيا ليت من أَسْقَاهم كَانَ أَسْقَاني
وما حَكمَتْ فيهم فشُلَّتْ يدُ البلى — فيا ليت من أَبلاهمُ أَبلاني
قبورٌ لُهمْ مثلُ الكواكب تَهْتدِي — بها لفؤادي نارُ قلبي وأَشْجَاني
على أَنَّني بَعْضُ المقابِر فيهمُ — فسكَّانُ هاتيكَ المقابِر سُكَّاني
ذَوتْ في الثَّرى أَغصانُهم وَهْي غَضَّةٌ — فيا تُرْبُ ما أَنصفْتَ نُضْرَة أَغْصَان
وحمرةُ خدِّي بالدُّموع عَلَيْهمُ — فخدِّيَ لا خدُّ الحبيبِ هو القَاني
عَبَرْتُ غريباً بينهم غيرَ آلفٍ — لغيرهمُ يا غُرْبَتي بَين أَوطَاني
وعُدْتُ فقيراً بعدهم غيرَ واجدٍ — لِمثْلِهمُ يا خُلَّتي بعد خلاَّني
وقد تُنْشِئُ الدنيا سواهُم وربَّما — وقد أَنشأَتْ لكن سَحَائبَ أَجفاني
وفيهم أَخٌ لي كان رُوحِي وراحتي — كما أَنه قد كان رَوْحِي وَرَيحَاني
برغميَ أَوْدَعْتُ الثَّرى منه مُهْجَةً — معظَّمَةَ المقدارِ عاليةَ الشان
شقيقي ولكنِّي شَقَقْتُ له الثَّرى — ووسَّدتُه ما بين صَبْري وسُلْوَاني
على الرَّغم منِّي إِذ أَقمتُ وقَدْ مضَى — وبالرغمِ منه كيفَ رَاحَ وخَلاَّني
تلاءَمت فيه حين ماتَ ولم أَمُتْ — ورُحْت بأَثوابٍ وراحَ بأَكْفَانِ
ويا ويحَ قَلبي كيف يأْوِي لأَضْلعي — وأَفٍّ لنَفْسِي كيف تَسْكُنُ جثماني
وكم رمتُ قَتْلَ النَّفس فيكم فَصدَّني — وصبَّرني عن قتلِ نفسِيَ إِيماني
وخوفي أَنْ أَمْضِي إِلى عند مالك — فيَغْتَمَّ منه قَلْبُه عند رِضْوَان
به ظَهَرَتْ في الحالِ منِّي زيادتي — ومذ بان عَنِّي بان للحَالِ نُقْصَاني
وكم كنْتُ أَجفُوهُ وكان يُحبني — وأُغضبُه لكنَّه يَترضَّاني
وهيهات أَن أَنساهُ ما هبَّت الصَّبا — وأَحْسَبُه في قبره ليْسَ يَنْساني
وكَمْ زرتُ منه قبرَه فرأَيتُه — بعَيْنِ ضميرِي قَائِماً يَتَلقَّاني
يَكَادُ إِذا ما جئتُه أَن يضمَّني — ويُمْسِكُنِي عِنْد الرَّواح بأَرْداني
فعيني عينٌ بعد قومٍ عدمتُهم — ولَيْليَ مِنْ بَعْدِ الأَحبَّةِ ليْلانِ
مقتُّ حياتي بعدهم ولو أَنَّ لي — بها مالَ قارون ومُلْك سُليْمَان
ولا بدَّ لي أَن أَمتطي ظهرَ عزمةٍ — مقرِّبةِ النَّائي مُبَعِّدةِ الدَّاني
وأَفْلُو كما شاء السُّرى لممَ الفلا — بأَدهم ريَّانٍ من الزُّهْرِ ملآنِ
به غرَّةٌ من يوم وصل قد انْفرَى — عليها إِهابٌ قُدَّ من ليل هِجْران
ترى فرْد لونٍ لونَه فإِذا جَرى — أَتاكَ مِنَ الجَرْي الغريبِ بأَلوان
يكُفُّ ككفِّي طائعاً إِن كفَفْتُه — ويطغى إِذا أَرسلتُه مِثلَ طُغْيَان
إِذا شئْتُ رَكْضاً كنْتُ في ظهر طائرٍ — وإِن شئتُ مشياً كنت في ظَهْرِ سِرْحَان
وما يتندَّى قَطُّ من رُحَضَائِه — على أَنَّه بالرَّكض جاءَ بطوفان
وأَعلو على الأَطوادِ منه بمثْلِها — كما يلتقي الصَّوانُ منه بصَوَّانِ
يسوِّي شنَاخِيبَ الذُّرى ويُدكُّها — فيركُضُ في أَعْلَى رُبَاهَا بميْدان
وتسمع أُذْنَا قَلْبِه ما نَقُولُه — بذِي قَوْلٍ سرٍّ كان أَو قَولِ إِعْلاَن
عَسَى قولُه أَنْ أَلْحَقَ الحظَّ إِنَّه — مضى هَارِباً في الجهرِ عنِّي وعنَّاني
وإِنِّي حظُ الحظِّ لو كَانَ عاقِلاً — لقد أَخطأَ الحظُّ الَّذي يَتَخَطَّاني
ويا عَوْرَةَ الحظِّ الذي صَارَ غُرَّةً — بقومٍ خِسَاسٍ قد كَسَاهُمْ وعرَّاني
وعَارَ فُحُولَ الخَلْقِ لما كساهمُ — ثيابَ رجالٍ فَوْقَ أَعْضَاءِ نِسْوان
لهم ما أَرادوا من نحافَةِ أَنفسٍ — كما لا أَرَدْنا من ضَخَامَةِ أَبْدَانِ
وزِنْتُ وهُمْ فانظر إِلينا وقد عَلَوْا — لخفَّتهمْ لمَّا انْحَطَطْتُ لرُجْحَاني
وَمَا لي على نُعْماهُمُ قَلْبٌ حاسدٍ — ولكن عَلَى علياهمُ قَلْبُ غَيْرَانِ
وإِنِّي لأَدري أَيَّ أَمر لأَجْلِه — عَداني زماني بالجميل وعَادَاني
لأَنِّي مصونُ العِرْضِ منتَهبُ الغِنى — وأَنِّي مَوْلَى حُسَّدِي عِنْدَ ضِيفَاني
وإِنِّي لأَقْني الحمدَ لا أَقْتَني الثَّرى — فأَرغبُ في الباقي وأَزهَدُ في الْفَاني
وإِنِّي على قول الخَنَا أَيُّ مبطِىءِ — وإِنِّي إِلى بذلِ اللُّهى أَيُّ عجلان
وإِني إِذا قابلتُ خَصْماً مُمَاحْكَا — كَبَا باطلٌ منه وأَشرقَ بُرْهَاني
وإِن قُمتُ في قومِي خطيباً فَما هُمُ — وإِيَّايَ إِلاَّ وائلٌ حول سَحْبَان
وأَطعَنُ بالرأْي الذي هو عَامِلٌ — وما كلُّ نقَّالِ الرِّماحِ بطعَّان
وكل كتابٍ لي يَفُضُّ كتيبةً — ويهزِمُها من قبل فضٍّ لعُنْوَان
وبي يهتدي النَّجم الذي يُهْتَدى بِه — ومِنْ عَجَبٍ كَيْفَ اهتَديْتُ بَحَيران
ولا يُتَعَجَّبْ من نَفاذِي فإِنَّني — بسلطان عِلمي قد نفَذْتُ بسُلْطَاني
فضائلُ غِيظ الدَّهْرُ منها فكَادَني — كما أَنَّه قد مرّ منها فأَرْدَانِي
فلا تحسبَنَّ الدّهرَ عني وأَهلَه — فما لي منهُم غَيرُ بَهْتٍ وبُهْتَان
وقل لابنةِ العشرينَ عنكِ وأَبْصِري — بعينَيك هدَّ الأَربعينَ لأَركاني
وما كنتُ في أَمْر الصِّبَا طائعَ الهوى — ولا سيما والآنَ قد ريعَ رَيْعَاني
ويا ساقيَ الرّاح الذي يَسْتفزُّني — بجامد ماءٍ فيه ذائب عقْيَان
إِليكَ فما كأْسِي بكأْسِي ولا الهَوى — هوايَ ولا نُدمانيَ اليوم نُدْمَاني
وإِنك والكأْسَ التي حَمَّلْتَها — لشُغِلي ولكِنْ قد تنسَّك شيطاني
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- العاني: العَانِي [عنو]: الذليل أو الأسير؛ عُودُوا المَرْضىٍ وَفُكُّوا العاني / اتّقوا اللهَ في النِّساءِ فإنَّهنَّ عندكم عَوَانٍ، أي كالأسيرات ج عُناة ج مؤ عَوَانٍ.
- الواني: الوَانِي : فا.-: الضَّعيف البدن.- مِنَ النَّسيم: الضّعيفُ الهُبُوب؛ لَطَّفَ النسيمُ الواني من حرارة الجوّ.
- بالضعيف: الضَّعِيفُ : المضعوف. -: من كان به ضُعْفٌ أو المريض أو النحيل الواهن؛ هو ضعيف لا يقوى على تحمُّل المتاعب. - من الكلام: ما انحطَّ عن مرتبة الفصيح أو كان فيه ركاكة. - من الحديث: ما كان أدنى مرتبةً من الحسَن لسبب ما ج ضِعَا …
- بنيران: [ن ي ر]. "ظَهَرَ النَّيِّرَانِ مَعاً" : القَمَرُ وَالشَّمْسُ.
- تبينه: تَبَيَّنَ يَتَبَيَّنُ تَبَيُّناً : ظهر واتَّضح قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ.
- طليق: الطَّلِيقُ : المُطْلَق غير المقيَّد. ـ: الأسيرُ الذي فُكَّ إِسارُه وخُلِّي سَبيلُه. ـ الوَجْهِ: ضاحك بشوشٌ. ـ اللِّسانِ: فصيح عَذْب المنطِق. ـ اليدِ: قادرٌ على التصَرُّف. ـ: الذي أُدخل في الإسلام كَرْهاً ج طُلَقَاءُ.
- غيرهم: غير: التهذيب: غَيْرٌ من حروف المعاني، تكون نعتاً وتكون بمعنى لا، وله باب على حِدَة. وقوله: ما لكم لا تَناصَرُون؛ المعنى ما لكم غير مُتَناصرين. وقولهم: لا إِلَه غيرُك، مرفوع على خبر التَّبْرِئة، قال: ويجوز لا إِله غيرَك ب …