لقَــد عـفَـت مِـن ديـارِ العِـلمِ آثـارُ
الشاعر: عبد الله بن علي آل عبد القادر · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة وطنية
هذه القصيدة من شعر عبد الله بن علي آل عبد القادر، من العصر الحديث، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة وطنية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لقَــد عـفَـت مِـن ديـارِ العِـلمِ آثـارُ — فــأَصــبَــحَ العـلمُ لا أَهـلٌ ولا دارُ
يـا زَائِريـنَ ديارَ العِلمِ لا تَفِدُوا — فَــمــا بـذاكَ الحِـمَـى والدَّارِ دَيّـارُ
تَـرَحَّلـَ القـومُ عَـنـهـا واسـتَـمرَّ بهم — مُــشَــمِّرٌ مِــن حُــداةِ البــيــنِ سَـيّـارُ
قـد أَورَدَ القـومَ حادِيهم حياضَ ردىً — فـمـا لَهُـم بَـعـدَ ذاكَ الوِردِ إِصـدارُ
تَـبـكِـي السَّمـاءُ عـليـهِم وَهيَ كاسِفَةٌ — لا الشَّمسُ شَمسٌ ولا الأَقمارُ أَقمَارُ
والأَرضُ مِــن بَـعـدِهِـم ثَـكـلى مُـرَزَّأَةٌ — يـعـلو لَهـا مِـن زَفيرِ الوجدِ إِعصارُ
فـلم تـدع مَـعـلَمـاً فـيها ولا عَلَماً — ضَـلَّ الهـداةُ بِها والرَّكبُ قَد حَارُوا
حُـيِّيـتِ يـا دارَ سـعـدٍ غـابَ مُـسـعِدُها — يــا طــالمــا أنــتِ أَوطـانٌ وأَوطَـارُ
يـا صَـاحِـبَـيَّ تَـعـالَوا نـقـضِ واجِبَها — فـقـبـلَنـا قَـد وفـت بِـالعَهـدِ أَحرَارُ
عَهـدِي بِهـا يَـومَ شـمـلِ الحَـيِّ مُلتَئِمٌ — فــي ظــلِّهَــا وَهــيَ جــنّــاتٌ وأَنـهـارُ
يـا صـاحِـبَـيَّ أَعِـيـرانِـي جـفُـونَـكُـمـا — جَـفـنِـي قـريـحٌ ودَمـعُ العَـيـنِ مِدرَارُ
وأَفـرِغـا فـي فُـؤادِي فَـضـلَ صـبـرِكُما — عـدِمـتُ صَـبـرِي وَفِـي أَحـشـايَ تَـسـعَـارُ
يا بَينُ مهلاً أَتَدرِي ما الذي صَنعت — بــنــا يــداكَ ويـأتِـي مِـنـكَ إِشـعَـارُ
لقَــد رَمَـيـتَ بـسـهـمٍ فـي مَـقـاتِـلنـا — حــيــاتُـنـا بـعـدَهُ يـا بـيـنُ أَقـدارُ
ســهــمٌ تــخـيَّرَ فـي الأحـيـاءِ كُـلِّهِـمُ — وهـكَـذا كـانَ سـهـمُ البَـيـنِ يَـخـتـارُ
فَـجَـعـتَـنـا بـفـتَـى الفِـتـيانِ قاطِبةً — كــأنَّهــُ تــحــتَ طَــيِّ البُــردِ أُســوارُ
مـاضِـي العَـزيـمَةِ لا يلوِي عَلى أحَدٍ — مُهَـــنَّدٌ مُـــرهَـــفُ الحـــدَّيــنِ بَــتّــارُ
إِذا تَـسـابـقَ فـرسـانُ البـلاغَـةِ فِـي — مَــيــدَانِهــا فــلهُ سَــبــقٌ وإِظــهــارُ
لهُ الإِمَـارةُ فـي أهـلِ اللِّسـانِ كما — لهُ الصَــدارةُ إِن لاقــتــهُ أحــبــارُ
بـحـرٌ مِـن العـلمِ قـد جَـفَّتـ مـشارِعُهُ — جـمُّ الدَرارِي بـعـيـدُ القَـعـرِ تَـيّـارُ
فَـخـرُ المـدارِسِ لا يُـؤتَـى بِـمَـسـألَةٍ — إِلّا لَهـــا مـــنــهُ قــرآنٌ وأخــبــارُ
زَيـنُ المَـجـالسِ مَـسلاةُ المُجالِسِ عَن — هُــمــومِهِ وهــوَ بــالخَــيــراتِ أمّــارُ
خــطِــيــبُ صِــدقٍ خَـلَت مـنـهُ مَـنـابـرُهُ — وعِــنــدَهــا مِـنـهُ للبـاقـيـنَ إِنـذارُ
قــد كـانَ مِـن بـركـاتِ الأرضِ إِنَّ لهُ — ظِـلّاً ظَـلِيـلاً وُتـجـنـى مِـنـهُ أَثـمَـارُ
أَبُـو الفَـضـائِلِ عـبـدُ اللَّهِ طـارَ لهُ — صِــيـتٌ بـعـيـدٌ وَطـابَـت مِـنـهُ أَسـمَـارُ
عــلَيــهِ مِــنّــا سـلامُ اللَّهِ راحَ بـهِ — مِـــنّـــا إِلَيــهِ عــشِــيّــاتٌ وأَبــكــارُ
قُـم يـا خـليـلِي نُـقِـم لِلعِلمِ مَأتمَهُ — نَـبـكـي عـليـهِ فـخـطـبُ العـلمِ كُـبّارُ
لَهـفِـي عَلَى سُرُجِ الدُّنيا التي طُفِئَت — ولا يــزَالُ لَهـا فـي النَّاـسِ أَنـوَارُ
لَهـفِـي علَيهم رِجَالاً طالَ ما صبَرُوا — وهــكــذا طــالِبُ العــليــاءِ صَــبّــارُ
مـالُوا يَـميناً عنِ الدُّنيا وزَهرَتِها — لأَنَّهــا فــي عُــيــونِ القـومِ أَقـذَارُ
وَصَــاحــبُــوهَــا بــأَجــســادٍ قـلوبُهُـمُ — طـيـرٌ لَهـا فـي ظـلالِ العَـرشِ أَوكَارُ
يـا صـاحِ دَعنِي أَسُفُّ التُّربَ حيثُ وَطَت — أَقــدَامُهُــم فـالهَـوى العُـذرِيُّ عَـذّارُ
هُــمُ الَّذِيــنَ رَعَــوا لِلعــلمِ حُـرمَـتَهُ — لِلعِـــلمِ بَـــيــنَهُــمُ شــأنٌ ومِــقــدَارُ
صــانُــوهُ طــاقَــتَهُــم عَــمّــا يُـدَنِّسـُهُ — كَــمــا يَـصُـونُ نـفِـيـسَ المـالِ تـجّـارُ
وَأَحــسَــنُـوا فـيـهِ تَـصـرِيـفـاً لأنَّهـُمُ — لهُــم مِــنَ اللَّهِ تــوفــيــقٌ وإقــدَارُ
رَأَوهُ كــالنَّجــمِ بُـعـداً ليـسَ يُـدرِكُهُ — بــاعٌ قــصِــيــرٌ وفَهــمٌ فـيـهِ إِقـصَـارُ
فــدوَّنُــوهَــا فُــروعــاً مـنـهُ دانِـيـةً — لِكـــلِّ جـــانٍ تــدَلَّت مِــنــهُ أَثــمَــارُ
يـا صـاحِ فالزَم طريقَ القومِ مُتَّبِعاً — فـريـقَهُـم ليـسَ بـعـدَ اليَـومِ إِنـظَارُ
وواجِــبٌ قــصــرُكَ المـمـدُودَ مِـن أَمَـلٍ — مـسـافَـةُ العُـمـرِ فـي دُنـيَـاكَ أَشبَارُ
ويـــا أهِـــلَّةَ نــجــدٍ غــابَ بَــدرُهُــمُ — فـهـل لكـم بـعـدَهُ فـي الناسِ إِسفَارُ
آلَ المــبــارَكِ حــازَ السَّبـقَ أَوَّلُكُـم — فـهـل لكـم بـعدُ في الغايَاتِ تشمَارُ
بَـنَـوا لكُـم بـيـتَ مَـجـدٍ لا يُـطاوِلُهُ — بَــيــتٌ بَــنــاهُ لِنُــعــمــانٍ سِــنِـمّـارُ
فَـــشَـــيِّدُوا بـــيـــتَــكُــم لِلَّهِ دَرّكــمُ — لا تُهــمِــلُوهُ فــفِــي إِهــمـالِهِ عَـارُ
أقـــولُ هـــذا وَعِــنــدِي أَنَّكــُم خَــلَفٌ — فـيـكُـم عَـلَى السَّلَفِ الماضِينَ إِبرَارُ
وَكـلُّكُـم فِـي طِـلاب المَـجـدِ مُـنـبَـعِـثٌ — وَكـــلُّكُـــم لذُيُـــولِ الفَـــضــلِ جَــرّارُ
والخَـيـرُ مـازالَ خَـيـراً فـي مَعادِنِهِ — تَــوارَثَــتــهُ عــنِ الأَخـيـارِ أَخـيَـارُ
فـأفـرِغُـوا فـي طـلابِ العـلمِ وُسعَكُمُ — فــإِنَّهــُ لِمُــرِيــدِ السَّبــقِ مِــضــمَــارُ
واحــمُــوا حِـمَـاهُ وخـلُّوا وُدَّ تـارِكِهِ — وَبـــعـــدَ هَـــذا عـــبــاداتٌ وَأَذكــارُ
هَـذِي السَّعـادَةُ لا زِلتُـم بِـسَـاحَـتِها — بِهَـديِـكُـم يَهـتَـدي الأَهـلُونَ وَالجَارُ
فـدونَـكُـم مِـن بَـنـاتِ الغـيـبِ سافِرَةً — أَبــدى مَــحـاسِـنَهـا للأعـيُـنِ الثـارُ
ثُـمَّ الصَّلـاةُ عَلَى الشَّمسِ الَّتي ظَهَرَت — فـي الكَـونِ حـتّـى أَضاءَت مِنهُ أَسحارُ
مـحـمـدٍ مَـنـبَـعِ الأَنـوارِ مُـجتَمَعِ ال — أَســرارِ مـا بـشَّرَت بـالصُّبـحِ أَطـيـارُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- حاديهم: الحَادِي [حدو]: فا. -: الذي يسُوقُ الإبل بالحُداء. -: مقلوبٌ عن واحِدٍ في العدد الترتيبي؛ الحادي عَشر / الحادي والعِشرون / حادي النجم، هو الدَّبَرانُ وهو من منازل القمر ج حُدَاةُ.
- حياض: الحِيَاضُ : مفـ الحَوْضُ؛ دافع عن حياضه أي عمّا يملكه.-: دَمُ الحيْض عند المرأة.
- زفير: الزَّفِيرُ : مصــ.-: إخراج النفَس بعد مَدِّهِ، وهو عكس الشهيق فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ.
- سيار: السَّيَّارُ : الكثيرُ السَّيْر؛ زار بلادَنَا سائح سيَّار.-: الواحد من الكواكب السَّيَّارة.
- مشمر: المُشَمِّرُ : فا. ـ: الماضي في الأمور المهيَّأ لها. ـ: المُجِدُّ/ هو مشَمِّرٌ عن ساعد الجدِّ. ـ الثَّوبَ: رافِعُه عن ساعديْه أو ساقيْه.