عـلى صـفـحـاتِ العـمـر خـطـت يـدُ الدهـر
الشاعر: بطرس البستاني · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر بطرس البستاني، من العصر الحديث، وتقع في 74 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عـلى صـفـحـاتِ العـمـر خـطـت يـدُ الدهـر — عِــظــاتٍ لذي الذكــرى تُـسـطـرُ بـالتـبـرِ
عــرفــتُ بــهــا ســرَّ الحـيـاة وكـنـهـهـا — ومـا تـحـتـوي الدُّنيا من الحلوِ والمرِ
فــمــا العــمـرُ إلا مـرحـلاتٌ نـجـوزُهـا — عـلى الشـوكِ أَحياناً وحيناً على الزَّهر
تَــشــيــدُ لنــا الأَحــلامُ بُــرجَ سـعـادةٍ — فــتــنــســفُهُ الأيــامُ بــالنُّوبِ الحُـمـر
ومــهــدٍ بــه نــامَ الصــغــيــرُ مــقـمَّطـاً — كـأنـي بـه العـصـفـورُ يـرقُـدُ فـي الوَكـر
يُـــريـــد حـــراكـــاً والقــمــاطُ يــصــدُّهُ — فــيــلبــثُ مــغـلولَ اليـديـن عـلى قـسـر
تُـــتـــرجـــمُ عـــن لوعـــاتـــهِ عــبَــراتُهُ — فــتــنـثـرهُـا عـيـنـاهُ دراً عـلى النَّحـر
إذا هــزَّ صــوتُ الطــفــل مــهــجــة أمــهِ — فـبـرقُ الهـوى مـا بـيـن قلبيهما يجري
تُــنــاغــيــه نــشـوى مـن مـلامـح وجـهـهِ — فـيُـصـغـي إلى أَنـغـامـهـا بـاسـمَ الثغر
وتــنــشــدُهُ شــعــرَ الهــوى فــيُــعــيــدهُ — بــلهـجـتِه العـجـمـاءِ سـحـراً عـلى سـحـر
بـمـرآهُ يـغـدو السَّهـدُ أَشـهى من الكرى — اليـهـا وجـنـحُ الليـلِ ازهـى من الفجر
تــــراه بــــمــــرآة الغــــرام كـــأنـــه — أَخـو البـدرِ أو ابـهـى ضياءً من البدر
وطــوراً تــخــالُ الدهـرَ يـنـضـو حُـسـامَهُ — عـلى غـصـنـهِ المـيَّاـس فـي زهـرة العمر
فــيــثــقــبُ سُــوسُ الهــمِ جِــذعَ فـؤَادهـا — ويَــقـذف مـن حـوليـهِ مـوجـاً مـن الذُّعـر
أَلا إِنَّ عـــــيـــــشَ الأُمِ مــــرٌّ مــــذاقُهُ — وعـيـشَ ابنها في المهد ضربٌ من الأسر
ويــومٍ بــه طـابـت عـن النـاس مـهـجـتـي — فـلم ارَ للسَّلـوى سـبـيـلاً سـوى القـفـر
خــرجــتُ وفــي صــدري الهــمـومُ كـأنـهـا — رواسٍ ومــن يـقـصـي الرواسـي عـن صـدري
فـمـذ اشـرفـت عـيـنـي عـلى زهرة الرُّبى — وقــد كــللتـهـا بـالجُـمـانِ يـدُ القـطـر
رأيـتُ جـيـوشَ البـشـر شـدَّت عـلى الأسـى — فـلم تُـبـقِ للأتـراح في الصَّدر من إِثر
هــنــالك نــهــرٌ تــعــقــدُ الريـحُ فـوقَهُ — زُرودَ لُجــــيــــنٍ او ســــلاســـلَ مـــن درَ
عـــلى ضَـــفَّتـــيـــهِ الدَّوحُ مـــدَّ ظـــلالهُ — لهُ نــفــحـاتٌ أَيـنَ مـنـهـا شـذا العِـطـر
إِذا بــــفــــراشٍ مــــر يــــعــــدو وراءَه — صـــبـــيٌ ذكـــت فـــي خــدهِ جُــذوةُ الحــر
فــلم يــرَ غــيــرَ الدوحِ مــن مـلجـأ له — فـــلاذَ بـــهِ حـــرَّانَ مـــن شـــدة الفـــر
وقــد وقـعـت عـيـنُ الفـتـى بـعـد سـاعـةٍ — عــلى بــيــت نـمـلٍ حـول كـدسٍ مـن البـرِ
فــــدمَّرهُ ظــــلمــــاً وشــــتــــت شـــمـــلهُ — وأتـلفَ مـا فـيـهـش مـن النـمـل والذخر
فـــقـــلتُ بــنــفــســي هــذهِ صــورةُ الذي — يُــذيــقُ الورى كـأسـاً أمـرَّ مـن الصـبـر
مـتـى ألفَ الأحـداثُ أن يـنزلوا الأذى — بــأَعـجـز خـلقِ الله شـبُّوا عـلى الغـدر
نــظــرتُ إلى أهــل الشَّبــيــبــةِ نــظــرةً — تـجـلَّت بـهـا شـمـسُ الحـقـائق فـي فـكري
لهــم عــزَّةٌ قــعــســاءُ تــأبــى صــغــارةً — وهــمــتــهــم مــن دونـهـا هـمـةُ النـسـر
يـغـوصـون فـي بـحـر المـفـاخـر جـهـدهـم — ليـسـتـخـرجـوا الدر الثـمين من القعر
أَسـودٌ أبـاةُ الضـيـم فـي سـاحـة الوغـى — لهــم عــزمــاتٌ لا تــكــل عــن الصــخــر
وأَوطــانُهــم لا يُــســتــبـاحـث ذمـارُهـا — يـحـامـونـض عـنـهـا بـالمـثـقـفـةِ السمرِ
رعــى الله أشــبــال العــريــن وأســده — وصــانـهـم مـن عـصـبـة الخـتـل والمـكـر
وحـــيـــا مَــغــاويــر الحــروب تــحــيــةً — تُــرددهــا فــي غــابــهــا أُســدُ الخِــدر
هــمُ عــدةُ الأوطــان يــحــمــونَ عــزهــا — بــبــأسٍ عــلى حـدِ الظـبـي ابـداً يـجـري
ولا نــالتِ الجــلى الكــهــولَ فــإِنـهـم — ليـجـنـون زهـر الرشـد مـن فـتـنِ الخبر
لهــم هــمــةُ الفــتــيــان لكـن قـلبـهـم — بــصــيـرٌ بـأَخـلاق الورى سـابـرُ الدهـر
فــلا تــســتــفــزُّ المـطـربـاتُ قـلوبـهـم — وليسوا أَوانَ اللهوِ كالخود في الخدر
فـــهـــم بـــيـــن حـــدي خـــفــةٍ ورزانــةٍ — نــراهــم بــأَطــوادٍ ولا شــاربــي خـمـر
إذا رزقَ الكــهــلُ البــنــيــنَ غــذاهــمُ — بــآدابــه الحــســنــى وأَخــلاقـهِ الغُـر
يُــلقــنــهُــم فــي المــهــد حــبَّ غـذاهـمُ — ويـجـعـلهـم مـن مـعـشـر السـوءِ فـي حجر
ويــحــجــزُ عــن أســمــاعــهـم كـلَّ لفـظـةٍ — تــؤدي بــهــم يــومــاً إلى هــوةِ الوَزر
ويــحــجــبُ عــن ابــصــارهــم كـلَّ مـشـهـدٍ — يُــثــبــتُ فــي الأذهـانِ جـرثـومـةَ الشَّر
إذا اعــوجَّ غــصــنٌ فــيـهـم هـبَّ مُـسـرعـاً — يــثــقــفــهُ غــضـا فـيـنـجـو مـن الكـسـر
وإن بــــدرت مــــنـــهـــم بـــوادرُ حـــدةٍ — يــؤدِبـهـم بـاللحـظ لا الضَّرب والهُـجـر
فــلحــظــتُهُ أَمــضـى مـن السَّيـف عـنـدهـم — وهــيــبـتُهُ تُـغـنـي عـن العُـنـفِ والزَّجـرِ
وإِن صــنــعــوا صُـنـعـاً جـمـيـلاً جـزاهـمُ — جــزاءً يُــحــلي عــنــدهــم عــمــلَ البــرِ
يُــديــرُ عــليــهــم مــن رحــيـقِ حَـنـانـه — كــؤُوســاً تُــنــســيـهـم مُـعـتـقـة الخـمـر
وأشــرفُ مـا يـأتـيـه فـي جـنـبِ خـيـرهـم — إِزاحـةُ سِـتـرِ الجـهـلِ عـن سـاحـةِ الصدر
فــيــنُــفــقُ فــي هــذي السَّبـيـل نُـضـارَهُ — ولا ريــبَ أَنَّ العــلمَ خــيــرٌ مــن الدرِ
وشـــيـــخٍ جـــليـــلٍ كــلَّلَ الشَّيــبُ رأســهُ — كـتـكـليـل غُـصـنِ الروض بالنور والزَّهر
إِذا فــــلتِ الأيــــامُ غــــربَ مـــضـــائهِ — فــآراؤهُ تُــغــنــيــكَ عـن طـلعـةِ الزُّهـر
وإن جـــنَّ ليـــلُ المــشــكــلات تــألقــت — له حــكــمــةٌ أَزهــى مــن الشــهـبِ الغُـر
فــلا تــخــطـئُ المـرمـى سـهـامُ ظُـنـونـه — ويـقـرأُ مـا فـي صـفـحـة الغـيب بالفكر
تـــحـــفُّ بـــه فـــي كــلّ نــادٍ مــهــابــةٌ — كـمـا حُـفَّتـِ الأبـطـال بـالمـجد والنصر
ومـــجـــلســـهُ مـــنــثــورة فــي أديــمــهِ — عُــقــودُ جُــمـانـس او شُـذورٌ مـن للتـبـر
له مـــطـــلعٌ زانـــتـــهُ هــالةُ حــكــمــةٍ — كــأَنــي بــهــا مـن حـولهِ هـالةُ البـدر
ألا إنَّ الشَّيـــــــخِ انـــــــفــــــعُ للورى — مـن العـضبِ في كفِ الفتى الباسلِ الغرِ
فــكــم نـكـبـةٍ جـلَّى الشـيـوخُ غـيـومـهـا — ولولاهــمُ ضــاقــت بــهــا حـيـلُ القُـطـر
وكــم غــمــرةٍ خـاضـوا عـلى إِثـر غـمـرةٍ — ولم يــحــفــلوا يــومـاً بـمـدٍ ولا جـزر
لقــد صــقــلت كــفُّ التــجــاربِ ذهــنـهـم — وبـالصـقلِ يغدو الذهن أجلى من الفجر
فــبــاتـوا عـلى خُـبـرٍ بـأطـوار دهـرهـم — وعــلمٍ بـمـا فـيـهـا مـن النـفـعِ والضُّرِ
إذا كــر جــيــشُ العُــســر جـرد فـكـرهـم — عــليــه مــن الآراء صَــمــصـامـةً تـفـري
عــلى أنَّ عــمــرَ الشَّيــخِ مُــرٌّ ولو غــدا — عـلى عـرشِ عـز فـي سـمـا النهي والأمر
تـــراهُ أَوانَ القـــرَّ يـــهـــتـــزُّ رعـــدةً — وان حــلَّ فــصــلُ القـيـظ ذابَ مـن الحـرِ
يــنــوحُ عــلى عـهـدِ الشـبـيـبـةِ نـادبـاً — قـواهُ وقـد خـانـتـهُ فـي مـغـربِ العـمـر
فـلا غـروَ إِن يـأُسـف عـلى زمـن الصـبـا — فـقـد بـاتَ مـثـل القـوس محدودبِ الظهر
وأَبـــصـــارهُ كـــلَّت واســـنـــانـــهُ هــوَت — وفـــي صـــدره هـــمٌّ احـــرُّ مــن الجــمــر
يـــرى حـــولهُ أنَّ المـــنـــايــا رواصــدٌ — لتُــنــشــبَ فــي احــشـائهِ مـخـلبَ الغـدر
وفــي يــدهــا المـنـحـاتُ تـنـحـتُ قـبـرهُ — وتـــحـــفُــرهُ كــفُّ الردى ايــمــا حــفــر
فــليـسَ يـغـيـبُ المـوت عـن عـيـن فـكـره — ولا تُـصـرفُ الأنـظـارُ عـن لجـةِ القـبـر
فــتــبـاً لدنـيـا يـغـمـرُ النـاسَ هـمـهـا — ولذاتــهــا فــيـهـا عـصـيـرٌ مـن الصـبـر
إذا شــئتَ ان تــحــيــا حــليــفَ سـعـادةٍ — فـأكـثـر مـن الحُـسـنى وأقِبل على البرِ
فــخــيــرُ الورى مــن زانَ ايَّاــم عُـمـرهِ — بـمـا يُـبـهـجُ الأَلبـاب في موقفِ الحشر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الحلو: (حَلَوَ) الْحَاءُ وَاللَّامُ وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَلٌّ، ثَلَاثَةُ أُصُولٍ: فَالْأَوَّلُ طِيبُ الشَّيْءِ فِي مَيْلٍ مِنَ النَّفْسِ إِلَيْهِ، وَالثَّانِي تَحْسِينُ الشَّيْءِ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ مَهْمُوزٌ - تَنْحِيَةُ ال …
- الحمر: حمر: الحُمْرَةُ: مِنَ الأَلوان الْمُتَوَسِّطَةِ مَعْرُوفَةٌ. لونُ الأَحْمَرِ يَكُونُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْبَلُهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ الأَعرابي فِي الْمَاءِ أَيضاً. وَقَدِ احْمَرَّ الشَّيْ …
- العصفور: (الْعُصْفُورُ) : طَائِرٌ ذَكَرٌ، الْعَيْنُ فِيهِ زَائِدَةٌ، وَإِنَّمَا [هُوَ] مِنَ الصَّفِيرِ الَّذِي يَصْفِرُهُ فِي صَوْتِهِ. وَمَا كَانَ بَعْدَ هَذَا فَكُلُّهُ اسْتِعَارَةٌ وَتَشْبِيهٌ. فَالْعُصْفُورُ: الشِّمْرَاخُ الس …
- النحر: نحر: النَّحْرُ: الصَّدْر. والنُّحُورُ: الصدُور. ابْنُ سِيدَهْ: نَحْرُ الصَّدْرِ أَعلاه، وَقِيلَ: هُوَ موضعُ الْقِلَادَةِ مِنْهُ، وَهُوَ المَنْحَر، مُذَكَّرٌ لَا غَيْرُ؛ صَرَّحَ اللِّحْيَانِيُّ بِذَلِكَ، وَجَمْعُهُ نُحور …
- الوكر: وَكَرَ: وَكْرُ الطَّائِرِ: عُشُّه. ابْنُ سِيدَهْ: الوَكْرُ عُشُّ الطَّائِرِ، وإِن لَمْ يَكُنْ فِيهِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: مَوْضِعُ الطَّائِرِ الَّذِي يَبِيضُ فِيهِ ويُفَرِّخُ، وَهُوَ الخُرُوقُ فِي الْحِيطَانِ وَالشَّجَرِ، …
- بالتبر: تبر: التِّبْرُ: الذهبُ كُلُّه، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَجَمِيعِ جَوَاهِرِ الأَرض مِنَ النُّحَاسِ والصُّفْرِ والشَّبَهِ والزُّجاج وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اسْتُخْرِجَ مِنَ الْمَعْدَنِ قَبْلَ أَن يُصَاغَ و …
- بالنوب: نوب: نابَ الأَمْرُ نَوْباً ونَوبةً: نزلَ. ونابَتْهم نَوائبُ الدَّهْر. وَفِي حَدِيثِ خَيْبَر: قسَمها نِصْفَينِ: نِصْفاً لنَوائِبِه وحاجاتِه، ونِصفاً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. النَّوائِبُ: جَمْعُ نائبةٍ، وَهِيَ مَا يَنُوبُ ال …