لا يَرتَقي للعُلا مَن يَتَّقي نصَبا
الشاعر: محمد سعيد آل عمير · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر محمد سعيد آل عمير، من العصر العثماني، وتقع في 52 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لا يَرتَقي للعُلا مَن يَتَّقي نصَبا ... ولا اِبتَنى المجدَ ذو جهل لها وصَبا
هل يُخرِجُ الدُرَّ إِلا مَن يغوصُ له ... ومتَّقي النحل هل يجني له ضَرَبا
ومن له النخل إن يترك تعهُّده ... بالسَقي والأبرِ لا يلقى به رطبا
فللبلا شهواتُ النفس جالبةٌ ... وشهوةُ الملك أقواها له جلبا
فَمن تولّى فقد ولّى لهاويةٍ ... تذيبُ من كان فيها هاوياً هَبَبا
وأيُّ والٍ عــــــلى غــــــشٍّ طَـــــوِيَّتـــــُهُ ... فلَن يفوزَ بخيرٍ أينما ذهَبا
وإن علا الناس يوماً شق شق به ... وزال في القربِ للآفاتِ منتهبا
فمثلُ ذا من إلهِ الخلقِ في سَخَطٍ ... وفي البريَّةـ ممقوتاً بِما اكتَسَبا
فيا له من طريحٍ في تقلّبه ... حتى يطيح بسوء الدارِ مجتذبا
وأفضلُ الناس والٍ في رعيته ... بثَّ النصيحة لم يظلم ولا كذَبا
زَكِيُّ نفسٍ صدوقٌ لم يمل لهوى ... حاطَ العبادَ وفي الإِصلاحِ قد دأَبا
قد اتَّقى اللَه في سِرٍّ وفي علنٍ ... يسعى إلى الخير مملوءاً به رغبا
نامَت عُيون عبادِ اللَهِ عنه ولم ... يزل مفدّى ومرغوباً ومطَّلبا
هذا هو الفائزُ المنصورُ حيث مَضى ... والمستجابُ دُعاً والمستطابُ نَبَا
فللبشارةِ يُؤتى في الحياة وفي ... يوم القيامة لا يلقى به رَهَبا
وكان فيه بظلِّ العرشِ موقفُه ... إذ كان في الأرضِ ظِلاً للذي اكتأَبا
وسِيقَ في زمرةِ الأبرارِ مُنتهياً ... لِجَنَّةٍ لا يرَى بُؤساً ولا وَصَبا
بل في نعيمٍ مقيمٍ والكريمُ لهم ... جارٌ وما اقتَرحُوا ألفوه مُجتلَبا
وزادَهم رؤيةً مقرونةً برضا ... هي النعيمُ وما أبقى لهم أرَبا
فمن يُرد مثل ذا يصبر كما صبروا ... على المكارِه عن نهجِ الهَوى نكبا
ها قَد ظفرتَ ولم يسعفك في أحدٍ ... ولكن اللَه فاحفَظ ما له وجَبَا
واذكره بالصِّدق في كل الأمور وخف ... سوءَ العواقب أن تنساهُ مستلبا
واشكر له نعماً جلَّت ولست لها ... أهلاً ولكن بفضل نلتَ ما وهبا
إن البلادَ كمن ولَّت شبيبتُه ... وقلَّ مالاً ولم يَسطَع له سَبَبَا
ولا تقل ما به خيراً سوى نَجَبٍ ... فالعدلُ يجعلُ تبراً ذلك النَجَبا
وإنَّما مثلُ الدُنيا كمثل كَلا ... لا نيلَ فيهِ لمرتادٍ خلا شذبا
فأصلحِ السُبلَ وانوِ الخيرَ مُدَّرِعاً ... تقوى الإِلهِ ولا تَعبأ بِمن عتبا
فَمن وليت عباد اللَه فارعهمُ ... وراعهم واجتهد حتى تكون أَبا
إذ أنت راعٍ فلا تتركهمُ هَمَلاً ... يعدو على الرأس منهم من يُرى ذنبا
بل رُدَّ من جار وانصر كلَّ مهتضَمٍ ... وحاوِل الأمنَ فيما شطَّ واقتربا
فانظر بِذي نُعُمٍ خان الرعاءَ بها ... هل ترضَيَنهُم لرَعيٍ أو يكون أبا
وانظر بِنَفسك لو بعضُ العبيد عصى ... ألستَ قاتله أو مُقصياً أدبا
فكيف بالملكِ الأعلى العظيمِ إذا ... ما العبدُ جازَ إلى المنهيِّ وارتكبا
فاجعل نصيبَك منه خشيةً ملأت ... أرجاء صدرِك واحذر أخذَهُ غضبا
وجانب الظُلمَ إن الظلمَ ذو وَخَمٍ ... لمــــن أتاهُ وداءٌ قاتلٌ وَوَبا
ولا يُغرَّنكَ إحسانٌ أنَبتَ فقد ... يكونُ يوم حسابٍ بالقصاص هَبَا
فإن ترد طيبَ عيشٍ في نَسا أجلٍ ... وهيبة تشمل الأدنى ومن غربا
فراقِب اللَه واعدِل في بَريَّته ... فالعدلُ أقرب للحسنى إذا وصبا
فإنما فاز من كانت سريرتُه ... مجموعةً بالذي سَنَّى له الطلَبا
هذي مقالةُ حقٍّ طاب مَحتِدُها ... والهزلُ من جِدِّ برهانٍ لها عَزَبا
أنشأتها تقتَفي أمثالها حكماً ... تكونُ في الناس من آياتِها عجَبَا
أبكارُ فكرٍ غَوانٍ بالبَها عُرُبٌ ... من أكرم العرب العرباء منتسبا
كلٌّ تراها يحاكي البدر طلعتها ... والدرُّ مبسمهَا والوردُ منتقَبا
تقوى بها روحُ رائيها وتُسكر مَن ... أولته لثماً وإن لم يطعم الشَنَبا
أسكنتُهنَّ بهذا القصرِ في غُرَفٍ ... تَفوقُ مرأى صَقيل النَضر والغربا
إليك جِئنَ تهادى كل واحدةٍ ... لم تَتخذ غيرَ حسن الدلِّ محتجبا
فإن قبلتَ بإحسانٍ فأنت حَرٍ ... بأكرم النُزلِ في الأخرى مع النُجَبا
وما علَيَّ سوى نَدبِي وقمتُ به ... وما عليَّ إذا خالفتَ مَن ندبا
لكن رجوتُ لما يَمَّمت من حسنٍ ... محض القبول بميلٍ يوجبُ الوهبا
أصبتَ منهنَّ ما يُدعى الكريمُ له ... ونِلنَ منك مقاماً عزّ مقتربا
ولا بَرِحنَ بصَفوِ الودِّ في جَذَلٍ ... به تَقاضَى ابتِساماً يُوضِحُ الحبَبا
وتــــمَّ ذا فــــي ربــــيعٍ أوَّلٍ وبه ... ظهورُ ملك عظيمٍ ملك الأدبا
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- بالسقي: سقي: السَّقْيُ: مَعْرُوفٌ، وَالِاسْمُ السُّقْيا، بِالضَّمِّ، وسَقاهُ اللهُ الغيثَ وأَسْقاهُ؛ وَقَدْ جَمَعَهما لَبيدٌ فِي قَوْلِهِ: سَقَى قَوْمي بَنِي مَجْدٍ، وأَسْقَى ... نُمَيْراً والقبائِلَ مِنْ هِلالِ وَيُقَالُ: سَقَي … (لسان العرب)
- تذيب: ذيب: الأَذْيَبُ: الماءُ الكَثِيرُ. والأَذْيَبُ: الفَزَعُ. والأَذْيَبُ: النَّشاطُ. الأَصمعي: مَرَّ فلانٌ وَلَهُ أَذْيَبُ، قَالَ: وأَحْسِبُه يُقَالُ أَزْيَب، بِالزَّايِّ، وَهُوَ النَّشاطُ. والذِّيبانُ: الشَّعَر الَّذِي يَك … (لسان العرب)
- تعهده: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب … (لسان العرب)
- شهوات: (شَهَوَ) الشِّينُ وَالْهَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الشَّهْوَةُ. يُقَالُ: رَجُلٌ شَهْوَانُ، وَشَيْءٌ شَهِيٌّ. (مقاييس اللغة)
- طويته: طوي: الطَّيُّ: نَقِيضُ النَّشْرِ، طَوَيْته طَيّاً وطِيَّةً وَطِيَةً، بِالتَّخْفِيفِ؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَهِيَ نَادِرَةٌ، وَحَكَى: صَحِيفة جافيَة الطِّيَةِ، بِالتَّخْفِيفِ أَيضاً، أَي الطَّيّ. وَحَكَى أَبو عَل … (لسان العرب)
- نصبا: صبأ: الصابِئون: قَوْمٌ يَزعُمون أَنهم عَلَى دِينِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِكَذِبِهِمْ. وَفِي الصِّحَاحِ: جنسٌ مِنْ أَهل الْكِتَابِ وقِبْلَتُهم مِنْ مَهَبِّ الشَّمال عِنْدَ مُنْتَصَف النَّهَارِ. التَّهْذِيبُ، اللَّيْ … (لسان العرب)