أَســتَــغــفِـر اللَه لا ديـنٌ وَلا حـسـب
الشاعر: ابن حَجَر العسقلاني · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر ابن حَجَر العسقلاني، من العصر المملوكي، وتقع في 62 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَســتَــغــفِـر اللَه لا ديـنٌ وَلا حـسـب — لِخــائِنٍ غـدرَه الإِخـوانُ مـا حَـسِـبـوا
خـانَ الأَمـانَـةَ واِسـتَنَّ الخِيانة واِس — تَـثـنـى الدِيـانـة جـانٍ ثـمـرهُ العطبُ
أصـيـب فـي عَـقـلِهِ بـالعَـيـن إِذ لمعَت — فَــقــال قَـد ذهـب المَـحـصـول وَالذَهـبُ
وَعــاجَ يَــطــلُبُ عَــودَ الودِّ مُــعـتَـذِراً — بِــزَعــمِهِ فــي بُــيــوت ركــنُهــا خــربُ
جـاءَت تَـبـخـتَـرُ فـي ثَـوبـيـن حـشوُهما — مُــنــافِــقٌ بِــخــداع القَــول مُـحـتَـجِـبُ
لا مَــرحَــبــاً بِــكِ يـا غَـرارَةً خَـدعَـت — بِـالنُـسـك قَـلبـاً سَـليـمـاً غَرَّهُ الأَدبِ
وَبـاعَـتِ الدين بِالدُنيا فَما اِكتَسبَت — رِبـحـاً سِوى الخزيِ بئسَ الربحُ يكتسبُ
وَمـا اِكـتـفـت بِـقَـبـيـح الذنب تصنعُهُ — حَــتّــى أَصــرَّت عَــلَيــه حــيـنَ تَـرتَـكِـبُ
وَإِنَّ أَقـــبـــحَ مــن ذنــب ومــن خَــطــأ — إِصــرارُ فــاعــله مـن بـعـد مـا يَـثِـبُ
تَــقــول مـا ذقـت مـن ريـق سـوى ضـرَبٍ — فَــكَــيــفَ أَوجــب ضَــربــي ذَلِكَ الضــربُ
لَو ذُقـتُ خـمـراً لَقُـلتُ السـكـرُ موجبه — حَــدٌّ بِــلا مــســكــر هَـذا هـوَ العـجـبُ
وَصــرتُ فــي دَيـلَمٍ مـلقـىً لأجـل فَـتـى — مـا كـانَ لِلتُـركِ يَـومـاً قَـطُّ يَـنـتَـسِـبُ
مَهـلاً دَع الإِفـكَ فَـضَّ اللَهُ فـاك لَقَد — بـالَغـتَ فـي الفـتك حَتّى فاتَكَ الأَرَبُ
إِنَّ الخِـيـانـةَ فـي الأَمـوال حـرمتُها — أَشَــدُّ مــن شُــربِ مـا لِلعَـقـلِ يـخـتـلبُ
فـهـبـكَ لَم تـشرب الخَمرَ السُلافَ أَما — شَـرِبـتَ إِثـمـاً جَـنـاهُ اللَهـوُ وَالطَـرَبُ
وَإِنَّ مــن يــكــفــر النــعـمـى يـعـزّره — قــاضٍ لنــيــل ثَــواب اللَه يَــحــتَـسِـبُ
فَــإِنَّ حَــبــسَ الَّذي يَــلوي عــقــوبَــتُهُ — لا ســيَّمــا خــادِعٌ مـن شـأنـه الهـربُ
وَإِنَّ مــتــلفَ مــالِ الغَــيــر يــتـلفـه — رَبُّ العِــبــاد الَّذي يُـخـشـى وَيُـرتـهَـبُ
لَقَــد تَــعــدَّيــتَ حــدّ المُـتـلفـيـن لَهُ — فَــــقَــــلبُهُ لِدَوام الصَــــدِّ مُــــطَّلــــِبُ
أَلَيـسَ يَـكـفـيكَ مِنّي التَركُ قل لي هَل — هَــذا صَــنــيـعُ اِمـرئٍ لِلتُّركِ يَـنـتـسـبُ
وَقــلتَ بـانَ لهـم غَـدري وَمـا عـرفـوا — عُـذري وَلَو عـرفـوا عـذري لما عتبوا
يا ليت شعريَ ما عُذرُ اِمرئٍ جحَدَ الن — نُــعـمـى وَقـابـلَهـا مِـن ضـدِّ مـا يَـجـبُ
أَيَــزعــم القــدر المَــكـتـوب أَوقـعـه — فـالضَـرب وَالحـبـس أَيـضـاً فيهِ مُكتَتبُ
وَاللَه لا عُــذرَ إِلّا الغَــدرُ صَــحَّفــَهُ — قَــلبٌ عَــن الحــقّ للأَطــمـاع مُـنـقَـلِبُ
وَقــــلتَ إِنَّ الَّذي أَهــــواهُ لا شــــرسٌ — وَلا حَــــقـــودٌ ولا فَـــظٌّ وَلا صـــخِـــبُ
فَهَـبـهُ كـان كَـمـا بـالغـتَ فـيـهِ أَمـا — تَـرضـى بـعـفـوٍ وَإِن لَم يـسـكُـن الغضبُ
وَهـبـهُ كـان فَـلم حـلَّلتَ مـا اِجـتـرحَت — يَــداك مِــن مــاله تَــسـطـو وَتـنـتـهـبُ
لم حُـلتَ بَـيـنَ الَّذي يَهـواه مُـعـتَدياً — وَبــيــنَ مَــحــبـوبـه هَـذا هـوَ العـجـبُ
زعــمــتَــنــي أَريَـحـيّـاً لَيـسَ فـيَّ مِـرىً — لأَنَّنــي لصــمــيــم العُــرب أَنــتَــســبُ
لَو كُـنـتُ مـن مـازِن لَم تَـسـتبح ذهبي — يـا اِبـنَ اللَقيطة لَكِن قَومُنا ذَهَبوا
لَو أَنَّ مـالي ركـازٌ لَم يـحـلّ لِذي ال — حـاجـات مـنـه سِـوى الخـمسُ الَّذي يَجبُ
جـــعـــلتَهُ مـــالَ حـــربــيٍّ ظــفِــرتَ بِه — قَهــراً فَــصــارَ حَـلالاً عـنـدك السـلَبُ
وَاللَه مـــا هـــوَ إِلّا مــالُ ذي رهَــب — مِــــن رَبِّهــــِ وَلَه فــــي جـــودِهِ رغَـــبُ
عــامـلتَهُ بِـبَـسـيـط الغـدر مـنـسـرِحـاً — فَــحــزنُهُ وافِــر وَالصَــبــرُ مُــقــتـضَـبُ
فَــسَــوفَ تــعــلمُ حَــقّــاً أَيَّ مُــنــقَــلبٍ — يَـومَ القِـيـامـة يا ذا الظلمِ تنقلبُ
وقــلتَ قَـد صـرتُ مَـتـروكـاً بِـلا نَـشَـبٍ — لأَنَّنــــي لَيــــسَ لي إِلّاكُــــمُ نـــشـــبُ
وَصـارَ مِـن بَـعـدِ حُـبّـي في الحَشا لهب — فَــلَيـتَ شِـعـري مَـتـى تَـدنـو وَتَـقـتَـرِبُ
مـن المـسـعِّرُ نـارَ الغـدر غـيـرُك يـا — هَــذا فَــدَع قَــلبــكَ الغـدّار يـلتـهـبُ
وَلَيــسَ يَـنـفَـعُ تَـقـريـبُ الجُـسـوم إِذا — كـانَ الوِدادُ بـسـتـر الغـيـظ يَـنـحَجِبُ
إِذا الأَذى خـالَطَ الودَّ القَـديم فَلا — تَــطــمَــع بِــجـمـعـهـا فَـالوُدُّ يـنـقـلبُ
فَــكَـيـفَ تَـطـلبُ مِـنّـي بَـعـدَهـا نـشـبـاً — هَـيـهـاتَ مـا بَـيـنَـنـا فـي خِـلَّةٍ نـسـبُ
بَــيــنــي وَبَـيـنَ وِدادي فـيـكَ فـاصِـلَةٌ — فَــمــا له وتــدٌ يُــبــنــى وَلا سَــبَــبُ
وقــلتَ قَــد غَــرَّنــي مــن صُــبـحِ غُـرَّتِهِ — وَقَـد عـدمـت الهُـدى مـذ عـاد يـحـتجبُ
أَنـتَ الغـرورُ الَّذي بـالدّيـن غَرَّ فَتىً — لَولاهُ مـا كـنـت فـي دُنـيـاه تَـنـتشِبُ
نَــعَــم وَإِنَّ اِمـرَءاً يَـجـزي عَـلى حـسَـنٍ — سُــوءاً فَــلا عَــجَــبٌ أَن ظَــلَّ يَــكـتَـئِبُ
وَحــيــنَ يُــلدَغُ مِــن جُـحـر فَـتـىً فَـطِـنٌ — يَــومــاً فَــلَيــسَ إِلَيــهِ قَــطُّ يَــقـتَـرِبُ
وَقُــــلتَ جِــــئتُ إِلى أَنــــوار غُــــرَّتِهِ — أَبـغـي الهـدى فـتـبـدّى الغيُّ وَالغلَبُ
كـذبـتَ لا غـيَّ عِـنـدي بَـل حَـوى رشـدا — مُــتــابِــعــي وتــجــلّت دونــه الحـجُـبُ
أَقــول هَــذا اِنـتِـصـاراً لا مـفـاخـرَةً — وَاللَه حــســبــيَ لا مــالٌ وَلا حــســبُ
وَقــلتَ لامــوكَ فـي دَعـوى مـحـبّـة مـن — عــراك مِـن كـلّ مـعـنـىً حـازه النـصـبُ
مَــحَـلَّ لَومِـك لِم لَم تـنـه نـفـسَـك عَـن — خِـــيـــانَــةٍ لِلَّذي تَــرجــو وَتَــرتَــقِــبُ
تَـعـصـي وَتُـظـهِـر حـبّـاً بـالمـحال أَلَم — تَـسـتَحي يا شَيخُ ماذا البَهتُ وَالكذبُ
إِنَّ الوَفــاءَ لِمَـن شـرط المـحـبِّ فـمـن — يَــخُــن يَهُــن وَتَــبِـن فـي حـبّه الرِيَـبُ
وَالحُــبُّ مِـن شَـرطِهِ طـوعُ المُـحـبِّ لمـن — يَهـوى وَلَو لامـه النـصّـاح أَو عتبوا
وقـــــلتَ أَوَّلُهُ مـــــطــــلٌ وَأَوســــطــــه — عَــــدلٌ وَآخــــره وَصــــلٌ وَمــــقـــتـــرَبُ
هَــذا يَــكـون لتَـجـريـبٍ فَـمَـن عَـرَفـوا — منه الصَفا وَالوَفا أَدنَوه واِقتربوا
ومــن بِــغـشٍّ يَـعِـش يَـقـصـوه مُـكـتَـئِبـاً — فَــشــأنُهُ أَنَّهــُ يَــبــكــي وَيــنــتَــحِــبُ
ثُـمَّ اِنـتـهـيتَ إِلى المَدح الَّذي شهِدَت — أَغــــزالُهُ أَنَّهــــُ لِلذَمّ مُــــنــــقِــــلبُ
فَـقُـلتُ مـا فـيـهِ مِـن وَصـلٍ فَـمُـنـقَـطِـعٌ — وكــلّ مــا فــيــهِ مِــن وُدٍّ فَــمُــضـطَـرِبُ
فَــلا أَعُــوجُ عَـلى مـا فـيـهِ مِـن عِـوَجٍ — بِــالرَدِّ فــالدُرُّ حَــقّـاً فـيـهِ مـخـشَـلبُ
لَكِـن تـأمّـلتُ مـا يَـحـوي اِقتباسُك مِن — عِـلمِ الحَـديـثِ الَّذي تَـبدو بِهِ النُخَبُ
فَــلَم أَجِــد لك فــيــهِ مِــن مــوافَـقَـةٍ — فَــقُـلتُ وافـقَ رأيـي واِنـتَهـى الطَـلَبُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الخزي: الخِزْيُ : الهوانُ والذُلُّ والفضيحةُ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌّ في الدنْيَا. -: العقاب والهلاكُ فَأنَّ لَهُ نَارَ جَهَنمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الخِزْيُ العَظيمُ. -: البُعد.
- العطب: عطب: العَطَبُ: الْهَلَاكُ، يَكُونُ فِي النَّاسِ وَغَيْرِهِمْ. عَطِبَ، بِالْكَسْرِ، عَطَباً، وأَعْطَبه: أَهْلَكه. والمَعاطِبُ: المَهالِكُ، واحدُها مَعْطَبٌ. وعَطِبَ الفَرَسُ والبعيرُ: انْكَسَرَ، أَو قامَ عَلَى صاحِبه. وأَ …
- المحصول: المَحصُولُ : مفعـ.-: الحاصل؛ المحصُولُ الزِّراعي. -: الباقي من الشيء. -: الخلاصة؛ هذا محصول كلامه أي خلاصتُه/ ما لفلانٍ محصولٌ ولا معقول، أي ماله رَأي ولا تمْييز ج مَحَاصِيلُ.
- بالدنيا: الدُّنْيا : مذ الأَدْنَى.-: القريبة إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ.-: الأكثر دناءَةً.-: الحياة الحاضرةَيَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ.-: الكرةُ الأرضيّة،-: كل فترةٍ …
- بالعين: (عَيَنَ) الْعَيْنُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى عُضْوٍ بِهِ يُبْصَرُ وَيُنْظَرُ، ثُمَّ يُشْتَقُّ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِهِ مَا ذَكَرْنَا. قَالَ الْخَلِيلُ: الْعَيْنُ النَّاظِرَةُ لِك …
- بالنسك: نسك: النُّسْكُ والنُّسُك: الْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ وَكُلُّ مَا تُقُرب بِهِ إِلى اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ لِثَعْلَبٍ: هَلْ يُسَمَّى الصَّوْمُ نُسُكاً؟ فَقَالَ: كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ عزَّ وَجَلَّ يسمى نُسُكاً. نَسَك لله تَ …
- بخداع: الخِدَاعُ : مصـ. -: إظهارُ غير ما في النفس؛ الخِداعُ حَبْلُه قصيرٌ. -: المكر والحيلة؛ اشتهر الثعلبُ بالخداع.