مُـــحِـــبٌّ لَكُــم مــن هــجــركُــم يَــتَــوجَّعُ
الشاعر: ابن حَجَر العسقلاني · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر ابن حَجَر العسقلاني، من العصر المملوكي، وتقع في 56 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مُـــحِـــبٌّ لَكُــم مــن هــجــركُــم يَــتَــوجَّعُ — نــديــمــاهُ مُــذ غِــبــتُـم أَسـىً وَتـفـجُّعُ
سَــرى نــفـسـاً عَـنـكـم فَـأَضـحـى وَنـفـسُهُ — تَـــذوبُ جَـــوىً مِــن طَــرفِهِ فَهــيَ أَدمُــعُ
أَأَحــبــابَـنـا حَـتّـى الخَـيـالَ قَـطَـعـتُـمُ — عــذرتُــكُــمُ بَــل مُــقــلَتـي لَيـسَ تَهـجَـعُ
فَــلا وَحـيـاةِ القُـربِ لَم أَنـسَ عَهـدَكُـم — وَلَو أَنّـنـي فـي البُـعـدِ بِـالروحِ أَفجَعُ
سَـلوا النـجـمَ يَـشـهَـد أَنَّني بِتُّ ساهِداً — وَإِلّا الدُجـى هَـل طـابَ لي فـيـهِ مـضجعُ
أُطــالِعُ أَســفــارَ الحَــديــثِ تَــشـاغُـلاً — لأَقـــطَـــعَ أَســفــاري بــخُــبــرٍ يــجــمَّعُ
أُقــضّــي نَهــاري بِـالحَـديـثِ وَبِـالمُـنـى — وَفــي اللَيــلِ مــا لي مــؤنِــسٌ يَـتَـوَجَّعُ
سِــوى أَنَّنــي أَبـكـي عَـلَيـكُـم وَأَشـتَـكـي — إِلى مَـن يَـرى مـا فـي الضَـمـيرِ وَيَسمَعُ
يُـــذكّـــرنـــي سَـــلعٌ وَرامَــةُ عــهــدكــم — وَلَكِـــن بِـــأَشـــجـــانـــي أُغَـــصُّ وَأَجــرَعُ
وَقَـد أَشـبـهَ الدَمـعُ العَـقـيـقَ بِـسَـفـحِهِ — فَهــا هــوَ أَضــحـى مِـن عُـيـونـيَ يَـنـبـعُ
عَـسـى أَن يَـعـودَ الوَصـلُ قـالَت عَواذلي — وَكَـم ذا أُمـاريـهـم وَهَـيـهاتَ أَن يعوا
نَــعَــم إِن أَعِــش عــادَ الوِصـالُ مـهـنّـأً — وَمَن ذا الَّذي في البينِ بِالعيش يَطمعُ
تُـرى هَـل أُلاقـي زيـنَ خـاتـون بَـعـدَما — تَـنـاءَت بِـنـا السُـكـنـى وَعـادَ المودِّعُ
وَهَــل أَلتَــقــي تِـلكَ الطُـفـيـلَة فَـرحَـةً — قَــريـبـاً كَـمـا فـارَقـتُهـا وَهـيَ تَـرضَـعُ
صَــغــيــرَةُ سِــنٍّ نــابَهــا أَمـرُ فُـرقَـتـي — فَــمِــن أَجــلِهــا سِــنُّ النَـدامَـةِ يُـقـرَعُ
فَــواللَه مــا فــارَقــتُهُــم عَـن مَـلالَةٍ — وَهَــل مَــلَّ ظــامٍ مَــورِداً فــيــهِ يَـشـرَعُ
وَلَكِــنَّ ضــيــقَ العَــيــشِ أَوجَـبَ غُـربَـتـي — وَسَـعـيـي لَهُـم فـي الأَرضِ كـي يَتَوسَّعوا
فَـــإِن يَـــسَّرَ اللَهُ الكَــريــمُ بِــلُطــفِهِ — رَجــعــتُ وَمِــثــلي بِــالمــســرّةِ يَــرجِــعُ
فَــيــا عــاذِلي رِفــقــاً بِـقَـلبـي فَـإِنَّهُ — عَــلى دونِ مَـن فـارَقـتُ يُـبـكـى وَيُـجـزَعُ
مـــشـــيــبٌ وَهَــمٌّ وَاِنــكــســارٌ وَغــربــةٌ — وَمِــن دونِ ذا صُــمُّ الصَــفــا يَــتَــصَــدَّعُ
صَــبــرتُ عَــلى تَــجـريـعـي الصَـبـرَ عـلَّهُ — شِــفــائي فَــكــانَ الصَــبـرُ مـا أَتـجـرَّعُ
بُــليــتُ بِــخَــصــمٍ ظَـلَّ للحـيـنِ حـاكِـمـي — أَذلُّ لَهُ مِـــن بَـــعـــدِ عـــزّي وَأَخـــضَـــعُ
وَأَجــمَــلُ مــا عِــنـدي السُـكـوتُ لأَنَّنـي — لِمَـــن أَتَـــشَـــكّـــى أَو لِمَـــن أَتَـــضَــرَّعُ
أغِــبُّ مَــزاري أَحــمِــلُ الثِــقـلَ عَـنـهُـمُ — وَأَخــضَــعُ وَالأَيّــامُ لي لَيــسَ تَــخــضَــعُ
وَفَـــضـــلُ فـــلانِ الديـــنِ عَــمَّ وَوَجــهُهُ — لِغَــيــري يُــبــدي الإبـتـسـامَ وَيـسـطَـعُ
أحـاشـيـهِ أَن يَـرضـى بِـشَـكـوايَ عـامِـداً — وَإِنّــي بِــمــا قَــد دَلَّ أَو قَــلَّ أَقــنَــعُ
إِلى ابــنِ عَــليٍّ قَــد رفــعــتُ قَــضـيَّتـي — وَأَرجــــو بِهَــــذا أَنَّ قَــــدري يُـــرفَـــعُ
إِلى الأَوحَـدِ القـاضـي الأجـلِّ وَمَن لَهُ — ثَــنــاءٌ تَــفــوقُ المِــســكَ إِذ يَــتَـضَـوَّعُ
رَئيـسٌ إِذا مـا اِستبطأَ الوَفدُ جودَ مَن — أَتَــــوهُ أَتـــاهُـــم جـــودُهُ يَـــتَـــسَـــرَّعُ
وَفــيــهِ مَــع القَــدرِ العَــليِّ تــواضُــعٌ — وَفـــيـــهِ عَــنِ الفِــعــلِ الدَنــيِّ تَــرفُّعُ
وَذو هِــمَّةــٍ تَــفــري السُــيــوفَ وَإِنَّهــا — لأَمـضـى مِـن السَـيـفِ اليَـمـانـي وَأَقطَعُ
وَحــلمٍ حَــكــاهُ الطَـودُ وَالطَـودُ شـامِـخٌ — يَــعِــزُّ لَديــهِ المُــســتَــجــيـرُ وَيُـمـنَـعُ
وَجــودٍ حَـكـاهُ الغـيـثُ وَالغـيـث هـامِـرٌ — وَلَكِــن عَــلى طـولِ المَـدى لَيـسَ يُـمـنَـعُ
رَئيــسٌ إِذا أَنــشــدتَهُ مَــدحَـكَ اِنـثَـنـى — وَفــي وَجــهِهِ نــورٌ مِــن البِـشـرِ يَـلمَـعُ
تَـواضَـعَ لَمّـا لاحَ يَـمـشـي عَـلى الثَـرى — وَفَــوقَ الثُــرَيّــا كَــم لَهُ ثَــمَّ مــطــلعُ
لَهُ قَــــلَمٌ فــــي مَــــدَّةٍ مــــن مِــــدادِهِ — يـــعـــظِّمــ أَحــبــابــاً وَللضِّدِّ يَــقــمَــعُ
يَـفـوحُ وَيُـجـنـى يُـطرِبُ الصحبَ يَطعَنُ ال — عِـــدى فَهـــوَ عـــودٌ فَـــضــلُهُ مُــتــنــوّعُ
فَــلا قــاطِــعٌ حَــبــلاً لِمَــن هـوَ واصِـلٌ — وَلا واصِــلٌ حَــبــلاً لِمَــن هُــوَ يَــقـطَـعُ
أَيـا اِبـنَ الكِـرامِ اِسـمَع شكايةَ مفردٍ — غَــريــبٍ لَهُ فــي بَــحــرِ جــودِكَ مَــشــرَعُ
لَقَــد ضــاقَـتِ الدنـيـا عَـليّ بـرحـبـهـا — وَإِن ضــاقَــتِ الدُنــيــا فَـعَـفـوكَ أَوسَـعُ
وَلي فــيــكَ وُدٌّ مــا يُــزَعــزِعُهُ الجَـفـا — وَهَـــل زَعـــزعَــت صُــمَّ الرَواســي زَعــزَعُ
فَـإِن لَم تُـعـامـل مِـثـلَ عَـبـدِكَ بالرضى — فَــمَــن فـيـهِ بَـعـدي لِلصَـنـيـعَـةِ مَـوضِـعُ
لَئِن كُــنــتَ قَــد بُــلِّغــتَ عَـنّـي مَـقـالَةً — لَمُـــبـــلِغُـــكَ الواشـــي أَغَـــشُّ وَأَخـــدَعُ
رأوك إِلى مــا ســاءَ عــبــدك مُــسـرِعـاً — فَـقـالوا وَزادوا ما أَرادوا وَأَسرَعوا
وَلَو كُـنـتَ تَـرعـى الوُدَّ ما مِلتَ نَحوهُم — بِــسَــمـعٍ رَعـاكَ اللَهُ دَهـراً وَلا رُعـوا
وَكَــيــفَ يُــعــادي آلَ بَــيــتِــكَ عــاقِــلٌ — وَآلُ عَــــــليٍّ لِلمُــــــوالاةِ مَـــــوضِـــــعُ
لَظَهـــرُكَ أَحـــمــى مــن مُــحــيّــا عــدوّهِ — وَيُــســراكَ مِــن يُـمـنـاهُ أَنـدى وَأَنـفَـعُ
سـأُثـنـي عَـلَيـكَ الدَهـرَ مـا أَنـتَ أَهلُهُ — وَبَــحــرُ اِمـتِـداحـي زاخِـرٌ فـيـكَ مُـتـرَعُ
وَقُــل لي إِذا لَم تَــنــخَـدِع بِـمَـدائحـي — أَلَم تَــتَــيَــقَّنــ أَنَّ مَــن جــادَ يُــخــدَعُ
وَمَــن يَــزرَع النُــعـمـى بِـأَرضٍ كَـريـمَـةٍ — سَــيَــحــصُــد أَضــعــافَ الَّذي ظَــلَّ يَــزرَعُ
وَمــا الشِــعــرُ إِلّا دونَ قَــدرِكَ قَــدرُهُ — وَمـا يَـسـتَـوي فـي القـدرِ بـاعٌ وَإِصـبَعُ
وَلَكِـــنَّمـــا سَــنَّ الكِــرامُ اِســتــمــاعَهُ — وَتَــعــظــيــمَ مُــنــشــيـهِ الَّذي يَـتَـصـنَّعُ
وَمـا كُـلُّ مَن قالَ القَريضَ أَجادَ في ال — مــقــالِ وَلا كُــلُّ المــجــيـديـنَ مُـبـدِعُ
فَهــاكَ قَــصــيــداً شَـجَّعـَتـنـي صِـفـاتُـكُـم — عَــلَيـهـا فَـفـاقَـت كُـلَّ مـا قـالَ أَشـجَـعُ
وَدُم فـــي سَـــعـــاداتٍ وَعِـــزٍّ وَنِــعــمَــةٍ — تُــقــارِعُ أَبــكــارَ المَــعــالي وَتـفـرَعُ
وَلا رافِـــعٌ قَـــدراً لِمَــن أَنــتَ واضِــعٌ — وَلا واضِــعٌ قَــدراً لِمَــن أَنــتَ تَــرفَــعُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالحديث: الحَدِيثُ : كل ما اتجه به المرءُ الى غيره في مناقشة أو حوار أو استجواب أو نحوه؛إنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث /أحَبُّ الحديث إلى الله أصدقُهُ . -: الخبر هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى/ هذا حديث تافهٌ/ الحديث ذو شجون، أي ذو استطرا …
- بخبر: خبر: الخَبِيرُ: مِنْ أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ. وخَبُرْتُ بالأَمر[[. قوله: [وخبرت بالأَمر] ككرم. وقوله: وخبرت الأَمر من باب قتل كما في القاموس والمصباح]]. أَي عَلِمْتُهُ. وخَبَرْتُ …
- عهدكم: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب …