لَو أَنَّ عُــــذّالي لِوَجـــهِـــكَ أَســـلَمـــوا
الشاعر: ابن حَجَر العسقلاني · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر ابن حَجَر العسقلاني، من العصر المملوكي، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لَو أَنَّ عُــــذّالي لِوَجـــهِـــكَ أَســـلَمـــوا — لَرَجَـــوتُ أَنّـــي فــي المَــحَــبَّةــِ أَســلَمُ
كَــيـفَ السَـبـيـلُ لِكَـتـمِ أَسـرارِ الهَـوى — وَلِســانُ دَمــعــي بِــالغَــرامِ يُــتَــرجــمُ
لامَ العَـــــواذِلُ كُـــــلَّ صــــادٍ لِلّقــــا — وَمَــلامُهُـم عَـيـنُ الخَـطـا إِن يَـعـلَمـوا
لَم يَــعــلَمــوا بِــمَــن الهَــوى لَكِـنَّهـُم — لامـــوا لعـــلمـــهـــمُ بِــأَنّــي مُــغــرَمُ
لامــوا وَلَمّــا يــأتِهِــم تــأويــلُ مــا — لامــوا عَــلَيــهِ لأَنّهــم لَم يَـفـهَـمـوا
إِن أَبـــرَمـــونــي بِــالمَــلامِ فَــإِنَّ لي — صَــبـراً سَـيَـنـقُـضُ كُـلَّ مـا قَـد أَبـرَمـوا
مــا شـاهَـدوا ذاكَ الجَـمـالَ وَقَـد بَـدا — فَـأنـا الأَصَـمُّ عَـن المَـلامِ وَهُـم عَموا
وَلَئِن دَروا أَنّــــي عَــــشِــــقـــتُ فَـــإِنَّهُ — لهَـــوى القُـــلوبِ سَــريــرَةٌ لا تُــعــلَمُ
وَالصَـمـتُ أَسـلَمُ إِن لَحَـونـي فـي الهَوى — لَكِـــنَّ قَـــلبـــي بِـــالجَـــوى يَـــتَــكَــلَّمُ
وَلَقَــد كَــتَــمــتُ هَــواكَ لَكِــن مُــقـلَتـي — شَــوقــاً إِلى مَــغــنــاكَ لَيــسَـت تـكـتـمُ
أَبــكـي عَـقـيـقـاً وَهـوَ دَمـعـي وَالغَـضـا — وَهــوَ الَّذي بَــيــنَ الجَــوانِــحِ يُــضــرَمُ
وَالدَمـــعُ فـــي ربــعِ الأَحِــبَّةــِ ســائِلٌ — يـــا وَيـــحَهُ مِـــن ســـائِلٍ لا يـــرحَـــمُ
وَحَــديــثُ وَجــديَ فــي هَــواكَ مُــسَــلسَــلٌ — بِــــالأَوّليَّةـــِ مِـــن دُمـــوعٍ تـــســـجـــمُ
يــا عــاذِلي إِنّــي جُــنــنــتُ بــحــبّهــم — وَإِلى ســــوى أَوطــــانِهِــــم لا أَعــــزِمُ
وَلَئن عَــزَمــتُ عَــلى السُــلوّ فَـلَيـسَ لي — يَـــومـــاً عَــلى ذاكَ الجُــنــونِ مــعــزمُ
وَهُــمُ الأَحِــبَّةـُ إِن جَـفـوا أَو واصـلوا — وَالقَـصـدُ إِن أَشـقَـوا وَإِن هُـم أَنـعَموا
إِن واصــلوا فــاللَيــلُ أَبــيَــضُ مُـشـرِقٌ — أَو قــاطَــعــوا فـالصُـبـحُ أَسـوَدُ مُـظـلِمُ
فــاللَيــلُ يَـظـلمـنـي فـيُـظـلِمُ بَـعـدَهُـم — لَكِـــن عَـــذولي فـــي هَـــواهُـــم أَظـــلَمُ
وَالصُــبــحُ يُــشــرِقــنــي بِـغـربِ مَـدامِـعٍ — لَم تَـحـك نـوءَ الفَـيـضِ مِـنـهـا الأَنجُمُ
أَحــبــابَــنــا كَــم لي عَــلَيـكُـم وَقـفَـةً — وَعَــــليَّ وَصــــلُكُـــم الحَـــلالُ مُـــحَـــرَّمُ
يــا هــاجِــري وَحَــيــاةِ حــبّــك مُـتُّ مِـن — شَــوقــي إِلَيــك تَــعــيــشُ أَنــتَ وَتَـسـلَمُ
جِــســمــي أَخَــفُّ مِــن النَـسـيـم نَـحـافَـةً — وَثَــقُــلتُ بِــالسُــقــمِ المُــبَـرِّحِ مِـنـكُـمُ
إِن كــانَ ذَنــبــي الإِنـقـطـاع فَـحُـبَّكـُم — بــاقٍ وَأَنــتُــم فــي الحَـقـيـقَـةِ أَنـتُـمُ
لَم يُــنــسِ أَفــكــاري قَــديــمَ عُهـودِكُـم — إِلّا حَــديــثُ المُــصـطَـفـى المـسـتَـغـنـمُ
آثــارُ خَــيــرِ المُــرسَــليـنَ بِهـا شِـفـا — داء الذُنـــــوبِ لِخـــــائِفٍ يَـــــتَـــــوَهَّمُ
هـــوَ رَحـــمَـــةٌ لِلنـــاسِ مُهــداةٌ فَــيــا — وَيـــحَ المـــعـــانِـــدِ إِنَّهــُ لا يــرحَــمُ
نـــالَ الأَمـــانَ المــؤمِــنــونَ بِهِ إِذا — شُـــبَّتـــ وُقـــوداً بِـــالطُــغــاةِ جــهَــنَّمُ
اللَهُ أَيَّدَهُ فَـــــلَيـــــسَ عَــــن الهَــــوى — فــــي أَمـــرِهِ أَو نَهـــيـــهِ يَـــتَـــكَـــلَّمُ
فَــليَــحــذَرِ المَــرءُ المُــخــالِفُ أَمــرَهُ — مِـــن فِـــتـــنَـــةٍ أَو مِــن عَــذابٍ يــؤلِمُ
ذو المـعـجِـزاتِ البـاهِـراتِ فَـسَـل بِهـا — نُــطــقَ الحَـصـى وَبـهـائِمـاً قَـد كـلّمـوا
حُــفِــظَــت لِمَــولِدِهِ السَــمــاءُ وَحُــصِّنــَت — فــالمــارِدونَ بِــشُهــبِهــا قَــد رُجّـمـوا
وَبِهِ الشَـيـاطـيـنُ اِرتَـمَـت واِسـتـأيـسَـت — كُهّـــانُهـــا مِـــن عِـــلمِ غَــيــبٍ يَــقــدُمُ
إِيــوانُ كــســرى اِنــشـقّ ثُـمَّ تَـسـاقَـطَـت — شُـــرُفـــاتُهُ بَـــل قـــادَ رُعــبــاً يُهــدَمُ
وَالمــاءُ غــاضَ وَنــارُ فــارِسَ أُخــمِــدَت — مِــن بَــعــدِ مــا كــانَــت تُـشَـبُّ وَتُـضـرَمُ
هَــــذا وآمــــنــــةٌ رأت نــــاراً لَهــــا — بُـــصـــرى أَضــاءَت وَالديــاجــي تُــظــلَمُ
وَبـــليـــلَةِ الإِســراءِ ســارَ بِــجِــســمِهِ — وَالروحُ جِـــبـــريــلُ المــطــهَّرُ يَــخــدِمُ
صَــلّى بِــأَمــلاكِ السَــمــا وَالأَنــبِـيـا — وَلَهُ عَــــليــــهــــم رِفـــعَـــةٌ وَتـــقـــدُّمُ
وَعَـــلا إِلى أَن جـــازَ أَقــصــى غــايَــةٍ — لِلغَـــيـــرِ لا تُـــرجـــى وَلا تـــتـــوهَّمُ
وَلقــابِ قَــوسَــيــنِ اِعــتَــلى لَمّـا دَنـا — أَو كــانَ أَدنــى وَالمــهَــيــمــنُ أَعــلَمُ
يــــا سَــــيّــــدَ الرُســـلِ الَّذي آيـــاتُهُ — لا تَـــنـــقَــضــي أَبَــداً وَلا تَــتَــصَــرَّمُ
مــاذا يَــقــولُ المــادِحــونَ وَمَــدحُـكُـم — فَــضــلاً بِهِ نــطــقَ الكِــتـابُ المُـحـكَـمُ
المُــعــجِــزُ البـاقـي وَإِن طـالَ المَـدى — وَلأبــلغِ البــلغــاءِ فَهــوَ المُــفــحِــمُ
الأَمـــرُ أَعـــظَــمُ مِــن مَــقــالَةِ قــائِلٍ — إِن رَقَّقــَ الفُــصَــحــاءُ أَو إِن فَــخَّمــوا
مِــن بَــعــضِ مــا أُوتـيـتَ خَـمـسُ خَـصـائِصٍ — لَم يُــعــطَهـا الرُسُـلُ الَّذيـنَ تَـقَـدَّمـوا
جُــعِـلَت لَكَ الأَرضُ البَـسـيـطَـةُ مَـسـجِـداً — طُهــراً فَــصَــلّى النــاسُ أَو فَـتَـيَـمَّمـوا
وَنُــصِــرتَ بِــالرُعــبِ المــروعِ قَـلبَ مَـن — عـــاداكَ مِـــن شَهـــرٍ فَـــأَصــبَــحَ يُهــزَمُ
وَأُعــيــدَتِ الأَنــفــالُ حــلّاً بَــعــدَ أَن — كــانَــت مُــحَــرَّمَــةً فَــطــابَ المَــغــنَــمُ
وَبُـعِـثـتَ للثـقـليـنِ تُـرشِـدُهُم إِلى الد — ديــنِ القَــويــمِ وَسَــيــفُ ديــنِــكَ قَــيِّمُ
وَخــصــصــتَ فَـضـلاً بِـالشَـفـاعَـةِ فـي غَـدٍ — فَــالمُــسـلِمـونَ بِـفَـضـلِهـا قَـد عـمّـمـوا
وَمَـقـامـك المَـحـمـودُ فـي يَـومِ القـضـا — حَــيــثُ السَــعــيــدُ رَجــاهُ نَـفـسٌ تـسـلمُ
يَــحــبــوكَ رَبُّكــَ مِــن مَــحــامِـدِهِ الَّتـي — تُــعــطــى بِهــا مـا تَـرتَـجـيـهِ وَتـغـنـمُ
وَيَـقـول قُـل تُـسـمَـع وَسَـل تـعـطَ المُـنى — وَاِشـفـع تُـشَـفَّعـ فـي العـصـاة ليَرحَموا
فَهُــنــاكَ يــغـبـطـك الوَرى وَيُـسـاءُ مَـن — جَــحَــدَ النُــبــوّة إِذ يُــسَــرُّ المُــســلِمُ
يــــــا مَـــــن سُـــــنَـــــنٌ وَآثـــــارٌ إِذا — تُـلِيَـت يَـرى الأَعـمـى وَيَـغـنـى المعدِمُ
صَـــــلّى عَـــــلَيــــكَ وَسَــــلَّمَ اللَهُ الَّذي — أَعــلاكَ مــا لَبّـى الحَـجـيـجُ وَأَحـرَمـوا
وَعَــلى قَــرابــتِــكَ المــقــرّرِ فَــضـلُهُـم — وَعـــلى صَـــحــابَــتــكَ الَّذيــنَ هــمُ هــمُ
جادوا علَوا ضاؤُوا حَموا زانوا هَدَوا — فَهُــمُ عَــلى الســتّ الجِهــاتِ الأَنــجُــمُ
نَـصَـروا الرَسـولَ وَجـاهَـدوا مَـعـهُ وَفـي — سُـبُـلِ الهُـدى بَـذَلوا النفوسَ وأسلَموا
وَالتــابِــعــيــنَ لَهــمُ بِــإحــسـانٍ فَهُـم — نَــقَــلوا لمـا حَـفـظـوه مِـنـهُـم عـنـهـمُ
وَأَتـــى عَـــلى آثــارِهِــم أَتــبــاعــهُــم — فَــتَــفَــقَّهــوا فـيـمـا رَووا وَتَـعَـلَّمـوا
هُـم دَوَّنـوا السُـنَـنَ الكِـرامَ فَـنَـوَّعـوا — أَبــوابــهــا لِلطــالِبــيــنَ وَقَــسَــمّــوا
وَأَصَــحُّ كُــتــبــهـم عَـلى المَـشـهـورِ مـا — جَــمَــعَ البُــخــاري قـالَ ذاكَ المُـعـظَـمُ
وَتَـــلاهُ مُـــســـلِمٌ الَّذي خَـــضَـــعَـــت لَهُ — فـي الحِـفـظِ أَعـنـاقُ الرِجـالِ وَسَـلَّمـوا
فــهــمـا أَصَـحُّ الكُـتـبِ فـيـمـا يُـجـتَـلى — إِلّا كِــــتــــابَ اللَهِ فَهــــوَ مُــــقَــــدَّمُ
قُـــل لِلمُـــخـــالِف لا تُـــعـــانِـــد إِنَّهُ — مــا شَــكَّ فــي فَــضــلِ البُـخـاري مُـسـلِمُ
رســم المــصــنــفَ بِـالصَـحـيـحِ فَـكُـلُّ ذي — عَــقــلٍ غَــدا طــوعــاً لمــا هــوَ يَـرسُـمُ
هَـــذا يَـــفـــوق بِـــنَــقــدِهِ وَبــفــقــهِهِ — لا ســيّــمــا التَـبـويـبُ حـيـنَ يُـتَـرجِـمُ
وَأَبــو الحــســيــن بِــجَــمــعِهِ وبـسَـردِهِ — فـالجـمـع بَـيـنَهُـمـا الطَـريـق الأَقـوَمُ
فَــجَــزاهُــمــا اللَهُ الكَــريـمُ بِـفَـضـلِهِ — أَجـــراً بـــنـــاءُ عَـــلاهُ لا يَـــتَهَـــدَّمُ
ثُـــمَّ الصَـــلاةُ عَـــلى النَـــبــيِّ فَــإِنَّهُ — يُــبــدا بِهِ الذِكــرُ الجَـمـيـلُ وَيـخـتَـمُ
يــا أَيُهــا الراجــونَ خَــيــرَ شَــفـاعَـةٍ — مِــن أَحــمَــدٍ صَــلّوا عَــلَيــهِ وَسَــلِّمــوا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالغرام: الغَرَامُ : الوُلوعُ والتعلُّق بالشيءِ أو الشخصِ تعلقاً شديداً يصعب التخلص منه.-: الحبُّ المعذِّب للقلب؛ يشدُّه إليها غَرامٌ صادق. -: العذابُ الدائمُ الملازمإنَّ عَذَابَهَا كانَ غَرَامًا. -: الهلاك.
- بالملام: [ل و م]. (مصدر لاَمَ). "كَانَ مَلاَمُهُ شَدِيداً" : لَوْمُهُ. أُلاَمُ عَلَى التَّعَرُّضِ لِلْمَنَايَا ... ... ولِي سَمْعٌ أَصَمُّ عَنِ الْمَلاَمِ (أبو فراس الحمداني).
- عذالي: العَذَّالُ والعَذَّالَةُ : الكثير العَذْلِ، أي اللوم؛ قد لا ينصت الناس إلى العَذّال إذ يُكثر من العذل.