تَذَكَّرَ أَيّامَ اللّوى فَبَكى وَجداً
الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 62 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تَذَكَّرَ أَيّامَ اللّوى فَبَكى وَجداً ... وَفَرَّقَتِ الأَشواق مِن جَوفِه الكبدا
وَأَفرَطَ فيهِ الشّوق وَجداً وَلَوعةً ... وَمِنهُ بِناءُ العمرِ وَالحيل قَد هُدّا
وَقَد شابَ هدبُ العَينِ وَاِسوَدَّ دَمعُها ... وَقَد كانَ مُبيَضّاً فَقَد صارَ مُسودّا
وَمِــــنــــهُ لَقَد وَلّى وَماتَ شَبابُهُ ... فَكَفَّنه مِن شيبِ لمّتِهِ بردا
وَقَد مَرَّ فيهِ ذِكرُ طيبةَ فَاِغتَدى ... خَدين هِيام لا يَقِرُّ وَلا يَهدا
يُكَتِّمُ مِن خَوفِ الشّماتَةِ وَجدَهُ ... وَجالدَ حتّى صَيَّر الجلد الجِلدا
وَمِن بَينِ أَحشاه حَريق صَبابَةٍ ... يُهَيِّجهُ تِذكارهُ البان أَو نَجدا
إِذا نامَتِ السّمّارُ هوّم جالِساً ... وَجافى لِفَرطِ الوَجدِ تَوسيدهُ الخدّا
وَكَيفَ يَنامُ اللّيلَ مَن كانَ هائِماً ... وَقَد مَلأ التذكارُ أَعيُنَهُ سُهدا
بِحَيثُ مُقاساةُ التّولُّهِ وَالهَوى ... أَضَرَّت بِهِ حَتّى تَجاوَزَتِ الحدّا
فَأَصبَحَ مُلتَفَّ الضّلوعِ عَلى جَوى ... يُذيبُ بَقايا الرّوحِ وَالنّفسَ الكدّا
حَبيس هَوىً صَالَت عَلَيهِ يَدُ النّوى ... وَقَد قنطتهُ أَن يُفكَّ وَأَن يُفدى
رَمَت فيهِ عَن قَوسِ المَهالكِ فَاِرتَمى ... وَأقعد لَم يَسطع لِأَحبابِهِ رَدَّا
طَريح لَدى بَيروتَ سالَت جُروحُهُ ... وَقَد جَعَلوا في طيبةٍ لَهمُ مَهدا
بِماذا يرَجّى القربَ مَنْ ذاكَ حالُهُ ... وَقَد أفعمَ التّقديرُ شِقّته بُعدا
إِذا اِستَعمَل الآمالَ في مَسلَكِ الرّجا ... تَمدُّ عَوادي الدّهر مِن دونِهِ حدّا
سَقَى اللَّه مِن عَيني ملثّ دُموعِها ... مَعاهد لَم أَنقُض لِذِمّتها عَهدا
بِحَيث صَبا نَجد سحيراً إِذا سَرى ... يُقَبِّلـ في أَكنافِها الشّيحَ وَالرّندا
وَطيبَ أَوانٍ كُنت أَجني بِهِ الصّفا ... وَأَرشفُ مِن كَأسِ الأَماني بِهِ شَهدا
مَضى فَذَكت نارُ الصّبابَةِ وَالجَوى ... بِقَلبي كَأَنّي ما وَجدتُ لَه بَردا
لَكِ اللَّه يا ريحَ الحِجازِ إِذا سَرى ... يُجدِّدُ في قَلبي لِنارِ الجَوى وَقدا
وَهَبَّ عَلى أَرجاءِ طيبَة موهناً ... يُصافِحُ فيها النّورَ إِنْ بانَ وَاِمتَدّا
تحمَّلــ لِخَيرِ الخَلقِ أَفضَل مُرسَلٍ ... مِنَ الوالِهِ المُشتاقِ أَشرف ما يُهدى
نَبِيّ هوَ النّورُ الّذي مِنهُ كُوِّنت ... وَأُوجِدتِ الأَكوان فَهوَ لَها المَبدا
وَكانَ نَبِيّاً قَبلَ أَن كانَ آدمٌ ... وَآدمُ ما نالَ الوجودَ وَلا اِعتَدّا
نَـــــبـــــيٌّ أَقَـــــرَّ اللَّهُ ربّـــــيَ نــــورَهُ ... بِأَصلابِ آباءٍ تَسامَوْا بِهِ مَجدا
وَخَــــيــــر بُطونٍ مِن كرائِمَ طُهِّرَت ... وَنالَت بِهِ العلياءَ وَاليمنَ وَالسّعدا
وَأَرحامُها ضَمّتهُ وَهيَ جَواهِرٌ ... فَيا فَخرَها إِذ ضَمَّتِ الجَوهَرَ الفَردا
تَنَقّل مِن صلبٍ شَريفٍ لِمِثلِهِ ... وَفي جَبهَةِ الآباءِ ربّي لَهُ أَبدى
إِلى أَن تَــــبَــــدّى لِلوجــــودِ وَأَزهَــــرَت ... بِمَولِدِه الأَكوانُ وَاِمتَلأت رُشدا
تَباشَرَتِ الأَملاكُ وَالأَرضُ وَالسّما ... بِمَولِدِهِ وَالخلق طرّاً ولو أَعْدَا
وَقَد خَرَّتِ الأَصنامُ عَن بَيتِ رَبّنا ... وَإِيوان كِسرى شُقَّ بَل بَعضُهُ هُدّا
وَصَــــــيَّرهُ شَـــــمـــــسَ النّـــــبـــــوّةَ ربّه ... فَيا تعسَ أَعمى القَلبِ إِذ كانَ لَم يُهْدى
وَأَرسَلهُ الرّحمنُ لِلخَلقِ رَحمَةً ... فَكَم نِقمَة عَنهم بِهِ اللَّه قَد رَدّا
وَأَيَّدهُ بِالمُعجِزاتِ وَبَعضها ... لَقَد دامَ كَالقُرآنِ في الدّهرِ وَاِمتَدّا
وَمِنها اِنشِقاقُ البدرِ نِصفَينِ في السّما ... وَإِحياؤُهُ بِنتاً لَقَد هَلَكت وَأدا
وَفي كَفِّهِ البيضاءِ قَد سَبَّحَ الحَصا ... وَمِنها لَهُ شَكوى البَعير وَقَد ندّا
وَحَنَّ عَلَيه الجِذعُ عِندَ فِراقهِ ... فَواعَدَهُ يَحبوهُ في الجنَّةـ الخُلدا
وَجاءَت لَهُ الأَشجارُ ساجِدَةً وَقَد ... تَمَشَّتـ تَقدُّ الأَرضَ في مَشيِها قَدّا
نَبِيٌّ عَظيمُ القَدرِ لِلرّسلِ سَيِّد ... وَسَــــمّــــاهُ مَــــولاهُ لِرفــــعِهِ عَبدا
وَفينا بِأَمرِ اللَّهِ قَد قامَ داعِياً ... إِلى الحقِّ يَهدينا وَقَد بَذَل الجُهدا
وَأَيَّد ديــــنَ اللَّه قَــــطعاً بِحجَّةٍ ... وَسَيفٍ يَقدّ الأَرضَ وَالحَجر الصّلدا
بِصَحبٍ هُمُ الآسادُ في كلِّ مَعركٍ ... أَذلُّوا إِذا صالوا الضّياغِمَ وَالأُسْدا
وَباعوا بِهِ الأَرواحَ نَصراً لِدينِهِ ... وَكانوا لَهُ جُنداً وَأَنعِمْ بِهِم جُندا
فَيا أَشرَفَ الرُّسلِ الكرامِ وَخَيرِهم ... وَخاتمهم بَعثاً وَأَوَّلَهم مَبدا
وَأَكبرهم نَفساً وَأَسناهم ذُرى ... وَأَرحمهم قَلباً وَأَرأَفهم كبدا
وَأَثبَتهم جَأشاً وَأَطوَلهم يداً ... وَأَوسَعِهم حِلماً وَأَرفَعِهم مَجدا
وَأَعرَفِهم بِاللَّه وَأَتقاهمُ لَهُ ... وَأَخشاهُمُ مِنهُ وَأَكثرهم زُهدا
وَأَعظَمِهم يَوم القِيامِ شَفاعَةٍ ... فَأَنتَ شَفيعٌ سيّدي لَم تَنلِ الرَّدّا
فَكُن شافِعي يَومَ الزّحام فَإنَّ لي ... ذُنوباً عِظاماً لا أُحيطُ بِها عدّا
دَهَتني هُمومٌ ما الجِبالُ تُطيقُها ... وَلَو حُمِّلت بَعضاً لَأَوسَعَها هدّا
وَأَثقَلَني مِنها فَظيعٌ وَهائِلٌ ... لَقَد فَتَّتـ الأَحشاءَ وَالحيلَ قَد هدّا
وَفــــيــــهِ دِياري لِلخرابِ مَآلُها ... وَقَد شَمّت الأَضدادَ مَولايَ والأعدا
وَلِلضدِّ فيهِ مِثلما قيلَ مَدخَل ... وَإِنّي لأَرجو اللَّه أَن يُهلِكَ الضِّدّا
تَشفّع حَبيب اللَّهِ بِاللَّه عِندهُ ... أَغِثني أَغِثني إِنَّني كِدتُ أَن أَردى
وَإِنّك بابُ اللَّهِ مِنهُ دُخولنا ... وَحاشا يَنال الصدَّ مَن منهُ قَد عَدّى
وَلا خَــــيــــرَ إِلّا أَنــــتَ واسِطة لَهُ ... وَلَم يَكُ إِلّا فيكَ وَإِدراكُنا القَصدا
وَفيكَ اِبنُ فَتحِ اللَّهِ حسنُ خِتامِهِ ... تَأمّله يا خَير مَن عُرفه أَسدى
وَصَلّى عَليك اللَّه في كلِّ لَمحَةٍ ... وَسَلَّم تَسليماً تَوالى ولا حدّا
مَدى الدّهر تِعدادَ الّذي هوَ كائِن ... وَما كانَ أَو يَأتي وَأَضعافهُ عَدّا
كَذاكَ عَلى الآلِ الكرامِ جَميعِهم ... وَصَحبٍ غَدَوْا مثلَ النُّجومِ بِهِم نُهدى
مَدى الدَّهرِ ما هَبَّتـ جنوبٌ وَشَمأَلٌ ... وَما السُّحب قَد سَحَّتْ بِوابِلها حدّا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجلد: جَلَدَ: الجِلْدُ والجَلَد: المَسْك مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ شِبْه وشَبَه؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي، حَكَاهَا ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْهُ؛ قَالَ: وَلَيْسَتْ بِالْمَشْهُورَةِ، وَالْجَمْعُ أَجلاد وجُلود والجِلْدَة … (لسان العرب)
- الكبدا: بدأ: فِي أَسماء اللهِ عزَّ وَجَلَّ المُبْدئ: هُوَ الَّذِي أَنْشَأَ الأَشياءَ واخْتَرَعَها ابْتِداءً مِنْ غيرِ سابقِ مِثَالٍ. والبَدْء: فِعْلُ الشيءِ أَوَّلُ. بَدأَ بهِ وبَدَأَهُ يَبْدَؤُهُ بَدْءاً وأَبْدَأَهُ وابْتَدَأَه … (لسان العرب)
- جوفه: جوف: الجَوْفُ: الْمُطْمَئِنُّ مِنَ الأَرض. وجَوْفُ الإِنسان: بَطْنُهُ، مَعْرُوفٌ. ابْنُ سِيدَهْ: الجَوْفُ باطِنُ البَطْنِ، والجَوْفُ مَا انْطَبَقَتْ عَلَيْهِ الكَتِفان والعَضُدان والأَضْلاعُ والصُّقْلانِ، وَجَمْعُهَا أَج … (لسان العرب)
- حريق: حرق: الحَرَقُ، بِالتَّحْرِيكِ: النَّارُ. يُقَالُ: فِي حَرَقِ اللَّهِ؛ قَالَ: شَدًّا سَريعاً مِثلَ إضرامِ الحَرَقْ وَقَدْ تَحرَّقَتْ، والتحريقُ: تأْثيرها فِي الشَّيْءِ. الأَزهري: والحَرَقُ مِنْ حَرَق النَّارِ. وَفِي الْحَ … (لسان العرب)
- خدين: خدن: الخِدْنُ والخَدِين: الصديقُ، وَفِي الْمُحْكَمِ: الصاحبُ المُحدِّثُ، وَالْجَمْعُ أَخْدانٌ وخُدَناء. والخِدْنُ والخَدِينُ: الَّذِي يُخَادِنُك فَيَكُونُ مَعَكَ فِي كُلِّ أَمر ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ. وخِدْنُ الْجَارِيَةِ: مُ … (لسان العرب)
- شبابه: شبب: الشَّباب: الفَتاء والحداثةُ. شبَّ يشِبُّ شَبَابًا وَشَبِيبَةً. وَفِي حَدِيثِ شُرَيْحٍ: تجوزُ شهادةُ الصِّبيان عَلَى الْكِبَارِ يُسْتشَبُّون أَي يُسْتشْهَدُ مَنْ شبَّ مِنْهُمْ وكَبر إِذا بَلَغ، كأَنه يَقُولُ: إِذا تح … (لسان العرب)
- صير: صير: صارَ الأَمرُ إِلى كذا يَصِيرُ صَيْراً ومَصِيراً وصَيْرُورَةً وصَيَّرَه إِليه وأَصارَه، والصَّيْرُورَةُ مصدر صارَ يَصِيرُ. وفي كلام عُمَيْلَةَ الفَزارِي لعمه وهو ابن عَنْقاءَ الفَزارِي: ما الذي أَصارَك إِلى ما أَرى ي … (لسان العرب)