قِـفـا نَـتـلُ مِـن أَذكـارِ دارٍ وَأحـبـابِ
الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة غزل
هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الباء، وغرضها قصيدة غزل.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قِـفـا نَـتـلُ مِـن أَذكـارِ دارٍ وَأحـبـابِ — بِـجـلَّق ذاتِ الأُنـسِ وَالمـيسَمِ الرّابي
لَدى بـابِ كـيـسـان لَدى غـايَـةِ العُلى — لَدى سـاحَـةِ الشّـاغـورِ عـاليـة البابِ
تَـرى العِـزَّ ثـمَّ المَـجـدَ فـيها تَوطَّنا — وَحَـلَّت بِهـا العَـليـاءُ مِـن حُـسنِ آدابِ
تَـرى الكَـيـس فـيـهـا وَالمَحاسِنَ كلَّها — وَكُــلَّ بَــديــعٍ مــاسَ فـي ثَـوبِ إِعـجـابِ
وَقَـفـت بِهـا بِـعـدَ اِغـتِـرابـي مُـقـلّباً — بِهــا مُـقـلَتـي وَالدّمـعُ أَعـظَـمُ صـبّـابِ
كَتَقليدِ ذي الإِعجابِ في حُسنِ مَن رَأى — عَـلى غَـفـلةٍ لا مـثـل تَـقـليـبَ مُرتابِ
وَبــي اِحــتــاطَ أَخــدانٌ وصَــحْـبٌ أَعِـزّةٌ — وَأَبـهِـجْ بِـمَـن قَـد صـارَ مُحتاطَ أَصحابِ
يَــقـولونَ لي أَهـلاً وَسَهـلاً وَمَـرحـبـاً — وَقَـد أَكـثَروا التّرحيبَ تَرحيبَ أَحبابِ
فَـنِـلتُ شِـفـاءَ القَلبِ مِن وَسمَةِ الرّدى — وَنِـلتُ شِـفـاءَ الجـسـمِ مِـن كلّ أَوصابي
كِــرامٌ إِذا قــامــوا تَــضـوَّعَ مِـسْـكُهـم — مِـنَ الشّـرقِ فـي غَـربٍ عَـلى مَـتنِ هبّابِ
وَضــمّــخَ أهــل الغــربِ فــيـه نَـسـيـمُهُ — فَطابوا عَلى التّطييبِ مِن طيبِ أَطيابِ
كَـــأَنّهـــمُ حَـــولي شُـــمــوسٌ مُــضــيــئَةٌ — تَــجــلَّت بــلا حُــجــبٍ تــحــول وحـجّـابِ
كَــأنّــيَ بَــدرٌ إذ كَــســونــيَ ضــوءَهــم — ثِـيـاباً فَكانَ الضّوءُ مِن خَيرِ أَثوابي
بِــروحِــيَ يَــومٌ قَـد أَداروا حَـديـثَهُـم — عَــلَيّ سُــلافــاً تَــزدَري خَــمـرَ أَكـوابِ
وَقَــد مَــزجـوهـا بِـالسّـرورِ وَأشـربـوا — شَــذاهــا بِــريّــاهــم بِـأَحـسـنِ إِشـرابِ
سَــقــونــي بِهـا عَـقـلاً وروحـاً وَجُـثّـةً — فَرُحتُ بِها الوَلهانَ وَالمُغرَمَ الصابي
وَفـي الرّوحِ قَـد سـارَت وَتِـلكَ حَياتُها — وَدَبَّتــْ كــبُــرءٍ فــي المَـفـاصِـلِ دبّـابِ
سَــكِــرتُ فَــلا أَصـحـو وَلَيـسَ لِسَـكـرتـي — مَــدىً بَــل وَلا حــدّ كَــقــرنٍ وَأَحـقـابِ
وَشَــنَّفـت مِـن ذاكَ الحَـديـثِ مَـسـامِـعـي — بِـدُرٍّ يَـزيـن البـكـرَ مـا بَـيـنَ أَترابِ
وَقُــلتُ لَهُــم وَالوا عَــليَّ حَــديــثَـكُـم — فَــإِنّ حَــيـاةَ القـلبِ فـي ذلكَ الطـابِ
وَيـــومَ دَخَـــلتَ الدّارَ فــي أَرضِ جِــلَّقٍ — فَـقـالت لَكَ الإِسـعـادُ في دارِ أَنجابِ
فَــإِنّــيَ دارُ العـزِّ وَالمـجـدِ وَالعُـلى — أَتـيـهُ عَـلى الدّنـيـا بِـرِفعَةِ أَعتابي
وَحُـسـنـي وَأُنـسـي ثـمَّ سَـعـدي وَرِفـعَـتي — وَيُـمـنـي وَتَـرصـيـني عَلى حُسنِ أَرحابي
وَدار التّقى وَالفَضل وَالعِلم وَالهُدى — وَدار النّدى وَالنّفع وَالكَرَم الرّابي
وَإِنّـــيَ دار الكـــزبـــريّ الّذي خَـــلا — بِـذا الدَّهـرِ عَـن شـبـهٍ وَمـثلٍ وَأَضرابِ
إِمــامُ دِمـشـق الشّـام مَـن قـامَ خَـلفَهُ — أَئِمّــتُهــا تَــأتَــمُّ فــي كُــلِّ مِــحــرابِ
فَــقــيــهٌ نَــبــيــهٌ شــافِــعِــيُّ زَمــانِهِ — نَـحـا مَـنـهَـجَ التّـحقيقِ مِن أَجلِ طلابِ
بُـــخـــاريُّهـــ يَـــدري شُـــذوذاً وعـــلّةً — وَحـادَ إِلى التّـصـحـيـحِ عَـن وَضعِ كَذّابِ
هــوَ العـالِمُ النّـحـريـرُ أَذكـى مُـدقِّقٍ — عَـلى غـايَـةِ الإِتـقانِ في حُسنِ إِعرابِ
هُوَ البحرُ وَاِبنُ البَحرِ عِلماً وَعنهُما — فَـحَـدِّث بِـمـا قَـد شِـئتَه غـيـرَ مُـرتـابِ
هوَ البحرُ وَاِبن البحرِ جُوداً وَعَنهُما — فَــبــالِغ وَإِن جــاوَزتَ غـايَـةَ إِسـهـابِ
هـــــوَ البـــــدرُ إِلّا أَنّه دامَ تِــــمُّهُ — هــوَ الشّــمــسُ إِلّا أَنّه غَــيــر غــرّابِ
هـوَ الكـامِلُ السامي كَمالاً عَلى تُقىً — مَـصـونـاً بِـكـلِّ الدَّهـرِ عَـن عـيبِ عَيّابِ
إِذا اِغـتـابَهُ المُغتابُ مِن نَحوِ حاسِدٍ — وَأَحـسِـنْ بِـمـا يـغـتابُ مِن قَولِ مُغتابِ
رَمـاهُ بِـحـسـنِ الخُـلقِ وَالخَـلق سارداً — شَـمـائِلَه الحَـسـنـاء فـي حُـسـنِ إِيعابِ
وَصــيــتٌ جَــمــيــلٌ ثــمَّ نــفـسٌ كَـريـمَـةٌ — وَخـيـم فَـخـيـم النّـطقِ في مَجدِ أَنسابِ
وَيَـــخـــتــمُ إِجــمــالاً يَــقــول بِــأَنّهُ — كَـــمـــالٌ بِــلا نَــقــصٍ يَــلوح لثُــلّابِ
بَــليــغٌ فَــصــيــحُ اللّفـظِ ثـمّ بَـليـغُهُ — يـحـاشي عَلى الإِعرابِ مِن شوبِ إِغرابِ
وَلَكِـــنَّ مَـــعـــنـــاهُ غَــريــبٌ وَسَــلسَــلٌ — تَـنـاوَلُه الأَفـهـامُ مِـن غَـيـرِ أَتـعابِ
يَـطـابِـق فـيهِ الحال فيما قَدِ اِقتَضت — فَــتــاراً بِــإِيـجـازٍ وَطَـوراً بـإِطـنـابِ
وَمــا هــوَ إِلّا الدّرّ يــلقـيـهِ ثَـغـرُهُ — فَــيَـنـثُـرُهُ نَـظـمـاً بِه سـلبُ الاِلْبـابِ
إِذا قــالَ أَمّـا بَـعـد يَـومـاً حـسـبـتَهُ — مِــنَ العَــربِ العَـربـاءِ عُـربٍ وأعـرابِ
أَلَيـسَ المَـعـانـي قَـد أَطـاعَـت بَـيانَهُ — إِطــاعَــةَ مَــأمــورٍ مِـنَ الأَمـرِ هَـيّـابِ
تَـولَّد فـي صُـلبِ العُـلى فَهـوَ بِـكـرُهـا — وَكـانَـت لَهُ العَـليـاءُ مِن خَيرِ أَصلابِ
تَــربّــى بِـمَهـدِ المَـكـرُمـاتِ وَحـجـرِهـا — رَضـيـع ثَـدي المَـجـدِ فـي حُـضـنِهِ رابي
تُـــوسِّدهُ بـــالعــزّ فــي ســرُر العُــلى — مِـنَ الشّـرفِ الأَعـلى عَـلى حُكمِ إِيجابِ
تُــزيّــنــه بِــالفــخــرِ مِــن دُرِّ سُــؤددٍ — وَتَـكـسـوهُ رَفـعَ الشَّاـنِ أَحـسـنَ جـلبابِ
لَهُ الهـمَّةـُ العـليـاءُ يَـسـمو مَضاؤُها — فَـإِن تَـمـضِ لَم تَـحـتَـج لأَخـذٍ بِـأَسبابِ
فَـإِنْ سَـلَّ سَـيـفَ العـزمِ فـيـمـا يَرومهُ — تَــراهُ بِــذاكَ السّــيــفِ أَســرعَ ضَــرّابِ
لَهُ الرّايـةُ البـيـضـاءُ فـي كُـلّ مَوكِبٍ — تَــعــودُ بِـحُـسـنِ الحـمـدِ أَربـح كَـسّـابِ
وَأَمّــا سَــجــايــاهُ إِذا ريــمَ عَــدّهــا — تَــعــودُ وَلَم تُـحـصـر بِـإعـيـاءِ حـسّـابِ
وَأَمّــا مَــزايـاهُ فَـتِـلكَ بِـلا اِنـتِهـا — فَـمَـن رامَهـا بِـالحَـصـرِ يُرمى بِإِكذابِ
فَـإِن رُمـتُ طـولَ المَـدحِ فـيـه بِحَصرِها — رَجـعـتُ بِـمـا قَـد رمـتُ كـاسِـبَ أَنـصـابِ
وَلَكِــنَّ تَــلخــيــصَ المَــديــحِ بَــلاغَــةٌ — وَكَم قَد كَفى التّلخيصُ عَن فَرطِ إِسهابِ
لِذاكَ اِخـتَـصَـرت المَـدح فـيـهِ مُهـذّبـاً — بِــســلســلِ أَلفــاظٍ مــجــانــبَ إِغــرابِ
فَـيـا أَيّهـا المَـولى الّذي رَقَّ طَـبـعُهُ — فَـأَصـبَـحَ فـيـهِ اللّطـفُ أَحـسـنَ مُـنـسابِ
إِلَيــكَ رَعــاكَ اللَّهُ بِــكــراً بَــديـعَـةً — يَــتــيــمَــة دُرٍّ لَم تُــثَـقّـب بِـمِـثـقـابِ
خَــريــدَةَ حُــســنٍ غــادةً خــوطَ بــانــةٍ — تَـثَـنَّتـْ تـهـزُّ الإِطـلَ مِـن فَـرطِ إِعجابِ
وَقَـد وَقَـفَـتْ فـي بـابِ مَـجـدِكَ تَـرتَـجـي — لَدى الإِذن أَن تَحظى بِخِدمَةِ الاِعتابِ
وَتَـرضـى بِـلَثـمِ الكـفّ مِـنـك صَـداقـهـا — لِتَـفـخـرَ فـيـهِ الدّهـرَ ما بَينَ أَترابِ
فَـأَحـسـن لَهـا حـيـنَ الزّفـافِ قـبولَها — فَـإِنّـي أَخـا الإِحـسانِ أَحسنْتُ إِيجابي
وَدُم بِــأَمــانِ اللَّه مَــســرورَ خــاطِــرٍ — بِـعِـزٍّ رغـيـد العَـيـشِ يَـزهـو بِـإِخـصابِ
مَـدى الدّهـرِ مـا عـادَت لِرَوضٍ حـيـاتُهُ — بِــوَبـلٍ غَـزيـر النّـفـعِ تَهّـامٍ وَسَـكّـابِ
وَمــــا قـــالَ ذو حِـــبٍّ لِمَـــدحِ أَحِـــبَّةٍ — قِـفـا نَـتـلُ مِـن أَذكـارِ دارٍ وَأَحـبـابِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- احتاط: احْتَاطَ يَحْتَاطُ احْتطْ احْتِياطًا [حوط]: أخذ في أموره بأوثق الوجوه واحترز؛ احتطتُ للمصاعب.
- اغترابي: [غ ر ب]. (مصدر اِغْتَرَبَ). 1. "كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُفَسِّرَ اغْتِرَابَهُ " : هِجْرَتَهُ البَعِيدَةَ. "قَضَى جُلَّ حَيَاتِهِ فِي اغْتِرَابٍ". 2. "اِغْتِرَابُ النَّفْسِ" : شُعُورُهَا بِالضَّيَاعِ وَالاسْتِلابِ. "اِغْتِرَ …
- الرابي: رَابَى يُرَابِي رَابِ مُرَابَاةً [ربو]: أَعطى مالَه بالرِّبا فَصارَ مرَابِياً، المراباةُ محَرَّمة في الدِّين.- ـه. داراه ولاينه؛ رابيتُ الفتى حتى كسبت ثقتَه.
- الكيس: كيس: الكَيْسُ: الخفَّة والتوقُّد، كَاسَ كَيْساً، وَهُوَ كَيْسٌ وكَيِّسٌ، وَالْجَمْعُ أَكْياس؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ: واللَّه مَا مَعْشَرٌ لامُوا امْرأً جُنُباً، ... فِي آلِ لأْيِ بنِ شَمَّاسٍ، بأَكْياسِ قَالَ سِيبَوَيْهِ: …
- بجلق: جَلَقَ: جِلَّق وجِلِّق: مَوْضِعٌ؛ يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ؛ قَالَ الْمُتَلَمِّسُ: بجِلّق تَسْطُو بامرئٍ مَا تَلَعْثَما أَي مَا نَكَص؛ وَقَالَ النَّابِغَةُ: لئنْ كَانَ للقَبْرَيْنِ قَبْرٍ بجِلّقٍ، ... وقبْرٍ بصَيْداء الَّذ …
- تقليب: [ق ل ب]. (مصدر قَلَّبَ). 1."تَقْليبُ الطَّعامِ في الماعونِ" : تَحْريكُهُ. 2."تَقْليبُ جَوانِبِ الْمَوْضوعِ" : النَّظَرُ فيها والتَّأَمُّلُ. 3."تَقْلِيبُ الصَّفَحاتِ" : إِدارَتُها.