مــا أَعــدَلَ الأَفــلاكَ فــي دَوَرانِهــا
الشاعر: المفتي فتح الله · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر المفتي فتح الله، من العصر الحديث، وتقع في 71 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مــا أَعــدَلَ الأَفــلاكَ فــي دَوَرانِهــا — أَفَــلا رَأَيــتَ القـسـطَ فـي مـيـزانِهـا
هَــذي أَمــانِــيَّ الّتــي قَــد رُمــتــهــا — وَودِدتُهــــا بــــلِّغــــتُهـــا لأَوانِهـــا
وافَــت أَوان وُجــودِهــا فَــعَــلمــت أَن — نَ أُمــورنــا مَــرهــونــة بِــزَمــانِهــا
جــاءَت عَـلى شَـغـف الحَـشـا بِـبـلوغِهـا — فَــاِرتــاحَ حـيـنَ بُـلوغـهـا وَعـيـانِهـا
وَالآنَ قَـــرَّت بِـــالبـــشـــائِرِ أَعــيُــنٌ — قَـد طـالَ بُـعـدُ النّـومِ عَـن أَجـفـانِها
بَــل رَطَّبــت مِــنّــا البـشـائِرُ أَكـبـداً — كــادَت تَــذوبُ حَــرارَةً بِــجــنــانــهــا
سَــرَّت قُــلوبــاً فــي الحَـشـاءِ تَـسَـعَّرت — كــادَت تُـذيـبُ الجـسـمَ مِـن نـيـرَانِهـا
شَــعَــلت بِهــا نــار التّــوهّــمِ فِـكـرَةٌ — قَــد أدخَـل التّـشـتـيـت فـي أَذهـانِهـا
لَكِــن بَــدا صُـبـحُ اليـقـيـنِ فَـأُطـفِـئَت — وَبِــســيــفِهِ قَــد كــانَ قَـطـع لِسـانِهـا
وَاِمــتَــدّ ذاكَ الصّــبــحُ يَـنـشُـرُ ضَـوءهُ — بِــبَــشــائِرِ الأَفــراحِ فــي أَكـوانِهـا
وَيَــحـيـكُ مِـن نـورِ السّـرورِ مَـطـارفـاً — يَـكـسـو بِهـا الأَرواح مَـع جُـثـمـانِها
جــاءَ البَــشــيـرُ بِـمـا نَـرومُ مُـبـشِّراً — فــي وَقــتِ إِشــراقِ السّــعــودِ وَآنِهــا
وَتَـقـارن السّـعـديـنِ فـي كَـبـد السّما — وَتَــبــاعــد المِــرّيــخِ مِـن كـيـوانِهـا
بُـــشـــراهُ كــانَــت لِلقُــلوبِ دَواءهــا — كَــمُــفَــرّح اليــاقـوتِ مِـن خَـفَـقـانِهـا
كــادَت تَــســيــلُ مِـنَ السّـرورِ وَإِنّـمـا — حــفّــت بِــلُطــفِ اللَّهِ مِــن سَــيَـلانِهـا
أَبـــدى لَنـــا أَنّ الوزارَة قَــد أَتَــت — شِــبــل العُـلَى مـن عُـدَّ مِـن أَخـدانِهـا
وَالمـــاء رُدَّ إِلى مَـــجــاريــهِ الّتــي — نَــشَـفـت وَغـيـضَ المـاءُ مِـن غُـدرانِهـا
وَالشّــمــسُ رُدَّت لِلمَــنــازِلِ بِــالهَـنـا — فــي عِـزِّهـا السّـامـي وفـي سُـلطـانِهـا
جاءَت إِلى اللّيثِ الغضنفر في الوَغى — وَمُــفــرّقِ الفُــرســانِ مِــن مَــيـدانِهـا
وَمُـــخـــوّف الآســـادِ فـــي آجـــامِهـــا — وَمُهـــرِّبِ الأَبـــطــالِ مَــع صَــوَلانِهــا
رَبّ القَـواضِـبِ مـا اِنـتَـضـاهـا سـاحِباً — إِلّا وَمــاتَ اللَّيــثُ مِــن لَمَــعــانـهـا
رَبّ العَــوالي السُّمــر مــا إِن هَـزَّهـا — إِلّا وَقــامَ الحــتــفُ عِــنـدَ سِـنـانِهـا
مَـن يَـنـظـمُ الأَكـبـادَ فـيـهـا طـاعِناً — وَيُـبـيـد فـيـهـا الأُسـدَ مِـن فُرسانِها
الفـــارِس البَـــطَـــلُ الّذي دانَـــت لَهُ — كُــلّ الفَــوارس فُــرســهــا عُـربـانـهـا
مــا راهَــنَ الفُــرســانَ إِلّا وَاِحـتَـوى — قــصــبَ السّــبــاقِ وَحــازَه بُــرهـانُهـا
تَـسـمـو بِهِ الخَـيـلُ العِـرابُ وَتَـزدَهـي — وَتُــســابِـقُ الأَطـيـارَ فـي طَـيَـرانـهـا
لَو قَـد عَـلا مِـنـهـا القَـصـيـرُ لَشِمته — يَـسـمـو السّـمـاءَ وَيَـدنُ مِـن مِـيزانِها
مَــجــدُ الأَمـاجِـدِ عـزُّ أَبـنـاءِ العُـلى — شَــرَف السّــيـادَةِ فـي رِفـاعـةِ شَـأنِهـا
بَـل عَـيـنُ أَعـيانِ الأَكارِمِ في الوَرى — وَضِـيـاؤُهـا فـي الدّهـرِ بَـل إِنـسـانُها
رَبُّ المَــعــالي وَالفَــواضــل وَالنّــدى — رَبّ الفَــصــائِلِ خَــيــرهــا وَحِـسـانـهـا
مَــنْ كَــفُّهــُ تُـزري السّـحـابَ بِـجـودِهـا — وَتَـفـيـضُ فَـيـضَ البَـحـرِ فـي إِحـسـانِها
رَبّ الفَــصــاحَــةِ وَالبَـلاغَـةِ مَـن حَـوى — سِــحـرَ العُـقـولِ بِـحُـسـنِهـا وَبَـيـانِهـا
لَو كــانَ فـيـمَـن قَـد تَـقَـدَّم لَم يَـكُـن — فــي قــسِّهــا ذِكــرٌ وَلا سَــحــبــانِهــا
ربّ السّــجـايـا وَالصّـفـات الفَـردِ فـي — مَــحــمــودِهــا وَسَــنِــيِّهــا وَحــسـانِهـا
عـــلم وَحِـــلم فـــي مـــحـــل حـــكــمــةٌ — قَـد أَجـمَـعَ الحُـكـمـا عَـلى إِتـقـانِهـا
عَــــدلٌ وَرِفــــقٌ ثــــمَّ ليــــن رَحـــمـــة — لَهَـجَـت جَـمـيـعُ النّـاسِ فـي شُـكـرانِهـا
فـــي قَـــلبِهِ وَهــوَ الرّقــيــقُ فُــؤادهُ — قَــد أَودعــت وَاللَّهِ مِــن رحــمــانـهـا
وَتَــــواضــــع للَّهِ مَــــع تَــــقــــوى لَهُ — فــي حُــســنِ إِخــلاصٍ لَدى إِتــيــانِهــا
وَبَـــشـــاشَـــة وَوَجـــاهَـــة بِـــمَهــابَــة — تـابَـت لَدَيـهـا الأسـدُ مِـن عِـصـيانِها
يَــخــشــاهُ حــتّــى غَــيـر رائيـهِ كَـمـا — تُـخـشـى القَـواضـبُ وَهـيَ فـي أَجـفانِها
وَسِــيــاســة كَــمُــلَت بِــنــوِرِ فِــراسَــةٍ — صـيـنَـت بِهـا فـي الدَّهـرِ مِن نُقصانِها
وَخَــلائق أَســنـى المَـحـاسـن تَـكـتَـسـي — مِــثــل الأَزاهِــر فـي رَبـيـع أَوانِهـا
الشّهـــم عَـــبـــد اللَّه سَـــيِّد وَقــتــهِ — مَــنْ لِلسّــيــادَةِ عُــدّ فــي تـيـجـانِهـا
إِنّ الوزارَة قَــــد أَتَــــتـــهُ وَإِنّهـــا — مَـــيّـــاســة تَــخــتــالُ فــي أَردانِهــا
جـــادَت بِهـــا كَـــرمـــاً عَــلَيــهِ دَولةٌ — قَــد خُــلِّد التــشـيـيـدُ فـي أَركـانِهـا
الدّولَة الغـــــرّاء فـــــي دُوَلِ الوَرى — مــنــحَـت دَوام النّـصـرِ فـي أَعـوانِهـا
مــا نـالَهـا فـيـمَـن مَـضـى مـلكٌ مَـضـى — هَــل نــالَهــا إِلّا بَــنــو عُـثـمـانِهـا
لا سِــيَّمــا سُــلطــانِــنــا مَـحـمـودِهـم — تــاجِ المـلوكِ الصِّيـد بَـل سـلطـانُهـا
مَــلك عَــظــيــم لا مَــليــك نَــظــيــره — عِــزّ المــلوكِ وَفــيـهِ رِفـعـة شَـانـهـا
وُزراؤهُ مِـــثـــل المُــلوكِ تَــقَــدّمــوا — مِــن قَــيــصـر فـيـهـا وَمِـن خـاقـانِهـا
جــادَت قَــريــحَــتُهُ بِــفَــيــضِ مَــكــارِمٍ — بِــالرّتـبَـةِ العَـليـاءِ مِـن إِحـسـانِهـا
وَهــيَ الوِزارَة أَنــعـمـت فـيـهـا عَـلى — ذا الشَّهـمِ إِذ شـامَـتـهُ مِـن أَعـيانِها
وَحَــبـتـه مَـعـهـا مَـنـصـبـاً بِـبِـلادنـا — تَــخــتــارهُ الوُزراءُ عَــن بُــلدانِهــا
فــي حـكـمِ صَـيـدا مَـع طـرابـلسَ الّتـي — عُــدّت دِمــشــق الشّــام مِــن أَقـرانِهـا
مَــع حــكــمِ عـكّـاءَ الّتـي تـزري بِـمـص — رَ مِــنَ العَـريـشِ لِمـنـتـهـى أَسـوانِهـا
لَو أَنّهــا كــانَــت كَهَــذا اليّــومِ لَم — تَــفــخَـر مُـلوك الفُـرسِ فـي إِيـوانِهـا
ضَــمّــتــه هــاتــيــكَ البــلاد مــحـبّـةً — ضَــمَّ المــحــبّ وَشــبــكــت بِــبَـنـانـهـا
رامَـــتـــهُ والِيَهـــا تـــضــرّعُ دائمــاً — بِــأَكــفِّهــا وَخــشــوعِهــا بِــجـنـانـهـا
وَاللَّه ربّـــي قَـــد أَجـــاب دعـــاءَهــا — لدعــائهــا مِــن قَــلبِهــا وَلِســانِهــا
فَــرحَــت بِهِ تــلكَ البــلادُ وأهــلهــا — وَرَمَــت ثِــيــاب الغــمِّ مَــع أَحـزانِهـا
للَّهِ ربّـــي الحـــمـــدُ آمـــنَ أَهــلهــا — مِــن لُطــفِهِ بِــالفــضـلِ فـي أَوطـانِهـا
يـا أَيّهـا الشّهمُ الوزيرُ أَخو التّقى — رَبّ المَـــعـــالي آخِــذاً بِــعــنــانِهــا
يــا رَوضـةَ المَـعـروفِ وَالفـضـلِ الّتـي — تَـبـدو المَـكـارمُ مِـنـكَ فـي أَفـنانِها
اللَّهُ ربّـــي قَـــد حَــبــاكَ بِــنِــعــمَــةٍ — كــلّ المَــواهِــبِ فــي يَــديْ مَــنّـانِهـا
فَــمــنــحــتَ فـي هَـذي البِـلادِ بِـدَولةٍ — فَـاِجـعَـل دَوامَ العَـدلِ مِـن شُـكـرانِهـا
هــاتــيــكَ دَوحــةَ رَحــمــةٍ قَـد أَورقـت — وَالعَــدل ثــمّ الحِــلم مِـن أَغـصـانِهـا
نَـجـنـي ثِـمـارَ الأَمـنِ مِـن أَغـصـانِهـا — مُـــتَـــظــلّليــنَ بِــظِــلِّهــا وَأَمــانِهــا
فَــاِهــنَـئ بِهـا مَـسـرورَ قَـلبٍ بـاسِـمـاً — وَقَــريــر عَـيـنٍ فـي الدُّنـى وَزَمـانِهـا
وَاِســــلَم وَدُم فــــي عِـــزِّ جـــاهٍ دائم — مَــعــهُ السُّعــودُ تُــحـيـطُهُ بـقـرانـهـا
مــا غَــرَّدت وَرقــاء فَــوقَ غُــصــونِهــا — بَـل مـا البـروقُ تُـضـيـء في لَمَعانها
مــا بــانَ صُــبــحٌ أَو تَــبــدّى كَــوكَــبٌ — مــا دامَــتِ الأَفــلاكُ فــي دَوَرانـهـا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التوهم: تَوَهَّمَ يَتَوَهَّمُ تَوَهُّمًا :- الشيءَ: تخيّله؛ يتوهّم الرسام ما يرسمه في ذهنه ثم ينقله إلى اللّوحة. -: ظنّ؛ توهّم أنه مريض. - الخيرَ فيه: توسَّمه.
- الحشاء: حشأ: حَشَأَه بِالْعَصَا حَشْأً، مَهْمُوزٌ: ضَرَب بِهَا جَنْبَيْه وبَطْنَه. وحَشَأَه بسَهْمٍ يَحْشَؤُه حَشْأً: رَمَاهُ فأَصاب بِهِ جَوْفَهُ قَالَ أَسماء بْنُ خارجةَ يَصِفُ ذِئْباً طَمِع فِي نَاقَتِهِ وَتَسَمَّى هَبالةَ: ل …
- القسط: قسط: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى الْحُسْنَى المُقْسِطُ: هُوَ العادِلُ. يُقَالُ: أَقْسَطَ يُقْسِطُ، فَهُوَ مُقْسِطٌ إِذا عدَل، وقَسَطَ يَقْسِطُ، فَهُوَ قاسِطٌ إِذا جارَ، فكأَن الْهَمْزَةَ فِي أَقْسَطَ للسَّلْب كَمَا يُقَا …
- ببلوغها: البُلُوغُ : مصـ. -: بمعنى الإدراك والرشد/ سنُّ البلوغ، هي سنُّ المراهقة؛ أصابتْهُ في سنِّ البلوغ هزَّاتٌ نفسية وعضوية.
- بجنانها: الجَنَانُ : القلب؛ (إذا قَرِحَ الجَنَانُ بَكَتِ العَيْنَان).-: من كل شيءٍ : جوفه؛ جَنانُ الصُندوق.-: الأمر الخفيُّ؛ هو كتومٌ للأسرار لا يُطلع الناسَ على أي جَنانٍ.-: ما سَتَر؛ جَنَانُ الناس، هو جماعتهم التي تستر الداخلَ …