لَقَد سرت من بغداد يدفعني الوَجدُ
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة شوق
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 37 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لَقَد سرت من بغداد يدفعني الوَجدُ ... إلى حيث وكر الشعر طائره سعدُ
إلى مصر أما مصر فهي كأَنَّها ... كعاب ووادي النيل في جيدها عقد
إلى حيث يَلقى الحر للحق ذادة ... كراماً فلا ضيم هناك ولا حقد
إلى بلد للعلم في أَرضه هدى ... وَللشعر مثل النجم في جوه وقد
أجوب على سيارتي الأرض دونها ... فيرفعني نهد ويخفضني وهد
يثبطني حب لبغداد لازب ... وَيدفعني شوق إلى مصر مشتد
لَقَد ساءَني أني لبغداد بارح ... وأني فيها لا أروح ولا أغدو
فقدت بلادي نازحاً غير أَنَّني ... إذا جئت مصراً لم يضر ذلك الفقد
وَما دون مصر مطلبٌ لميمم ... ففيها ينال المجد من همه المجد
وَلَم تَكُ بغداد سوى دار كربة ... نهاريَ فيها مثل ليلي مسود
ورب عدو لَيسَ لي من وصاله ... مناص وخل ليس من هجره بد
ولا مثل يوم ظل يبكي غمامه ... ويضحك في طياته البرق والرعد
ذكرت به عهداً مضى فحمدته ... فَما رد عهداً ماضياً ذلك الحمد
وَلَو كانَ عهدي باقياً لرعيته ... وَلكن مضى عهدي فَلا يرجع العهد
ظمئت فَلَم تنقع أواميَ دجلة ... وَللناس في بغداد من دجلة ورد
وَما دجلة عن قاصديها قصية ... ولا ماؤها يوماً لشاربه ثمد
وكنت هزاراً كل يوم بروضة ... على فنن أوراقه غضة أشدو
وَما كانَ يَدري الروض أن خريفه ... قَريب وأن الورد آفته البرد
وَزار الهزار الروض إذ غض ورده ... وَطارَ بعيداً بعد ما صوّح الورد
لَقَد حالَ ذاكَ الروض بعد نضارة ... فَما بانه بان ولا رنده رند
وكنت أبالي أن تشط بيَ النوى ... عَن القوم حتى حال منهم ليَ الود
هنالك أحباب تنكر ودهم ... فَلا قربهم قرب ولا بعدهم بعد
ولا مثل صاد في الهجيرة بينه ... وَبين بلوغ الماء من دجلة سد
يعالج في بغداد عيشاً منغصاً ... وَينعم في بغداد أعداؤُه اللدُّ
حملت بصبر لم يخنِّيـ خطوبَها ... وإني على حمل الخطوب أنا الجلد
هنالك قوم ما لَهم في حياتهم ... إلى كل شيء يسعدون به جهد
كَسالى بيوم السَعي إلا أقلهم ... وَقَد ورثت أخلاق آبائها الولد
وأما نساء القوم في كل بقعة ... فهن لهن الضيم منهم أَو الوأد
يَقولون إِن الدين يجحد رشدَها ... لَقَد كذبوا فالدين ليس به جحد
وَلَم ينف رشد المرأة الدين نفسه ... ولكن غلاة الدين ليس لهم رشد
وأفرط أقوام وفرَّط غيرهم ... وإن طريق المفلحين هو القصد
مشيت إِلى مصر أسارع قبلما ... طَريقي إلى مصر الجميلة ينسد
سأُلقي عصا الترحال في مصر إنها ... بلاد لها من نيلها يكثر الرفد
وأشدو بشعري هابطاً ظل دوحها ... فتبسط ذاكَ الظل أفنانها الملد
وَيشملني أبناؤُها برعاية ... أَرى أَنَّني قد لا أَرى مثلها بعد
وَللريح ألقاها بوجهي عذوبة ... وَللماء أحسوه على كبدي برد
فَتَعلَم بَغداد على بعد أرضها ... بأن ابنها في مصر منزله حمد
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- بارح: برح: بَرِحَ بَرَحاً وبُرُوحاً: زَالَ. والبَراحُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ بَرِحَ مكانَه أَي زَالَ عَنْهُ وَصَارَ فِي البَراحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا بَراحَ، مَنْصُوبٌ كَمَا نُصِبَ قَوْلُهُمْ لَا رَيْبَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ فَيَكُونُ … (لسان العرب)
- جوه: جوه: جُهْتُه بشرٍّ وأَجَهْتُه. وَالْجَاهُ: الْمَنْزِلَةُ والقَدْرُ عِنْدَ السُّلْطَانِ، مَقْلُوبٌ عَنْ وَجْهٍ، وإِن كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ بِالْقَلْبِ فتَحَوَّلَ مِنْ فَعْلٍ إِلى فَعَلٍ فإِن هَذَا لَا يُسْتَبْعَدُ فِي الْم … (لسان العرب)
- جيدها: جيد: الجِيدُ: الْعُنُقُ، وَقِيلَ: مُقَلَّده، وَقِيلَ: مقدَّمه، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى عُنُقِ المرأَة؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: يَجُوزُ أَن يَكُونَ فِعلًا وفُعْلًا، كُسِرَتْ فِيهِ الْجِيمُ كَرَاهِيَةَ الياءِ بَعْدَ الضَّمَّةِ، فأَ … (لسان العرب)
- حقد: حقد: الحِقْدُ: إِمساك الْعَدَاوَةِ فِي الْقَلْبِ وَالتَّرَبُّصُ لِفُرْصَتِها. والحِقْدُ: الضِّغْنُ، وَالْجَمْعُ أَحقاد وحُقود، وَهُوَ الحقِيدَةُ، وَالْجَمْعُ حَقَائِدُ؛ قَالَ أَبو صَخْرٍ الْهُذَلِيُّ: وعَدِّ إِلى قَوْمٍ … (لسان العرب)
- ساءني: (سَنَى) السِّينُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى سَقْيٍ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ. يُقَالُ سَنَتِ النَّاقَةُ، إِذَا سَقَتِ الْأَرْضَ، تَسْنُو وَهِيَ السَّانِيَ … (مقاييس اللغة)
- سيارتي: سير: السَّيْرُ: الذَّهَابُ؛ سارَ يَسِيرُ سَيْراً ومَسِيراً وتَسْياراً ومَسِيرةً وسَيْرورَةً؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيُّ، وتَسْياراً يَذْهَبُ بِهَذِهِ الأَخيرة إِلى الْكَثْرَةِ؛ قَالَ: فَأَلْقَتْ عَصا التَّسْيارِ مِنْه … (لسان العرب)
- ضيم: ضيم: الضَّيْمُ الظُّلْمُ. وَضَامَهُ حَقَّه ضَيْماً: نَقَصه إِيَّاهُ. قَالَ اللَّيْثُ: يُقَالُ ضَامَه فِي الأَمر وضامَهُ فِي حَقِّهِ يَضِيمُه ضَيْماً، وَهُوَ الانتقاصُ، واسْتَضامَه فَهُوَ مَضِيمٌ مُسْتَضامٌ أَي مَظْلُوم، … (لسان العرب)
- طائره: طير: الطَّيَرانُ: حركةُ ذِي الجَناح فِي الْهَوَاءِ بِجَنَاحِهِ، طارَ الطائرُ يَطِيرُ طَيْراً وطَيراناً وطَيْرورة؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ وَكُرَاعٍ وَابْنِ قُتَيْبَةَ، وأَطارَه وطيَّره وطارَ بِه، يُعَدى بِالْهَمْزَةِ وَبِال … (لسان العرب)