أَتـــعـــود بــعــد تــصــرم ونــفــادِ

الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 49 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أَتـــعـــود بــعــد تــصــرم ونــفــادِ — أيــــام بــــغــــدادٍ إلى بـــغـــدادِ

أَيــام بــغــداد الَّتــي فــي مـرهـا — كـانَـت عـوادى الدهـر غـيـر عوادي

اذ ليــس بـغـداد كـمـا تـلفـى ولا — حــكــام بــغــدادٍ ذوي اِســتــبــداد

كــانَــت مــحــطـاً للعـلوم وأهـلهـا — وَقــــرارةً للمـــجـــد والأمـــجـــاد

اليَـوم هـاتـيـك العـلوم جـمـيـعها — مــدفــونــة بــمــقــابــر الأجــداد

قـد عـاشَ دهـراً فـي نـعـيـم أَهـلها — فــإذا النَــعـيـم وأَهـلهـا لنـفـاد

أَيــــام مــــدَّ الأمـــن وارفَ ظـــله — فــيــهــا فــكـانَـت جـنـة المـرتـاد

أَيــام بــغــداد تــضــيــء جــمـيـلة — فَــتَــلوح مــثــل الكــوكـب الوقـاد

أيـعـاد مـا فـد مـر مـن عُـمـرانها — أم ذلك العــمــران غــيــر مــعــاد

لا تـرجـع الرغـبـات نـحـو عِراصها — أو تـــرجـــعَ الأرواح للأجـــســـاد

فـتـقـوم فـيـهـا بـالسـداد حـكـومة — وتـــزول عـــنــهــا دولة الأوغــاد

جـاسـوا المنازل مفسدين وأوقدوا — نـــارَ الإســـاءَة أيــمــا إيــقــاد

إنــي أظــنــك لا تـرى بـمـكـانـهـا — مـن بـعـد بـضـع سـنـيـن غـيـر رماد

فــهـنـاك أَهـل يـجـهـلون حـقـوقـهـم — وَحــكــومــة تــعــتــو ودهــر عــادي

هـم أَيـدوا الحـكـام فـي تـدميرها — فــكــأَنــهــم لَو يــخــجـلون أَعـادي

لجـأت إليـهـم حـيـن عـزَّ نـصـيـرهـا — ولقــد يــجــاء إلى ذوي الأحـقـاد

قـضـت الفـظـاظـة فـي طبائع أهلها — أن لا يــكــون فــؤَادُهــم كـفـؤادي

قــد زال عــن بــغــداد كـل حـلاوة — لكـــن كـــذاك لهــا قــديــم ودادي

فـلهـا مـع الجَـنفَ الذي ألقى بها — ودٌّ بـــقـــلبــي نــال مــن أجــلادي

بــغــداد تــطــلب ذِلتــي وأُعــزهــا — فـانـظـر لبـعد البون في الأضداد

وتـريـد مـوتـي إذا أريـد حـياتها — شــتــان بــيــن مــرادهــا ومــرادي

أَمـديـنـةَ الإسـلام يا دار السلا — م لمــن أقــام وكــعــبــة القـصـاد

أنــي بــكــيـتـك بـالدمـوع لأنـهـا — مــمــا تــخــفــف حــرقــة الأكـبـاد

ونـظـمـت مـرثية تخذت لها ذرى ال — مــســتــنــصــريــة مـوضـع الإنـشـاد

إذ نـهـر دجـلة أنـت تـجـري هـهـنا — دهــراً فــتــخــرق جــانـبـي بـغـداد

أَرأيـت بـغـداداً كـذا فـيـمـا مـضى — بـــلداً عـــليــهِ الذل حــولك بــاد

بــلد بــهِ قــدم التــعــســف راســخ — والجــور فــيــهِ ثــابــت الأوتــاد

بــلد بــهِ ســوق الجــهــالة نـافـق — والعــلم فــيــهِ مــتــاعــه لكـسـاد

بــلد تــمـسـك أهـلهـا مـن جـهـلهـم — بـعـرى الضـلال فـمـا لهـم من هاد

وانـقـاد للظـلم الصـريح ولم يكن — فــيــمـا مـضـى للظـلم بـالمـنـقـاد

وقـد اسـتـغـاث بـهـم فلم يتحننوا — فــكــأن قــلب القــوم بـعـض جـمـاد

وأراد بـعـض أولى الدرايـة مـنهم — نــيــل الرشــاد ولات حــيـن رشـاد

ليــس النــجــاة لأمـة مـن أَسـرهـا — مِـــمّـــا يــتــم بــهــمــة الأفــراد

يـا نـهـر دجـلة أن من حقي البكا — حــتــى أمــوت عــلى ضــيـاع بـلادي

يـا نـهـر دجـلة أن عـيـنـي مـاؤها — نــزرٌ فــليــس يــبـيـح نـار فـؤادي

يـا نـهـر دجـلة فـاجـر أنت مكانه — واســق المـعـاهـد مـن ربـي ووهـاد

يــا نـهـر دجـلة أنـت تـقـنـى قـوةً — إذ كــنــت مــنـحـدراً مـن الأطـواد

يــا نــهــر دجــلة إنــنــي لمـؤمـل — أن لا تـــضـــن عــليَّ بــالإســعــاد

يـا نـهـر دجـلة أيـن بـغداد التي — كــانــت لأهـل الفـضـل أكـبـر نـاد

لم حـولك الأرض الوسـيـعـة أقفرت — والمــاء مـنـك هـنـاك غـيـر ثـمـاد

يـا نـهـر دجـلة مـا لبـغـداد غـدت — بـــلداً لكـــل شـــنـــاعــة وفــســاد

لهــفـي عـلى بـغـداد كـيـف تـأخـرت — فــي العـلم بـعـد تـقـدم مـتـمـادي

لبـس النـهار بها على رغم المنى — بـعـد الليـالي البـيـض لون سـواد

وقد التقت فيها الجهالة والردى — فــكــأَنَّمــا كــانــا عــلى مــيـعـاد

نـظـرت إلى الأحـرار مـن أَبنائها — نــظــر المــريــض بــأوجـه العـوَّاد

كــانـت لعـمـري قـبـلُ مـدرسـة لمـن — يــبــغــي العـلوم كـثـيـرة الروّاد

كــانــت مـلاذاً للطـريـد ومـرجـعـاً — للمــســتــفــيــد ومــورداً للصــادي

فـد ان يـا بـغـداد أن تـبـكي على — مــوت الذيــن لهــم عــليـك أيـادي

قـد آن إذ نـزلوا بـأفـنية الردى — أن تــلبــســي بــغــداد ثـوب حـداد

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • استبداد: [ب د د]. (مصدر اِسْتَبَدَّ). "اِنْتَفَضَ ضِدَّ الاسْتِبْدَادِ": أَي الظُّلْمِ، القَهْر، العُدْوَان، التَّعَسُّف. "الاسْتِبْدَادُ أَصْلُ كُلَّ فَسَادٍ" (ع. الكواكبي).
  • الكوكب: كوكب: التَّهْذِيبُ: ذَكَرَ اللَّيْثُ الكَوْكَبَ فِي بَابِ الرُّبَاعِيِّ، ذَهَبَ أَن الْوَاوَ أَصلية؛ قَالَ: وَهُوَ عِنْدَ حُذَّاق النَّحْوِيِّينَ مِنَ هَذَا الْبَابِ، صُدِّر بكافٍ زائدةٍ، والأَصلُ وَكَبَ أَو كَوَبَ، وَقَ …
  • الوقاد: الوِقادُ : ما تُوقَدُ به النَّار من حطب ونحوِه؛ خرج الرَّجل يَجْمع وِقاداً من الغابةِ.
  • تصرم: [ص ر م]. (فعل: خماسي لازم). تَصَرَّمْتُ، أَتَصَرَّمُ، مصدر تَصَرُّمٌ. 1."تَصَرَّمَتِ السَّنَةُ دُونَ أَنْ نُنْجِزَ شَيْئاً" : اِنْقَضَتْ. "تَصَرَّمَ اللَّيْلُ". 2."تَصَرَّمَ الرَّجُلُ" : تَجَلَّدَ.
  • عوادي: العَوَاد : الكراهة؛ ما تركت هذا الشخص إلاَّ عواذا منه.

قصائد ذات صلة

  • خرت لعزة شعرك الشعراء
  • أبكي بليل حف بالظلمات
  • قد سرت بين نواظر ودموع
  • ما الروض بعد البلبل المترنم
  • من كل زهر قد جمعت قليلا
  • الزهر أكبر مصرع الصداح
  • كثر الألى قد أبنوك دفنيا
  • للناس من شعر تركت جمال