إِنَّ حزني في أَرض بغداد بادي
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الخفيف
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 133 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إِنَّ حزني في أَرض بغداد بادي ... كل يوم في شدة واِزديادِ
ربّ أَبدل لي قربها بالبعاد ... إن بغداد وهي أم البلاد
كرهتها نَفسي وملَّ فؤادي ... أَنا مِن بَغداد وَبَغداد مِنّي
مبدياً ضجرة وَمنها التجني ... وَلَقَد ساءَ بالعَواقِب ظني
نجني رب نجني رب إني ... قَد سئمت الحَياةَ في بَغداد
إنني عائشٌ بها بين قوم ... ليس من نوع ما يسومون سومي
ليتهم ينتهون إذ طال لومي ... ما أقاسيه ثَمَّ في كل يوم
شفّ جسمي وفتَّ في الأعضادِ ... لبَّثتني عوائقي تلبيثا
في ديار بالظلم فيهنَّ عيثا ... بين قوم لا يَفقهون حَديثا
ساقهم للشقاء سوقاً حَثيثا ... ما بهم من جهالة وَعناد
كم لهم من صحائفٍ سوَّدوها ... بخطايا منهم بها خلَّدوها
فتن إن تقادمت جدّدوها ... كلما نارها انطفت أوقدوها
بالوشايات أيَّما إيقادِ ... إنني في يم تلاطَم شرّا
بين أَمواجٍ أزبدت لَيسَ يُدرى ... أَي موج يَكون لي فيه قَبرا
إنما زورقي توسط بحرا ... ثار فيه الأمواج كالأطواد
كل يوم مصيبة تتجدد ... ليَ فيها ومشكل يتولد
وعــــدوّ بــــشــــرّه يــــتــــوعــــد ... بلدة عفتها على أنني قد
كان فيها لشقوتي ميلادي ... بلدة عمَّ جانبيها الخراب
ما بها عن قتل النفوس اجتنابُ ... في حماها الذي دهاه اغتصاب
للعذارى من الدماء خضاب ... في زمان الأعراس والأعيادِ
ظهرت في عز الجمال وبانت ... قبل هذا بأعصرٍ ثم هانت
وإلى الظلم والعذاب استكانت ... أصبحت للشقاءِ أرضاً وكانت
في زمان الرشيدِ أرض رشادِ ... أصبحت بعد ذاك بغدادُ أرضاً
لنفوس من الجهالة مرضى ... في رجالٍ لا يستطيعون نهضاً
أين بغداد في زمان تقضَّى ... حيث كانت بغداد أرقى البلادِ
أين تلك الآمالُ تلك الأماني ... أين تلك الرياضُ تلك المجاني
أين تلك الربوع تلك المغاني ... أين تلك الشبان تلك الغواني
أتواصوا جميعهم بالنفادِ ... أين ذهن قد كان يشبه برقاً
سرعةً في فهم الأمور وخفقا ... حرقته نار التوقُّدِ حرقاً
إنك اليوم لو تفتش تلقى ... جمرة منه في ركام الرمادِ
وَيحَ قَلبي فإنه قد ريعا ... حينَ سارَ الأظعان سيراً سَريعا
عَن ربوع كانوا لهنَّ رَبيعا ... فالبسي إِذ قضوا وَبادوا جَميعا
لهم يا بَغدادُ ثوب الحداد ... لا تُقِم بالديار فهي خلاء
فارقتها الدُّمى وعزَّ اللقاءُ ... ارتحل فالبقاءُ فيها شقاء
ذُمَّ في هذه الربوع بقاء ... بعد سلمى وزينبٍ وسعادِ
لبست من وشي النظام برودا ... في زمانٍ قد انقضى لن يعودا
ليــــته دام ظلُّه ممدودا ... هي كانت للعلم فيه عهودا
جاد تلك العهود صوبُ العِهادِ ... إن حكم الزمان في الناس ماضي
إنه لو علمت أحكم قاض ... رضى المرءُ أو غدا غير راضي
كل ملك فإنه لانقراض ... كــــل كــــون فإنه لفسادِ
أَهل بَغداد بدَّلوا الصدق زورا ... رب لا كانَ ذنبهم مغفورا
زَرَعوا للشرور فيها بذورا ... أَيُّها الزارِعونَ فيها شرورا
سوف لا تحمدون يوم الحصاد ... أهلها لا كانوا هنالك أهلا
ذهلوا عن طريقة العلم ذهلا ... وسعوا يطلبون بالعلم جهلا
أيها السائرون في الجهل مهلا ... ستذمون سير هذا الوادي
من يكن عالما فليس يُحقَّى ... علماءُ البلاد أعلى وأكبر
إنهم كالجبال قدراً على الأر ... ضُ وإن الجبال كالأوتادِ
بعد ربي من كل ما يُتصور ... بي وإن هان عند قَومي حَياتي
أَهلُ بَغداد قد رقوا دَرَجات ... فَلَهم باسمي شهرة في الجهات
أَنا كالصفر لست شَيئاً بِذاتي ... وأَزيد المقدار للأعداد
ستثير الأيام فيها دخانا ... ويزيد الفساد آناً فآنا
ليت من كان مفسداً لا كانا ... كلما جئتها لِأُصلحَ شانا
سارع المفسدون للإفسادِ ... إن نفسي يا ويح نفسي تُحسُّ
ألما ما حسَّته تاللَهِ نفسُ ... كبدٌ لي مقروحة لا تجس
يا طيب الأدواء إنك نَطس ... هل تداوي القروح في الأكبادِ
قد كسبنا علماً لنكسب قدرا ... ما حسبنا أن يُحسب العلمُ وِزرا
في بلاد الجهل أمست مقرّا ... هجرتها أفاضلُ الناس هجرا
بعد أن كانت كعبة القصادِ ... أَيُّها العلم أَنتَ في الشرق نكرُ
وأثامٌ وَأَنتَ في الغرب فخرُ ... بك تؤذَى ناس وَناس تسر
فيك نفع وَفيك يا علم ضر ... إنما أَنتَ جامع الأضداد
حالة في بغداد لا ترتضيها ... مذ خلت من علومها وذويها
ليس منها فيها سوى مدّعيها ... قل لمن جاء يبتغي العلم فيها
عطلت من معلِّميه النوادي ... أهملوا إذ توهموا الغَيَّ رشدا
في حياة لهم جهاداً وجهدا ... فأُعيضوا من ثروة الملك فقدا
جهلوا لا هداهمُ اللَه قصدا ... أنه في الحياة كل الجهادِ
إن أرضاً لها يقال العراق ... قبحت من رجالها الأخلاقُ
كل ما فيهمُ فليس يُطاق ... نخوة عن وقاحةٍ ونفاقُ
معَ لؤمٍ وصِلَّةٌ في تمادي ... إن حــــــريـــــة الكـــــلام رداح
تتفانى في حبها الأرواحُ ... غادة وصلها لغيري مباح
أعلى من يقول حقاً جناح ... ربِّ قد طال كربتي واضطهادي
وعدتني قرباً ولم تف وعدا ... بل أراها تزيد في البعد بعدا
وجد الوحش في المعاهد معدى ... بعد سعدي إن العدالة سعدي
ليت سعدي مقيمة في بلادي ... أيها العدل أنت أنت الحبيب
إن عيشي ما غبتَ ليس يطيبُ ... ما لمن قد دعوته لا يجيب
كل هذا الصدود منه عجيب ... أعدَته عن الوصال العوادي
جئت يوماً إلى حِماه أخبُّ ... فسباني منه الجمال الأحبُّ
فإليهِ ما زلت من ذاك أصبو ... وله انقادَ فيه مِنّيَ قلب
كان لولا الغرام صعب القيادِ ... فاق منه الجمالُ كل جمال
لست أدري وحبُّهــ شغل بالي ... البــــخــــل قد صد أم لدلال
أنا في حبه مريض فمالي ... لا أراه يــــجــــئ في عوَّادي
إن ذاك الحبيب جمُّ المحاسن ... حبه في غيابةِ القلب كامن
وهو صعب الحصول غير مواطن ... يطلب الناسُ أن ينالوه لكن
دون ما يطلبون خرطُ القتادِ ... ليس فيكم لا درَّ درُّ أبيكم
من يحامي عن حوضكم ويقيكم ... فأملوا ذاك في ذراري بنيكم
واصبروا ربما سيولد فيكم ... رجل باسل طويل النجادِ
إنما حادث الليالي موالي ... للأَعادي ما للأعادي وَما لي
كيدهم فوق طاقَتي واحتمالي ... ارحميني يا حادِثات اللَيالي
لا تعيني عليّ كيد الأعادي ... أَنتَ يا عدل كالضياء وأجملْ
ما لآسٍ إلا عليك المعوّل ... بك أحلام لَيلنا نتأول
أَيُّها العدل إنما أَنتَ للقل ... ب مــــراد وَفــــوق كــــل مــــراد
أَيُّها العدل أَنتَ بدر التَمام ... قَد توارى لَيلاً وَراء الغمام
أَبدُ كيما تشقَّ جيب الظلام ... كَم كِرام تحت التراب نيام
يشبهون السيوف في الأغماد ... ربِّ أنت الخبير أنت اللطيف
ربِّ إني كما علمت ضعيفُ ... ربِّ إن السجون ربِّ تخيف
ربِّ يا ربِّ إن جسمي نحيف ... ليس لي طاقة على الأصفادِ
ويح نَفسي مِمّا تعانيه نَفسي ... إن يَومي في بؤسه مثل أَمسي
أَنا بالموت وحده متأسي ... عل عَيني إذا تبوأت رَمسي
تَستَطيب الرقاد في الألحاد ... ليَ في كربتي سبات عميقُ
أنظر الموت حين منه أُفيق ... مثلما ينظر الصديقَ الصديق
إنــــه وحــــده عَلَيَّ شفيق ... سينجيني من ذوي الأحقادِ
للمنايا لو يعلم المرء فضل ... إذ بها من همومها النفس تخلو
يتساوى هناك عزّ وذل ... إن طول الرقاد في القبر يحلو
لي بعد العنا وطول السهادِ ... المَنايا لطف فلولا المَنايا
خلدت في الشقاء هذي البَرايا ... بالمَنايا انقضاء كل القَضايا
في المَنايا نهاية للرزايا ... للمَنايا عَلى البرايا أَيادي
قل لمن مات ثاوياً قَرَّ عينا ... إنك الآن قد تأَدَّيت دينا
حين لاقيت فقي كروبك حَينَا ... إن للموت في الكروب علينا
منناً كالأطواق في الأجيادِ ... ليَ ظن أو أنهُ بعض وهم
يذهب الفيلسوف منه لذمي ... أن سيرقى روحي لألمع نجم
وسيبقى في وهدة القبر جسمي ... هل إلى الجسم حاجة في الوهادِ
ليس في فسحة المجرة ضيق ... إنها للأرواح نعم الطريقُ
هل لنفسي إذا تعالت مُعيق ... نظرٌ لي إلى السماءِ عميق
يتحرى نهاية الأبعادِ ... حين يهتز في الفضاءِ الأثير
أين تمضي أمواجه وتسيرُ ... لست أدري وهل بذاك خبير
أَعلى الروح في الثريا أمير ... مثلما في الثرى على الأجسادِ
حُسنُ هذي النجوم يا روح يقضى ... إن في الجو مرتقى لك يُرضى
بعضها في نظامها فوق بعض ... إنما نحن ساكنون بأرض
هي أدنى مراتب الإيجادِ ... ارتقى يا نفس ارتقى للسماء
والحقى بالشعري وبالجوزاءِ ... ثم بيني للأرض بعد المساء
مثل نجم مغلفٍ بضياء ... هو للمدلجين في الليل هادي
لا تلاقين في السماء خصوما ... لا ولا ظالما ولا مظلوما
ليس عيشٌ في جوِّها مذموما ... إن في أعماق السماء نجوما
سابحات سبحاً بغير استنادِ ... سبحت في الفضاء عرضاً طولا
ساقها سائقٌ لها أن تجولا ... معقبات بعد الطلوع أفولا
يقرأُ الفيلسوف فيها فصولا ... من كتاب الدهور والآبادِ
كل نجم منها بدون شبيه ... دائر في بعدٍ بوجه وجيهِ
فلك جاز كل عقلٍ نبيه ... المبادي مثل النهايات فيه
والنهايات فيه مثل المبادي ... رُبَّ ناهٍ في مصر وهو خليلي
حاسب دجلةً كوادي النيل ... عاذل لي على البكا والعويل
ما لديه علم بخطبي الجليل ... أنا في واد والعذول بوادي
أنتم الناس أيها السعداء ... ما أصابت بلادكم ضراءُ
لكم الروح إن قبلتم فداء ... ما عليكم وأنتم قدراء
لو مددتم لنا يدا الإسعاد
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- التجني: (جَنَيَ) الْجِيمُ وَالنُّونُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَخْذُ الثَّمَرَةِ مِنْ شَجَرِهَا، ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، تَقُولُ جَنَيْتُ الثَّمَرَةَ أَجْنِيهَا، وَاجْتَنَيْتُهَا. وَثَمَرٌ جَنِيٌّ، أَيْ أُخِذَ لِوَ … (مقاييس اللغة)
- بالبعاد: بعد: البُعْدُ: خِلَافُ القُرْب. بَعُد الرَّجُلُ، بِالضَّمِّ، وبَعِد، بِالْكَسْرِ، بُعْداً وبَعَداً، فَهُوَ بِعِيدٌ وبُعادٌ؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ، أَي تَبَاعَدَ، وَجَمَعَهُمَا بُعَداءُ، وَافَقَ الَّذِينَ يَقُولُونَ فَعيل الذي … (لسان العرب)
- سومي: سوم: السَّوْمُ: عَرْضُ السِّلْعَةِ على البيع. الجوهري: السَّوْمُ في المبايعة يقال منه ساوَمْتُهُ سُواماً، واسْتامَ عليَّ، وتساوَمْنا، المحكم وغيره: سُمْتُ بالسلْعةِ أَسومُ بها سَوْماً وساوَمْت واسْتَمْتُ بها وعليها غاليت … (لسان العرب)
- عائش: عيش: العَيْشُ: الحياةُ، عاشَ يَعِيش عَيْشاً وعِيشَةً ومَعِيشاً ومَعاشاً وعَيْشُوشةً. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: كلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِهِ مَعاشاً ومَعِيشاً يصْلُح أَن يَكُونَ مَصْدَرًا وأَن يَكُونَ اسْمًا مِثْلُ مَعابٍ ومَعِ … (لسان العرب)
- قربها: قرب: القُرْبُ نقيضُ البُعْدِ. قَرُبَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، يَقْرُبُ قُرْباً وقُرْباناً وقِرْباناً أَي دَنا، فَهُوَ قريبٌ، الْوَاحِدُ وَالِاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِ … (لسان العرب)