كل الَّذين عَن المواطن غابوا
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الباء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
كل الَّذين عَن المواطن غابوا ... يا أم إلا أحمداً قد آبوا
يا أم قد جاءَ البَريد ولَم يجئ ... من أَحمَدٍ يا أم بعد كتاب
أَخبرته يا أم في كتبي له ... أني مرضت فَلَم يوافِ جواب
يا أم إن بقاءَ أحمد غائباً ... للصبر مني والعزاء غياب
يا أم في قلبي اضطراب ماله ... يا أم عن قلبي الشقيِّ ذهاب
يا أم مثلي وَالزَمان أمضّني ... يا أم لَيسَ عَلى البكاء يعاب
ما كانَ ظني أن أَحمد مزمع ... عني رَحيلاً لَيسَ منه مآب
يا أم إني اليوم صرت بأَحمدٍ ... بعد الوثوق بعهده أرتاب
قالَت لَها الأم الشَفيقة خولة ... ما كل ظنّ يا سعاد صواب
أَسعاد أَنت مريضة وأَخاف أن ... تزداد فيك من الأسى الأوصاب
لا تَتْهميه بالسلو فَربما ... عاقته في أَسفاره أَسباب
قَد يوقف الإنسان عَن منويِّه ... ما لَيسَ قبلاً يَحتَويه حساب
لي من تأخر كتبه عنا نعم ... عجب إذا فكرت فيه عجاب
لكن ذلك قَد يَكون لباعث ... ظني بكشف غطائه كذاب
وَلننتظر يومين بعد فربما ... تأتي لنا بحديثه الأصحاب
إنَّ الحَقيقَة عند ذلك تَنجَلي ... فَيَزول عنا هَذا الاستغراب
زارَت سعاداً في المَساء صَديقةٌ ... للدمع فوق خدودها تسكاب
قالَت لَها ما لي أَراك كَئيبةً ... أَرَبابُ ماذا تَعلَمين رباب
لِم أَنت ساكتةٌ بربك أَخبري ... هَل عض أَحمدَ للحَوادِث ناب
لا تَكتمي عني مغبة أَحمَدٍ ... أَلَهُ بسوءٍ يا رباب أَصابوا
ماذا سمعت تحدثي فَقَد اِلتَوت ... مني لأجل بكائك الأعصاب
قالَت عزاءَك يا سعاد تجلدي ... فَلَقَد تقوَّض للرجاء قباب
إن اللصوص أَتوا بليلٍ أَحمداً ... واِغــــتــــاله طمع لهم غلاب
قَد جاءَ في هَذا لِزَوجي قاسم ... من صاحبٍ هَذا الصباح كتاب
أَخذت سعاداً رجفة عَصبية ... من هول ما سمعت وَضاع صواب
فكأنما نبأُ الفَجيعَة جذوةٌ ... وَكــــأَنَّمــــا إِخبارها إِلهاب
من بعد ما اِحترقت بها اِنقضَّتْ كما ... ينقضُّ من كبد السماء شهاب
وَتقلَّبت فوق التراب كأنها ... حملٌ تعجَّلــ ذبحَهُ القصّاب
سقطت وَقَد خطف الرزية لونها ... فكأنها فوق التراب تراب
رفعت إليها الأم واطئَ رأسها ... وغدت تسائلها وليس تجاب
ثم اِرعوَت من بعد ساعة غيبةٍ ... تَبكي كأن عيونها ميزاب
وَتَقول يا أم استبد بحكمه ... فيَّ القضاء فَلي عليه عتاب
يا موت إنك أَنت حلو فاِقترب ... إنَّ الحَياة من المرارة صاب
يا موت غيري إن يَهبَك فإنني ... أنا لا أهابك والحياة أهاب
أمنيتي قد صرت من أمنيتي ... أمنيتي أنَّ الحَياة عذاب
يا أم قد أَتَت الحتوف تزورني ... أَهلاً وَسهلاً أَيُّها الأحباب
يا أم منها استوهبي لي مهلة ... يا أم حتى ترجع الغياب
يا أم إن هناك أحمد يَبتَغي ... عــــــوداً إِليَّ ودونـــــه الأبـــــواب
ما تلك أَبوابٌ فَقَد حققتها ... بل إنها بين الطَريق هضاب
وكأَنَّما في كل قمة هضبة ... يا أم من تلك الهضاب غراب
غربان بينٍ في الروابي وُقَّعٍ ... منها يدوّي في الفلا التنعاب
وأَرى الطَريق أمام أَحمد واضحاً ... لكــــن عــــليــــه يا سلام ذئاب
يا رب عونك فالذئاب تلوح لي ... مثل اللصوص وَفي الأكف حراب
يا أحمد اثبت في مكانك باسلاً ... لا يوهننّك منهم الإرهاب
كن حيث أنت وَلا تخف ستجيء من ... قبل الحكومة ذادةٌ أنجاب
تأتي لخفرك بعد عشر دقائق ... منهم كهولٌ لا تني وَشباب
درء الحكومة عَن رعيتها الأذى ... متحتِّمــ وَلَها الحماية داب
وَسيقبضون عَلى اللصوص وَتَنتَحي ... بهمُ السجون وإن ذاك عقاب
وَتَعود مخفوراً إِليَّ مشيعاً ... فيُقرُّ هذي العين منك إِياب
يا أم قَد هَجموا عليه بجمعهم ... في مرة وَالهاجمون صعاب
يا أم وهو مدافع عَن نفسه ... يا أم ما إن أحمدٌ هيّاب
شرعت حراب الهاجمين تنوشه ... لِلَّه أحــــشــــاءٌ هــــنــــاك تصاب
قَد خرَّ من أَلم الجراح لجنبه ... وَتلطخت بدمائه الأثواب
قَتَلوا حليلي أمسكوهم إنهم ... فروا إلى تلك الشعاب وَغابوا
قَتَلوه وَيلي ثم وَيلي غيلة ... والقــــاتِــــلون أســــافلٌ أَذناب
أين الحكومة أين أين رجالها ... ناموا وَنوم أولي الحراسة عاب
أخذت تسليها هنالك خولةٌ ... وَسحاب همّ سعادَ لا ينجاب
حتىّ قَضَت حزناً وذلك بعدما ... عبثت بناعم جسمها الأوصاب
فتبوأت جدثاً به نامَت سقى ... جدثاً به نامَت سعاد سحاب
كانَت كعاباً في غضير شبابها ... لو أخَّر المــــوتَ الزؤامَ شــــبــــاب
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- البريد: ريد: الرَّيْد: حَرْفٌ مِنْ حُرُوفِ الْجَبَلِ. ابْنُ سِيدَهْ: الرَّيْدُ الحَيْدُ فِي الْجَبَلِ كَالْحَائِطِ، وَهُوَ الْحَرْفُ الناتئُ مِنْهُ؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ، وَقِيلَ صَخْرُ الْغَيِّ، يَصِفُ عُقاباً: فَمَرَّتْ عَلَى ر … (لسان العرب)
- المواطن: وطن: الوَطَنُ: المَنْزِلُ تُقِيمُ بِهِ، وَهُوَ مَوْطِنُ الإِنسان وَمَحَلُّهُ؛ وَقَدْ خَفَّفَهُ رُؤْبَةُ فِي قَوْلِهِ: أَوْطَنْتُ وَطْناً لَمْ يَكُنْ مِنْ وَطَني، ... لَوْ لَمْ تَكُنْ عاملَها لَمْ أَسْكُنِ بِهَا، وَلِمَ أ … (لسان العرب)
- الوثوق: وثق: الثِّقَةُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ وَثِقَ بِهِ يَثِقُ، بِالْكَسْرِ فِيهِمَا، وِثَاقَةً وثِقَةً ائْتَمَنَهُ، وَأَنَا واثِقٌ بِهِ وَهُوَ مَوْثُوقٌ بِهِ، وَهِيَ مَوثوقٌ بِهَا وَهُمْ مَوْثُوقٌ بِهِمْ؛ فأَما قَوْلُهُ: إِلَى غَ … (لسان العرب)
- بعهده: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب … (لسان العرب)
- ذهاب: ذهب: الذَّهابُ: السَّيرُ والمُرُورُ؛ ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهاباً وذُهوباً فَهُوَ ذاهِبٌ وذَهُوبٌ. والمَذْهَبُ: مَصْدَرٌ، كالذَّهابِ. وذَهَبَ بِهِ وأَذهَبَه غَيْرُهُ: أَزالَه. وَيُقَالُ: أَذْهَبَ بِهِ، قَالَ أَبو إِسحاق: وَهُ … (لسان العرب)