لَقَد كانَ في بَغداد للشؤم يأَمرُ
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 66 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لَقَد كانَ في بَغداد للشؤم يأَمرُ ... عَلى فرقة من فيلق الترك جعفرُ
وَكــــــانَ له زوج وكــــــان ركــــــونُه ... إليها كَثيراً فهي تنهى وَتأمر
تسمى زليخاً وَهيَ شمطاءُ فظةٌ ... من الناس طراً بالقَساوة تذكر
وكانَ له منها فتاة جَميلةٌ ... قَد اِشتَهَرَت واسم الجَميلةِ دلبر
وَجارية في بيته شركسيةٌ ... تسمى سُليمى وَهيَ عَذراءُ معصر
مهفهفة رود كأن قوامها ... قضيب من الليمون غضٌّ منوَّر
لها نظر كالسيف ماض غرارُهُ ... وَوجه كمثل الزهر أَو هو أَزهر
تكاد بفرع طال منه غدائرٌ ... ثلاثٌ إذا ما أَسبلتهنَّ تعثر
تَفوق عَلى بنت الأمير بحسنها ... وأخلاقها فيما يقال وَيخبر
وَقَد جاءَ أن البنت دلبر نابها ... عياء من الجدريّ بالمَوت ينذر
فأنشب فيها الداء أَظفار فتكه ... وأعجز من قد كان في الطب يمهر
فَماتَت به في ميعة من شبابها ... وَسيقت إلى حيث الأكابر تقبر
إلى حيث لا يرجى مآب لراحل ... إليه وَهَل من مورد الموت مصدر
وإن الَّذي قاسَت زليخا من الأسى ... عَلى دلبرٍ فوق الَّذي يُتصور
بكتها سليمى بالدموع غَزيرة ... وَباتَ عليها قلبُها يتفطر
وَلكن بكاها المستمر لحزنها ... عَلى دلبرٍ ما كانَ يُجدي وَيثمر
فإن زليخا كلما بصرت بها ... أحست بنار في الجوانح تسعر
فتسخط إذ لا شيء يوجب سخطها ... وَتشتمها في وجهها وَتحقِّر
وَترفسها من غير ذنب برجلها ... وَتوجع ضرباً بالعصا وَهيَ تصبر
لَقَد أَشفق الخدامُ في القصر كلهم ... عليها ولكن من عَلى المنع يجسر
أَبت أن تراها كل يوم جميلة ... وَدلبر تبلى في التراب وَتدثر
تَموت بريعان الشَبيبة بنتُها ... وَتَحيا سليمى في محاسن تكثر
تَقول أَلا لَيتَ المَنايا تجنبت ... فَتاتيَ واحتلت بمن تتخير
وَلَيتَ المَنايا ما تخرَّمْنَ دلبراً ... وَغلْنَ سليمى فهي بالموت أَجدَر
وَهَل ذنب هَذا الدهر إذ غال دلبراً ... وأَبقى سليمى في الحَياة يُكفَّر
حَياة سليمى بعد ميتة دلبرٍ ... من الدهر ذنبٌ فادح لَيسَ يغفر
فدى دلبراً بل ساعةً من حَياتها ... كمثل سليمى أَلفُ بنتٍ وأكثر
وَظَنيَ أَنَّ الموت قد كانَ قاصِداً ... سليمى فَقالَت إنني أنا دلبر
وَتلك سليمى وَهي تومي لدلبرٍ ... فخذها ورح يا موت إنك تقهر
سليمى خدعت الموت حتى دللته ... عَلى دلبرٍ إن الَّذي جئت منكر
سأجزيك شراً بِالَّذي قد عملته ... من الشر إني يا سليمي لأقدر
أشوه وَجهاً طالَما بجماله ... فتنت عيوناً نحو وجهك تنظر
فيصبح منك الوجه قد زالَ حسنه ... جَميعاً وَمنه الناس أجمع تسخر
وَصاحَت بخدامٍ لديها فجندلوا ... سليمى كشاةٍ بالقساوة تجزر
فقصت زليخا فرعها من أصوله ... وَكانَ يَزور الأرض ساعة ينشر
وَنتفت الأهداب منها وحلَّقت ... حواجبَ زجاً راق منهن منظر
سمعت عويلاً في دجى اللَيل راعني ... وَعــــلَّ به روعَ الملائكِ أَكبر
فَساءلتُ ما هَذا العويل فقيل لي ... فؤادٌ بإيقاع الأذى يتكسَّر
وَقَد كانَت الدار الَّتي نزلوا بها ... عَلى دجلة حيث المياه تحدَّر
سليمى اِرتقَت في سطحها بعد هجعة ... من الناس في الأطراف وَاللَيل مقمر
تفكِّر في اللَيل الَّذي ازدان جوه ... بما فيه من نجمٍ يغيب وَيظهر
وإشراق وجه الماء بالبدر لامعاً ... عليه من الأنوار ثوبٌ محبَّر
كأَنَّ الصبا ما أَولع النفس بالصبا ... عَلى الماء آلافاً من الماس تنثر
رأَت كل شيء في الطَبيعة غيرها ... جميلاً به تجلى العيون وَتبهر
وَلكنها دون الخَليقة كلها ... من الوجه يُمحَى حسنُها وَيُغيَّر
أَأَهرب من وجه الرَزايا إِلى الفلا ... إلى الغاب إن الغاب لا شك أستر
وَلكنني لا أَهتَدي لسَبيله ... فهَل من دَليل لي لدى اللَه يؤجر
وَهب أن لي ذاكَ الدَليل وأنني ... هربت فهَل يألو عَن البحث جعفر
إذا ظفرت بي عنده يد سيدي ... فإن زليخا من عذابيَ تكثر
وأحسن منه اللوذ بالموت إنه ... عَلى غيره عند الضَرورة يؤثر
فإن المَنايا لا يرجعنني إلى ... زليخا وإن كانَت بذلك تأمر
أموت أَجل إني أَموت فَفي الردى ... نَجاتي الَّتي ما زلت فيها أفكِّر
ألا أَيُّها البدر المنور إنني ... سأبلى وَبَعدي هَكَذا أَنتَ تسفر
لأنت سَعيدٌ أيُّها البدر فالتمِعْ ... كَما شئتَ لا زالَت بك الأَرض تزهر
فَما لزليخا أَيُّها البدر سلطة ... عليك وَلا إن رقت يا بدر توتر
وَداعا فإني أَيُّها البدر لا ترع ... إلى الموت من هَذا المَكان سأطفر
وَبــــعدئذٍ جازى الإلهُ بعدله ... بيوتاً بإيقاع الجرائر تعمر
رمت نفسها في دجلة فاِختفت بها ... كأن لم تكن شيئاً على الأرض يذكر
تفكرت في أَمر الحَياة فَما الَّذي ... تعلمت منه أيها المتفكِّر
تَرى زهرة قد أعجب العين لونها ... وفاح لها في الروض عَرفٌ معطر
تهب عليها الريح من بعد ساعة ... فتسقط من أَوراقها وَتُبعثر
وَتبصر عصفوراً تزين ريشه ... يغرد في عالي الغصون وَيصفر
فَيَلقاه صقر ذو مخالب أَجدَلٌ ... فيخطفه من قبل ما هو يشعر
وَمِمّا يسلِّي النفس منيَ علمُها ... بأن بقاء الشيء لا يتيسر
فيردى الَّذي قد كانَ للغير مردياً ... وَيقهر من قد كانَ لِلناس يقهر
وَلَم تكن الأشياء تفنى وإنما ... إلى صورة من صورة تتغير
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- الليمون: (لَيَمَ) اللَّامُ وَالْيَاءُ وَالْمِيمُ. يَقُولُونَ: اللِّيمُ. الصُّلْحُ. وَأَنْشَدْنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانُ قَالَ: أَنْشَدَ ثَعْلَبٌ: إِذَا دُعِيَتْ يَوْمًا نُمَيْرُ بْنُ عَامِرٍ ... رَأَيْتَ وُجُوهًا ق … (مقاييس اللغة)
- بفرع: فرع: فَرْعُ كُلِّ شَيْءٍ: أَعْلاه، وَالْجَمْعُ فُرُوعٌ، لَا يُكَسَّر عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ افْتِتاحِ الصَّلَاةِ: كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلى فُرُوعِ أُذُنَيْهِ أَي أَعالِيها. وفَرْعُ كُلِّ شَيْءٍ: أَعلاه. و … (لسان العرب)
- ركونه: ركن: رَكِنَ إِلَى الشيءِ ورَكَنَ يَرْكَنُ ويَرْكُنُ رَكْناً ورُكوناً فِيهِمَا ورَكانَةً ورَكانِيَةً أَي مَالَ إِلَيْهِ وَسَكَنَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَكَنَ يَرْكَن، بِفَتْحِ الْكَافِ فِي الْمَاضِي وَالْآتِي، وَهُوَ نَادِ … (لسان العرب)
- رود: رود: الرَّوْدُ: مَصْدَرُ فِعْلِ الرَّائِدِ، وَالرَّائِدُ: الَّذِي يُرْسَل فِي الْتِمَاسِ النُّجْعَة وَطَلَبِ الكلإِ، وَالْجَمْعُ رُوَّاد مِثْلُ زَائِرٍ وزُوَّار. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي صِفَةِ الص … (لسان العرب)
- زوج: زوج: الزَّوْجُ: خِلَافُ الفَرْدِ. يُقَالُ: زَوْجٌ أَو فَرْدٌ، كَمَا يُقَالُ: خَساً أَو زَكاً، أَو شَفْعٌ أَو وِتْرٌ [وِتَرٌ]؛ قَالَ أَبو وَجْزَة السَّعْدِيُّ: مَا زِلْنَ يَنْسُبْنَ، وَهْناً، كلَّ صادِقَةٍ، ... باتَتْ تُب … (لسان العرب)