لمـن أَنـا فـي تـاليك يا لَيل أَسمَعُ
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 92 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
لمـن أَنـا فـي تـاليك يا لَيل أَسمَعُ — نَــشــيــجــاً له صــوت يــهــب وَيَهـجَـعُ
وَقَــد يَــتَـمـادى سـاعـة ثـم يَـنـتَهـي — كــأَنَّ الَّذي يــرخــيــه قَــلب مــفـجـع
يـــصـــعّـــده مـــن داخِــل كــله أَســىً — فـيـبـسـطـه فـي الليل وَالليل يجمع
وَيَـعـلو إلى أَن يـحـسـب المـرء أنه — مــنــاجٍ لأبــواب الســمــوات يـقـرع
إذا أَنـتَ لم تـأخـذ بـضبعيه موصلاً — إلى المـلأ الأعـلى فَما أَنتَ تنفع
إذا النـجـم هَذا لَيسَ يسمع من بكى — فـقـل لي لمـاذا فـيك يا لَيل يطلع
أرى القَـلب مـنـي يَـرتَـضـيـه كـأَنَّما — صــديــق له هَـذا النَـشـيـج المـرجـع
فــأبـكـي كَـمـا يَـبـكـي لأنـيَ مـثـله — كَـــئيـــبٌ لأنـــي مـــثــله مــتــوجــع
ســأَلتـك مَـن هَـذا الَّذي أَنـا سـامـع — له فــيــك إِرنــانــاً أَتــى يـتـقـطـع
فَـيـا لَيـل أنـبـئنـي أَتِـلك حـمـامـة — تــنــوح عَــلى إلف نـأى لَيـسَ يـرجـع
فــجــاوبــنـي أن الَّذي قـد سـمـعـتـه — لذو نــبــأ شــاجٍ له القــلب يـهـلع
وربــك لم تــســجــع حــمـامـة أيـكـة — وَلكــن فـتـاة الحـيّ أسـمـاء تـسـجـع
لَقَـد روّعـوهـا ثـم نـامَـت عـيـونـهـم — وَلَيـــــسَ ســـــواءً نـــــائم وَمـــــروع
وَقَــد زوجــوهــا وَهــي غـيـر مـريـدة — بـشـيـخ كَـبـيـر جـاء بـالمـال يُـطمع
وَفــي الدار أزواج له غــيــر هــذه — ثــلاثٌ فَــوَدَّ الشــيــخُ لوْ هُـنَّ أربـع
ومــن بــعــد أيــام تــزف لبــيــتــه — فـتـعـنـو لحـكـم الشـيـخ فيه وَتخضع
تــضــاجــعـه فـي اللَيـل وهـو كـأَنـه — أبـوهـا فـقـل فـي أَمـرها كيف تصنع
هــنـاك سـتـشـقـى أَو تَـمـوت كـئيـبـة — عَـلى أَن مَـوت المَرء في الهمِّ أَنفع
هناك سَيَبدو اليأس وَالبؤس والأسى — لهــا وَتــلقّــاهــا المـصـائب أجـمـع
أللشـيـخ تـهـدى وَهـيَ تـرغب في فَتى — يُـسـمَّى نـعـيـمـاً نـور خـديـه يـسـطـع
فَـتـى هُـوَ يَهـواهـا وَيـنـزع نـحـوهـا — كَــمــا هــي تَهـواه كَـمـا هـي تـنـزع
وَقَـد أَخـبروه الأمر فهو من الأسى — سَـقـيـمٌ وَمـا فـيـه المـداواة تـنجع
له صـرخـة فـي اللَيـل إن نام أَهله — تــكــاد لهــا صــم الجــبــال تـصـدَّع
جـلوهـا عـروسـاً بـعـد سـبـعٍ فزمروا — وَفـي مَـرح الأفـراح خـبوا وأوضعوا
جـلوهـا عـروسـاً مـا بـها من غميزة — سـوى صـفـرة فـوق الأسـيـليـن تـلمع
وَذاكَ لحــزن بــات يــلســع قــلبـهـا — كــمــا أن أذنــاب العـقـارب تـلسـع
عــيــون كَـمـا شـاء المـصـوّر فـتـنـة — وَجـيـد كَـمـا أطرى أخو الشعر أتلع
فـزفـت إلى الشـيـخ الَّذي لشـقـائها — أتـى طـالِبـاً كـيـمـا بـهـا يـتـمـتـع
فَـقـالَت له لا تـدن يـا شيخ راغباً — فـأنـت أبـي بـل أنت في السن أرفع
تـصـابـيـتَ جـهـلاً بـعـد سـتـيـن حـجةً — وَتــســعٍ مــضــتْ هَــذا وَربِّكــ يــشـنـع
فـإن كـان مـنـك الشـيـب لَيسَ برادِع — لجـــهـــلك يـــا هَـــذا فــإنــيَ أَردع
وَلَكِـنَّ مـا بـالشـيـخ مـن شـهـوة غلت — أبـى أَن يـعـاف الشـيخ ما هو مزمع
فـقـطـب مـنـه الوجـه يـنـفـخ غـاضباً — وَمــد يــديــه جــاذِبــاً وَهــي تـدفـع
يَــقـول لهـا أَسـمـاء أَنـت حَـليـلَتـي — وَلا بــد مــن أنَّ الحَــليـلة تـخـضـع
أَحــــلك لي رب السَــــمــــوات إنــــه — حَــكــيــمٌ وإن الحــق مـا هـو يـشـرع
فَـلَمّـا رأت أن لا مـنـاص يـصـونـهـا — مـن الشـيـخ لمـا أَوشك الشيخ يصرع
أحــالَت عَــلى كــأس هــنــاك مــعــدة — مــن الســم واِهــتـشَّتـ لهـا تـتـجـرع
الانَ استرحنا واِستراحَت من السرى — ركــابٌ لنــا تـحـت الحـمـولة تـظـلع
الان انـتـهـيـنـا مـن مـسـافرة لنا — بــبــيــداء قــفـر لِلَّذي جـاب تـفـزع
الان فــرغــنــا مــن نــزاع دوامــه — يــضــر بــحــاجـات الضَـعـيـف وَيـوقـع
وَخَـرَّت بـفـعـل السـم فـيـهـا صَـريـعة — فَــيــا لَك مــن ســمٍّ هــنــالك يـصـرع
وَيــا لك مــن ســم هــنــالك نــاقــع — تــكــاد بــه أَحــشــاؤُهــا تــتــمــزع
وَألفــت نــعــيـمـاً وَالخَـيـال مـصـور — لَهــا واقــفـاً مـن حـيـث لا تَـتَـوقَّع
فــمــدت يـداً مـنـهـا إليـه مـشـيـرة — وَقـــالَت بـــصــوت راجــف يــتــقــطــع
أَتـى وَحـيـاض المَـوت بـيـنـي وَبـينه — وَجــادَ بـوصـل مـنـه إذ لَيـسَ يـنـفـع
نَــعــيـمُ إلى أسـمـاء سـارعْ وَضُـمَّهـا — فــإن الرَدى يَـدعـو وأسـمـاء تـزمـع
لَقَـد جـئت في وقت به الموت جاءَني — وَقَــد كــنـت أَرجـو فـيـه أنـك أَسـرَع
وَددت لَو اَنَّ المــوت يــبـطـئُ سـاعـةً — لعــليَ مــن مــرأى مــحــيــاك أَشـبـع
وَلســت بــإنــسـان مـن المـوت جـازع — فــإن طَــريـق المـوت للنـاس مـهـيـع
عَــلى أَيّ إحــســان الحَـيـاة وبـرهـا — أَطــيــب فــؤاداً بــالحَـيـاة وأَطـمـع
كــأَنَّ حَــيـاتـي حـيـن أَبـصـر لونـهـا — ســراب بِــبَــيــداءٍ بــدا يــتــلعــلع
وَلكـن قـبـل المـوت حـيـناً إذا أَتى — تـهـب عَـلى الإنـسـان نـكـبـاء زعزع
أَمـا قـلت خـذنـي حـيـث شـئت فـإنني — إليــك وَرَبِّيــ مــن بــنــانــك أَطــوع
حــثــثــتُـك مـراتٍ عَـلى أَن تـفـرَّ بـي — وَلكـن لسـوء الحـظ مـا كـنـت تـسـمع
يَــقــولون إن القــبــر داج فـنـاؤُهُ — يــضــارع لَيــلاً فــجـره لَيـسَ يـطـلع
أمــا فــي دجــاه مــن كــواكِــب لُمَّعٍ — فـإن الدجـى فـيـه الكـواكِـب تـلمـع
غَـداً يـقـف الأهـلون حـول جَـنـازَتـي — فــتــصــعــد أَنــفــاس وَتــنـزل أَدمـع
غـداة غـدٍ يـا لهـف نَـفـسـي عَـلى غدٍ — يـقـام عـلى الأكـتـاف نـعشي ويرفع
يـسـار بـه كـيـمـا يـعـيث به البلى — إلى حــفــرة كــانَــت أُعــدَّت وَيـوضَـع
غـداً أَنـا تحت الأرض أبلى وفوقها — تَرى الناس وجه الناس منهم وَتسمع
رويــدك يـا حـاثـي عـليَّ مـن الثَـرى — فــإنــي إلى دنــيــاي بــعـد لأنـزع
تـمـنـيـن يـا أسـمـاء شـعباً وَلعلعاً — وأيــن فــمــوتـي مـنـك شـعـبٌ ولعـلع
سَلام عَلى الدينا سَلام عَلى المنى — سـلام عَـلى العـيـش الَّذي كان يخدع
سـلام عَـلى الشمس الَّتي هيَ في غد — عَــلى فَــتــيــات الحـيِّ دونـيَ تـطـلع
ســلام عَــلى زهـر الرَبـيـع وَحـسـنـه — ســـلام عَـــلى روح بـــه يـــتـــضـــوع
كـذلك قـد كـانَـت لدى غـمـرةِ الردى — تـكـلِّم شـخـص الطـيـف وَالشـيـخ يخشع
كَــذلك قــد كــانَــت تــلهَّفـُ وَالهَـوى — عَـجـيـب إلى أن جـاءَها الموت يهرع
فَـلَمّـا بـدا صـبـح وَشـاعَـت فـجـيـعة — وَصاحَ بها الناعون وَالناس أَسرَعوا
أتـت أمـهـا تـجـثـو إلى جنب رأسها — وَتــلطـم حـر الوجـه وَالوجـه أَسـفـع
تَـقـول لَهـا وَالعَـيـن تـهمى وَقلبها — يــكــاد بــأظــفـار الأسـى يـتـقـطـع
أَريـحـانـتـي قَـد طـالَ رقدك فاِيقظي — أريـحـانـتـي مـن أَكـثر النوم يصدع
أَريــحــانـتـي مـا بـال خـدك ذابِـلاً — وَعَهــدي بــه بـالأمـس ريـان يـنـصـع
أَريـحـانَـتـي إنـا قـتـلنـاك ليـتَـني — هــلكــت وَمـا أَبـصـرت غـصـنـك يـهـزع
وَعـــض أَبـــوهـــا للنـــدامــة كــفــه — وَمــا إن له هـذي النـدامـة تـنـفـع
بــه غــلة يَـبـكـي لهـا مـلء جـفـنـه — لعـل البـكـا مـنـه لمـا فـيـه ينقع
رآهــا عَــلى وجــه الفـراش كـأنـهـا — عــروس هــوت كــسـلانـة فَهـي تـهـجـع
وَجــاؤا بــأزهــار الرَبــيـع وَنـوره — يـزيـنـون نـعـشـاً فـيـه أسماء تهجع
يــزيـنـون بـالريـحـان ظـاهـر هـودج — عــليــه عـروس الحـي أسـمـاء تـرفـع
وَطـافَـت بـذاكَ النـعـش مـن كل جانب — عـــيـــون رجـــال للرزيـــة تــهــمــع
مشى عالياً ما أوقر النعش إذ مشى — وَقَـــد رفـــعــتــه للمــقــابــر أذرع
يَــقــول نَـعـيـم وَهـوَ إذ ذاكَ قـابـض — مـؤخـرَ سـامـي النـعـش وَالنعش مسرع
لَقَــد ظـعـن اليـوم الرفـاق وإنـنـا — لنـمـشـي عَـلى الآثـار مـنـهـم نشيع
نـشـيـع نـاسـاً راحـليـن هـم المـنـى — إلى بـــلد فـــيـــه البـــلى وَنُــودّع
حَـبـيـبـة قَلبي كَيفَ أدفن في الثرى — شــبــابــك هَــذا وَهـو غـيـدان أفـرع
حَـبـيـبـة قَـلبـي إن قَـلبـي يخاف أن — يـعـيـث الثـرى يوماً بمن فيه يودع
فــيــفـسـد مـاءً فـي مـحـيـاك جـائلاً — وَيـطـفـىء نـوراً فـي جَـبـيـنـك يـلمع
حَـبـيـبـة قَـلبـي قـد رحـلت لغير ما — لقــاء وإنــي عَــن قَــريــب ســأتـبـع
فَــلَمّــا أَحـلوهـا فـواروا عـروسـهـم — بــمـلحـودة ضـاقَـت بـمـن هـيَ تـجـمـع
أكــبَّ نَـعـيـم بـاكـيـاً فـوق قـبـرهـا — وَقـالَ فـأبـكَـى كـل مـن كـانَ يَـسـمَـع
وَعــادوا بــه ذا رجـفـة يـسـنـدونـه — بــهــم لَيــسَ فـيـه للسَـلامـة مـوضـع
فَـعـاشَ سَـقـيـم الجـسـم خـمـسـة أَشهر — وَمـاتَ كَـذاك الحـب بـالنـاس يـصـنـع
فــواروه فـي قـبـر يـجـاور قـبـرهـا — عَــلى ربــوة إنــا إِلى اللَه نَـرجـع
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- النشيج: النَّشِيجُ : مصــ. -: الصوت المتردِّد في الصدْر؛ سمعتُ بكاءً ذا نشيجٍ مُردَّدٍ ** تكادُ له صُمُّ الصَّفا تَتَصدَّعُ. ج نُشُجٌ.
- تاليك: تَأَلَّى يَتَأَلَّى تَأَلَّ تَأَلِّياً [ألو]: أقسم وحلف.-: اجتهد؛ قد تأَلََّى في أمر هذا اللغز بلا نتيجة.
- مفجع: [ف ج ع]. (فاعل مِن أَفْجَعَ). "حَادِثٌ مُفْجِعٌ": مُؤْلِمٌ جِدّاً.