أريد لَو اِستَتَبَّ لي الخُلودُ

الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الوافر

هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أريد لَو اِستَتَبَّ لي الخُلودُ ... وَلَكِن أين مني ما أريدُ

عَلى أَنَّ البقاء يطيل همي ... وَما في ريثه ما أَستَفيد

وَلَيسَ بِنافِعي شَيئاً بَقائي ... وَقَد غصت بأصحابي اللحود

وَلكن كَيفَ إقناعي لنفس ... تعلُّقُها بدنياها شَديد

أأصبر عن أحبائي الألى قد ... ثَوَوا إني إذاً رجل جليد

مشوا للموت من دار أقاموا ... معي فيها فأقفرت العهود

تثير ديارهم حزناً بقلبي ... وتوحشني التهائم والنجودُ

فان يكُ في الأسى رجل وحيد ... فاني ذلك الرجل الوحيد

يسير إلى المقابر كلَّ يوم ... أخٌ منها التراب به يزيد

ولو عاد الذي يمضي سلونا ... ولكن من ترحَّلــ لا يعود

وما هي حالة الشهداء فيها ... أَأَيقاظٌ هنالك أم رقود

لعمرك لا يردُّ الموت حصن ... ولا هذي العساكر والجنود

يبيد نعم يبيد المرء لكن ... عناصره تدوم ولا تبيد

يدور الشيء من صفة لأخرى ... ولكن منه لا يفنى الوجود

وجسم المرء تبنيه خلايا ... زمانُ حياتها فيه زهيد

إذا ما مات منها فيهِ قسم ... يجيء مكانه قسم جديد

وينقطع التجدُّد حين يودي ... فلا يخضرُّ بعد اليبس عود

ألا إن الحياة أعزّ شيء ... نُحب وإنها الخصم اللَّدود

شقاءٌ عم هذا الناسَ حتى ... تشكَّى الشيخ منه والوليد

وقالوا بعض من يحيا سعيد ... فمن هو ذلك الحيُّ السعيد

أتعكس حالة الشرق الليالي ... فتجتمع المعارف والجدود

أثار الجهل في بغدادَ ناساً ... تجيش بهم على هضمي الحقود

وما ان لي إلى الجهال ذنب ... فيغريهم بنفسي أن يكيدوا

سوى أني مخالفهم وأني ... لكل خرافة منهم جَحود

عليَّ كلابهم هرّت فمن لي ... بِمخصَرة بها عني أذود

بُليت بثلة ضجوا وعجُّوا ... لأقوالي كأنهم القرود

بهائمُ رتّع لكن عليهم ... كإنسان تشكلت الجلود

وأشرافٍ لهم بالرغم منهم ... طريف المجد والمجد التليد

لعمرك لا يُنيل المجد مالٌ ... ولا خيلٌ ولا إبلٌ ترود

ولا ثوبٌ على طرفيه وشيٌ ... ولا قصر على تلّ مَشيد

دَعُوا باللَه دعوى المجد مَيناً ... فما أورت لكم فيهِ زنود

فإن المجد في أدب غزير ... وإن المجد في علم يفيد

وإن المجد ذبٌّ عن ضعيف ... تَهضَّمهُ أخو الظلم العنيد

وكم هُضمت ببلدتكم نفوس ... فطاب لكم عن النصر القعود

وإن يطلع عليكم قرن والٍ ... يَخِرُّ بكم إلى الأرض السجود

وهل علم الذين توعدوني ... بأَني لا يخوّفني الوعيد

وأني في مكاني ثابت لا ... تزلزلني الصواعق والرعود

ولست بِمَن إذا جلبوا يبالي ... بهم فلكل زوبعة ركود

أداري الحاسدين رجاء أن لا ... يبالغ في مساءتيَ الحسود

يضرُّ النفس منه أو يَقيها ... فتى يلج الحوادث أو يحيد

وأوقاتُ الفتى إما نحوس ... تدور على المصائب أو سعود

ليالٍ هن بالأفراح بيض ... وأيام من الأحزان سود

كذاك الشعر فهو يكون إما ... رديئاً لا يطيب به النشيد

وإمـــــا رائق الألفـــــاظ زاهٍ ... فتحسب أنه العقد الفريد

وذاك هو الذي إن أنشدوه ... تَزَيّنَ منه للآداب جيد

أقول الشعر منقاداً إليه ... بطبعٍ لي وأكثره قصيد

فأنظِمه ولا أدري أَأَني ... مسيء حين أنظم أم مجيد

إليك عَن المَجَرَّة لا تسلني ... وَعن عدد العوالِم كَم يَزيد

وَلا عما وَراء السحب منها ... فَذَلِكَ مطلب عنا بَعيد

حدود تَنتَهي الأفكار منا ... وَما إِن تَنتَهي تلك الحدود

وَبين الفرقدين عَلى اتصال ... تَراهُ عيوننا بُعدٌ مَديد

أَلكني يا ضياء إلى نجوم ... بعيدات لها منها وقود

يَراها من له لب شموساً ... ويعمه عَن حقائقها البَليد

وَجئْ منها بأَخبار إلينا ... فإنك بَينَنا نعم البَريد

سَترقى النفس طائرة إليها ... إذا اِنفكت عَن النفس القيود

لقد تعست هنا فإذا تعالت ... يكون نصيبَها عيش رغيد

لعمرك قد تَشابهت اللَيالي ... فَما في عودها شيء جَديد

نهار بعده يأتي نهار ... وَليــــل كُلما ولى يَعود

ترى عيني بكفِّ الموت قوساً ... بها سهم إلى جهتي سديد

فيا موت ارمني إن كنت ترمي ... فإني بالردى صبٌّ عميد

وَلَم أَرَ منهلاً كالمَوت عذباً ... عَلى طرفيه تزدَحِم الورود

أقول لمن يهاب الموت جبناً ... برغمك كائن ما لا تريد

ولكني أخلِّف عند موتي ... نساءً حزنها بعدي شديد

فتلدم للجوى منها صدور ... وتخمش للأسى منها خدود

مـــــرزَّأَة وأخـــــرى ذات نــــوح ... وأخرى ما لأعينها جمود

البحر والقافية

القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.

تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.

القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • التهائم: هيم: هامَتِ الناقةُ تَهِيمُ: ذهَبَت عَلَى وجهِها لرَعْيٍ كهَمَتْ، وَقِيلَ: هُوَ مَقْلُوبٌ عَنْهُ. والهُيامُ: كَالْجُنُونِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: كَالْجُنُونِ مِنَ الْعِشْقِ. ابْنُ شُمَيْلٍ: الهُيامُ نَحْوُ الدُّوارِ جنونٌ … (لسان العرب)
  • اللحود: حود: الحُمَّى تُحاوِدُه أَي تَعَهَّدُه؛ وَهُوَ يُحَاوِدُنَا بِالزِّيَارَةِ أَي يَزُورُنَا بَيْنَ الأَيام. وحاوِدٌ: اسم. (لسان العرب)
  • بدنياها: دنا: دَنا الشيءُ مِنَ الشيءِ دُنُوّاً ودَناوَةً: قَرُبَ. وَفِي حَدِيثِ الإِيمان: ادْنُهْ؛ هُوَ أَمْرٌ بالدُّنُوِّ والقُرْبِ، وَالْهَاءُ فِيهِ لِلسَّكْتِ، وجيءَ بِهَا لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ. وَبَيْنَهُمَا دَنَاوَة أَي قَرا … (لسان العرب)
  • بقائي: قَأَى: ابْنُ الأَعرابي: قأَى إِذا أَقَرَّ لخَصْمه وذلَّ. قَبَا: قَبا الشيءَ قَبْواً: جَمَعَهُ بأَصابعه. أَبو عَمْرٍو: قَبَوْتُ الزَّعْفَرَانَ والعُصْفُر أَقْبُوه قَبْواً أَي جَنَيْتُهُ. والقَابِيَةُ: المرأَة الَّتِي تلقُ … (لسان العرب)
  • بنافعي: نفع: فِي أَسماء اللَّهِ تَعَالَى النافِعُ: هُوَ الَّذِي يُوَصِّلُ النفْعَ إِلى مَن يَشَاءُ مِنْ خلْقه حَيْثُ هُوَ خالِقُ النفْعِ والضَّرِّ والخيْرِ والشرِّ. والنفْعُ: ضِدُّ الضرِّ، نَفَعَه يَنْفَعُه نَفْعاً ومَنْفَعةً؛ ق … (لسان العرب)
  • تثير: تثر: ابْنُ الأَعرابي: التَّواثِيرُ الجَلَاوِزَةُ. (لسان العرب)
  • تعلقها: علق: عَلِقَ بالشيءِ عَلَقاً وعَلِقَهُ: نَشِب فِيهِ؛ قَالَ جَرِيرٌ: إِذا عَلِقَتْ مَخَالبُهُ بِقِرْنٍ، ... أَصابَ القَلْبَ أَو هَتَك الحِجابا وَفِي الْحَدِيثِ: فَعَلِقَت الأَعراب بِهِ أَي نَشِبوا وَتَعَلَّقُوا، وَقِيلَ طَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • ما انت الا نادره
  • كل ما تبتغيه منا الحياة
  • قصيدة
  • ما الشعر الا نغم