تضمن منك القبر لَو يَعلَم القَبرُ
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل · الغرض: قصيدة رثاء
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 76 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تضمن منك القبر لَو يَعلَم القَبرُ ... أَديباً بكاه الناس وَالعلمُ وَالشعرُ
بكاه الندى لما أصيب به الندى ... بكاه الحجى والمجد والحسب الوفر
وَقفت عَلى قبر طوى أَقربَ الورى ... إِليَّ وَدمع الحزن من أَعيني نثر
على جدث موفٍ جديد ترابه ... هناك هناك الجود والنائل الغمر
هناك هناك العلم والفهم والنهى ... هناك هناك الفضل والصدق والبشر
هناك أخي عبد الغنيّ مغيَّب ... هناك شقيقي مؤنسي صاحبي البَر
فَيا قَبر أَنتَ اليوم أَكرم بقعة ... من الأرض ذاتَ العرض فيها اِنطوى حر
ليَ الويل من رزء عظيم أصابني ... وكسرٍ على الأيام ليس له جبر
فيا لهوَ أفراح الليالي وطيبها ... ويا سلوة الأيام موعدك الحشر
لعمري قد اِجتثت يَدُ المَوت دوحةً ... تَسامَت الى العلياء أغصانها الخضر
مضى من بهِ قد كان يسترُّ صحبُه ... فهل بعده يسترُّ من كان يسترُّ
لقد مات من قد كان للجود موئلا ... لقد مات من قد كان يحيا بهِ البر
لَقَد ماتَ مَن قَد ماتَ عزي لموته ... وَماتَ عزائي وَالسَكينة وَالصبر
لِنَفسي إذا ناجيت نَفسي ضراعة ... وأَوجه آمالي الَّتي بطلت غبر
وفي القلب حرٌّ فاض دمعي لأجلهِ ... على أن دمعي لا يبوح بهِ الحرّ
ذخــــرت لهــــذا أدمعي ولمثله ... فواخجلي في الرزء إن نفد الذخر
لعمرك ما موت اللئام خسارة ... ولكن موت الأكرمين هو الخُسر
يقتّلنا ريب المنون وما له ... سلاح ولا ناب هناك ولا ظفر
أتعلم هذي الناس أن حياتهم ... إلى الموت مهما التذ صاحبها جسر
وأن رضا الأيام عنهم خديعة ... وأن مصافاة الليالي لهم مكر
نعم جهلوا والجهل عذر مصيرهم ... ولو علموا ما اغتر من كان يغتر
أَعبد الغنيّ اسمع إذا كنتَ سامعاً ... نداء أَخٍ قد نابه بعدك الضر
نــــداءَ أخ ذم الحــــيــــاة لأنها ... إذا لم تكن يسراً لحاملها عسر
نداء أَخ قد زارَ قبرك سائِلاً ... لتخبره هَل صان أَوصالك القبر
أَم القبرِ لَم يحفظك حتى مشى البلى ... إلى ذلك الخد الَّذي دونه الزهر
بِنَفسيَ يا عبد الغنيّ وأسرتي ... وَفاؤُك وَالحسنى عفافك وَالطهر
على بُرحاءَ الشوق منا هجرتنا ... وزدت على ما ليس يبلغه الهجر
يعز عَلَينا أَن يلم بك الرَدى ... وَيذبل ذاكَ الزهر وَالورق النضر
لقد طفت عشراً حول قبرك لاثماً ... تراباً عليهِ ما له قبل ذا قدرُ
وأجريت من عيني دموعاً مصونة ... بها ابتل مني الخد والجيد والنحر
فأعززت تُرباً كان قبلك صاغرا ... وأذللت دمعاً من خلائقه الكبر
قضى اللَه رب الناس فينا بفرقة ... ولِلّه رب الناس فيما قضى الأمر
رحلت عَن الدُنيا وَخلفت للأسى ... أَخاً لك حلو العيش في فمه مر
أَخاً لك أَبكي الدهر بعدك عينَه ... وَقَد كانَ قبلاً فيك يضحكه الدهر
أَخاً لك لا شمس الضحى في نهاره ... تضيء وَلا في لَيله الأنجم الزهر
إذا ما نهارى جاء ساورني الأسى ... وإن جنَّ ليلي فالأسى عسكر مجر
وَما كانَ منك العمر قد بلغ المدى ... وَلكنما الأيام شيمتها الغدر
تعاقب أيامي برغم فتمِّحي ... ولا ينمحي من لوح فكري لك الذكر
قسمت الأسى بين المساء وصبحها ... فهذا له شطر وهذا له شطر
لذكراك في قَلبي ومن يأْسَ يدّكرْ ... جوىً هُوَ مثل الجمر أَو دونه الجمر
يَذوب بِصَدري القَلب من حرّ ما به ... وَذلك دَمــــعي لا بكيّ وَلا نزر
بكيتك حتى صار يرحمني البكا ... وترحمني البلوى ويرحمني الضر
يَقولون صبراً يا جَميل عَلى الَّذي ... أَصابك من رزء وأنى لي الصبر
ولو أن أحزاني بدجلة ما جرت ... ولو أنها بالصخر لانفطر الصخر
ولو أنها بالبر زلزل عرضه ... ولو أنها بالبحر لاضطرب البحر
وما أنس لا أنس اجتماعاتنا التي ... بها العيش قرت عينه فهي العمر
وَكُنّا غصوناً أَنتَ زهرة روضها ... وَكُنّا نجوماً أَنتَ من بينها البدر
لقد كنت للقطر العراقي سؤدداً ... وفخراً لو ان القطر دام له الفخر
وإذ صرَّح الناعي له بوفاته ... وقد راعني من أجل ما قاله الذعر
خررت مكباً وانتفضت بجملتي ... كما انتفض العصفور بلله القطر
وقلت كما الطائيُّ قال بعصره ... كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر
عذرت عيوناً فاض للرزءِ ماؤها ... وليس لعين لم يفض ماؤها عذر
فيا لك من خطب يضل له الهدى ... ويا لك من كرب يضيق به الصدر
ويا لك من رزءٍ له بتُّ واجما ... وبات فؤادي فيه يعروه ما يعرو
ثقيل على روحي سماع نعيه ... فيا لت سمعي كان عنه به وقر
وحين أتوا بالنعش من ضيعة له ... توُفىَ فيها صدَّق الخبرَ الخبر
فقام عويلٌ للنساءِ وضجة ... لها ارتجفت أرض المنازل والجدر
وصكت وجوه لم تكن قبلُ لطمت ... وأُرخى منها في مناكبها الشعر
فقمنا حوالي نعشه نندب العلى ... ونبكيه طول الليل حتى بدا الفجر
ولمــــا غسلناه وتمَّ جهازه ... وأُودع تابوتاً يجلله ستر
رفعناه بالأيدي وفوق خدودنا ... وفوق تراقينا مدامعنا نثر
مشى من صنوف الناس إذ ذاك خلفه ... بكاةً ألوفٌ ليس يحصيهم الحصر
ولما وصلنا الأعظمية ضحوة ... دفناه في قبر أتم له الحفر
نظرت بإمعان إلى قعر قبره ... إذا عرضه شبران بعدهما فتر
وأبنا إلى بغداد والناس ألسن ... تكرّر أوصافاً له كلها غرُّ
وقمنا بمرسوم العزاء لأجلهِ ... ثلاثة أيام بها يقرأ الذكر
فجاء إلينا الناس من كل وجهة ... يعزوننا في قولهم لكم الصبر
ويتلون الروح التي أمس قد نأت ... فواتح يهدى في تلاوتها الأجر
أيأمرني بالصبر قوم على الأسى ... وقد أهلكت أهل الليالي وهم كثر
وقد غالت الإخوان إلا أقلهم ... كأنهمُ ما ساعدوني ولا سروا
دهتهم فرادى واحداً بعد واحدٍ ... كأن الليالي عند أهلي لها وتر
أرى الموت وثاباً عَلَى كل موسر ... وكل فقير فات مجهوده اليسر
فقد نزع المثرين من عقرِ مالهم ... كأنهمُ من قبل ذلك لم يثروا
وغال أناساً مدقعين فلم يكن ... ثقيلاً وإن الموت يحمده الفقر
فيا موت زر أهل التعاسة إنه ... عظيم لدى من زرت منهم لك الشكر
لنا من حياة في تضاعيفها الأذى ... طريق إلى الراحات مسلكه وعر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الغمر: غمر: الغَمْرُ: الْمَاءُ الْكَثِيرُ. ابْنُ سِيدَهْ وَغَيْرُهُ: مَاءٌ غَمْر كثيرٌ مُغَرِّقٌ بَيِّنُ الغُمورةِ، وَجَمْعُهُ غِمار وغُمور. وَفِي الْحَدِيثِ: مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ كمَثَلِ نهْرٍ غَمْر؛ الغَمْرُ، بِفَتْحِ … (لسان العرب)
- الوفر: وفر: الوَفْرُ مِنَ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ: الكثيرُ الواسعُ، وَقِيلَ: هُوَ العامُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْجَمْعُ وُفُورٌ؛ وَقَدْ وَفَرَ المالُ والنباتُ والشيءُ بِنَفْسِهِ وَفْراً ووُفُوراً وَفِرَةً. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، … (لسان العرب)
- الويل: وَيَلَ: وَيْلٌ: كَلِمَةٌ مِثْلَ وَيْحٍ إِلَّا أَنها كَلِمَةُ عَذاب. يُقَالُ: وَيْلَهُ ووَيْلَكَ ووَيْلي، وَفِي النُّدْبةِ: وَيْلاهُ؛ قَالَ الأَعشى: قالتْ هُرَيْرَةُ لَمَّا جئتُ زائرَها: ... وَيْلِي عليكَ، ووَيْلِي منكَ ي … (لسان العرب)
- بكاه: بكأ: بَكَأَتِ الناقةُ والشاةُ تَبْكَأُ بَكْأً وبَكُؤَتْ تَبْكُؤُ بَكاءَةً وبُكُوءاً، وَهِيَ بَكِيءٌ وبَكِيئةٌ: قلَّ لبنُها؛ وَقِيلَ انْقَطَعَ. وَفِي حَدِيثِ عليٍّ: دخل عليَ رسول الله ﷺ، وأَنا عَلَى المَنامةِ، فقامَ إِلَى … (لسان العرب)
- ترابه: ربه: الأَزهري عَنِ ابْنِ الأَعرابي: أَرْبَه الرجلُ إِذَا اسْتَغْنَى بِتَعَبٍ شَدِيدٍ، قَالَ الأَزهري: وَلَا أَعرف أَصله. (لسان العرب)
- تضمن: ضمن: الضَّمِينُ: الْكَفِيلُ. ضَمِنَ الشيءَ وَبِهِ ضَمْناً وضَمَاناً: كَفَل بِهِ. وضَمَّنَه إِياه: كَفَّلَه. ابْنُ الأَعرابي: فُلَانٌ ضامِنٌ وضَمِينٌ وسامِنٌ وسَمِين وناضِرٌ ونَضِير وَكَافِلٌ وكَفِيلٌ. يُقَالُ: ضَمِنْتُ ا … (لسان العرب)
- جدث: جدث: الجَدَثُ: القَبْر. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: فِي جَدَثٍ يَنْقَطِعُ فِي ظُلْمته آثارُها أَي فِي قَبْرٍ، وَالْجَمْعُ أَجْداثٌ. وَفِي الْحَدِيثِ: نُبَوِّئهم أَجْداثَهم أَي نُنْزِلُهم قبورَهم؛ وَق … (لسان العرب)
- شقيقي: شقق: الشَّقُّ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ شَقَقْت العُود شَقّاً والشَّقُّ: الصَّدْع الْبَائِنُ، وَقِيلَ: غَيْرُ الْبَائِنِ، وَقِيلَ: هُوَ الصَّدْعُ عَامَّةً. وَفِي التَّهْذِيبِ: الشَّقُّ الصَّدْعُ فِي عُودٍ أَو حَائِطٍ أَوْ زُجاج … (لسان العرب)