هـلعـت قـلوب القـوم فـي اليـابانِ

الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

هـلعـت قـلوب القـوم فـي اليـابانِ — للبــحــر حــيــن طــغــى وَللنـيـرانِ

جُــزُرٌ غــليــن كــمــرجــلٍ فـتـهـدَّمـت — أَعـــلامُهـــا مــن شــدَّة الغَــليــان

وكــأن أَســبــاب السـمـاء تـقـطـعـت — وكـــأن قـــلب الأرض ذو خــفــقــان

عــرت البــلاد زلازلٌ فــتــقــوَّضــت — فــيــهــا بــهــنَّ مــنـازلٌ وَمَـغـانـي

سـل مـن أَلَمَّ بـهـا يـقـيـس خـرابها — مــاذا يــرى فـيـهـا مـن العـمـران

وكـأَنَّمـا اِعـتـاضَـت جـحـيـماً تَلتَظي — عَـــن جـــنــة مــلتــفــة الأغــصــان

أَرأَيــتُــمــا يــا أَيُّهــا القَـمـرانِ — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

صـعـقـت تـخـر إِلى الوجـوه حلولها — للصــيــحــة الكــبــرى بـكـل مَـكـان

مُــنــيَ القُــلوب وكــل حـي عـنـدهـا — والأرض ذات العــرض بــالرجــفــان

كَـم مـرضـعٍ ذهـلت لهـا عَـن طـفـلها — فــرمــت بــه عـنـهـا مـن الأحـضـان

وَكَــم اسـتـجـار أَبٌ عَـليـل بـابـنـه — فـــأَشـــاح بــالإعــراض وَالخــذلان

كــل اِفــتــراقٍ لا أبــا لك هــيــنٌ — إلا افــتــراق الروح والجــثـمـان

مــا للأعــزة فـي مـنـاعـة أَرضـهـم — هـانـوا وَمـا خـلقـوا بـهـا لهـوان

أَرأَيــتُــمــا يــا أَيُّهــا القَـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

نــــار وَطـــوفـــان وَزلزال مـــعـــا — لَم تُــبــق مــن صــرحٍ ومــن إيــوان

أكـئبْ بـهـاتـيـك الطـلول وَما بها — مــن مــشـهـدٍ يـدعـو إلى الأشـجـان

تَـبـكـي العـيونُ عَلى عفاء ربوعها — وَمــصــارع الفــتــيـات وَالفـتـيـان

يــا للشـقـاء وَنـكـبـة نـزلت بـمـن — نَــزلوا بــتــلك الأرض مــن سـكـان

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

أَخـذت تـصـب بـهـا الطَـبيعة غيظها — وَتَــثــور حــانــقـة عَـلى الإنـسـان

مــاذا أَثـار الأرض حـتـى أَصـبـحـت — تَــرنــو إلى الإنـسـان بـالعـدوان

النـار شـبـت فـي البـلاد فـأَحرقت — فـيـهـا الَّذيـن نـجـوا من الطغيان

وَالمـاء أَغـرق مـن نـجوا بفرارهم — مـن تـلكـم النـيـران فـي البلدان

عصفت بهم في اللَيل عاصفة الردى — فَـبَـدا الحَـريـق بـجـانِـب الطـوفان

إن صُــدَّ عَــن بـحـر فـنـار قـد بَـدَت — أَو صــــد عَـــن نـــار فَـــلُجٌّ دانـــي

النــار تــدفــعــهــم إلى أَمـواجـه — وَالمــوج يـقـذفـهـم إلى النـيـران

المـاء وَالنـيـران قَـد فَـتـكا بهم — وَالمــاء وَالنــيــران يــسـتـبـقـان

النـار تَـشـوي وَجـهـهـم بـشـواظـهـا — وَالمــاء يــغــرقـهـم بـلا تـحـنـان

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

الأرض تـقـصـف كـالمـدافـع تـحـتهم — وَالجـو يـلمـع بـاللَهـيـب القـانـي

وَتَـرى البـروق وَقَـد تـتابع وَمضُها — تَــبــدو ضــواحــك فـي سـحـاب دخـان

وإذا الصـواعـق أَرزَمَـت مـن فوقهم — خــروا لخــشــيـتـهـا إلى الأذقـان

بـل كُـلَّمـا سـمـعـوا هـزيـمَ رعودها — وَضــعــوا أَصــابــعَهـم عَـلى الآذان

وَإِذا أَضـاءَت أَغـمـضـوا حذر الردى — أَو خـطـفـهـا الأبـصـار بـاللمـعان

إنَّ الغـشـمـشـم وَالجـبـان كـلاهـما — فــي مـثـل تـلك الحـال يـسـتَـويـان

وكــأنــمــا تــلك الجَـزيـرَة كـلهـا — لَيــسَــت عَــلى وســع ســوى بــركــان

قَـد كـانَ في اليابان يا لشقائها — مـا لَم يـكـن فـي الظـن والحـسبان

أكـبـر بـهـا مـن نـكـبـةٍ سوداء قد — أَخـــنـــت عَــلى الآبــاء والولدانِ

أَمــا الوجــوه فــإنـهـا قـد بـدلت — ألوانــــهــــن بــــأَســــوأ الألوان

مــســودة بــالنــار تــحــسـب أَنَّهـا — مـــطـــليــة بــالقــار وَالقــطــران

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

الرجَّةــ الأولى وَكــانَــت بــغــتــةً — أَودَت بــأكــثــرهــم بــبــضـع ثـوان

مـاتـوا وَمـاتـوا ثم ماتوا ثم لم — يـسـلم سـوى القـاصـي مـن الموتان

أَمـا الألى ظـنوا النجاة لنفسهم — فــالظــن صـار بـهـم إلى الخـذلان

لا يـعـرفـون أَأبـعـدوا عَـن حتفهم — أَم أَنَّ ســاعــات الحــمــام دوانــي

لَم يـطـو مـن أَسَـفـي عـليهم كونهم — مــتــوارثــيــن عــبــادة الأوثــان

بــل كـلنـا بـشـر أَبـوهـم مِـن أَبـي — عــنــد الرجــوع وَكــلهــم إخـوانـي

مـــا تـــلك إلا أُمَّةـــ شـــرقـــيـــة — قــامَــت قــيــامـتـهـا بـغـيـر أوان

كَـم كـانَ فـيـهـم مـن خَـطـيـب مـصقع — طــلب البــيــان ولات حـيـن بـيـان

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

خــطــب جــســام لَم يــشـاهـد مـثـله — وَلَقَــد مــضــت حــقــب مـن الأزمـانِ

لَو أنــهــم كـانـوا أَمـام جـحـافـل — طَـلَبـوا النـزال وَسـارعـوا لطـعان

لكــنــهــم عــرفــوا بــأن عــدوهــم — لا يَــنــتَهـي بـشـجـاعـة الشـجـعـان

أَرأَيــتُــمــا يــا أَيُّهــا القَـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

أَمــا الخــســار فـإنـه فـي نـفـسـه — لأَجـــلُّ مـــن وصــفٍ ومــن تــبــيــان

بـل ليـس يَـدري غـيـر زائر جـزرهم — مــا قَـد أَصـابَ القـوم مـن خـسـران

ذاكَ الثـراء الوفـر مـن مـجهودهم — لَم يــغـنـهـم شـيـئاً عَـن الحـدثـان

وَهَــل الحَــيــاة اذا أَلَمَّتـ نـكـبـة — مــا يَــشــتــرى بـالأصـفـر الرنّـان

أَهُـنـاك مـن نـفـس المـسـاوم مـانع — أَم حــيـل بـيـن العـيـر وَالنـزوان

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

يـا زهـرة الشـرق الَّتـي قد أزهرت — حــيــنــاً كــأحـسـن كـوكـب نـورانـي

قَـد كـانَ وجـهـك فـاتـنـي لمـعـانـه — لَهــفــي عَــلى لَمــعــانــه الفـتـان

أَي الصـــروف عـــرا يــســومــك ذلة — وَهَـــل النـــجــوم تــذل للصــرفــان

الشـــرق لَيـــسَ وإن تـــعـــدد رزؤه — عَــن نــكــبـة اليـابـان ذا سـلوان

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

وَلَقَـد يـريـك الدهـر فـي حـدثـانـه — مــا للطَــبـيـعـة فـيـه مـن سـلطـان

لا يـسـلم الإنـسـان مـن عـدوانها — فــالوَيــل كــل الوَيــل للإِنــســان

إِنَّ الطَـبـيـعـة لا تُـسـالِم أَهـلهـا — فــــي كـــل أَرض أَو بـــكـــل زَمـــان

تـأَتـي الكـوارِث يـتّـبـعـن كـوارثاً — فــتــلمُّ بــالإنــســان وَالحَــيــوان

الأرض تَـحـتَ المـرء يَـغـلي جـأَشها — وَيـنـام مـلء العـيـن فـي اطمئنان

لَيــسَ الَّذي تــأَتـيـه عـنـد هـدوِّهـا — مــثـل الَّذي تـأَتـيـه فـي الثـوران

فـي جـوفها النيران تذكو وهي لا — تــنــفــك حــول الشــمـس عـن دوران

إِنّـا مـن الأرض الفـضـاء بـبـقـعـة — لَيــسَ الحَــيـاة بـهـا سـوى حـدثـان

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

إن الزَلازِل لا تَــــزال خــــفــــيَّة — أَســبــاب ثــورتــهــا عَـن الأذهـان

كـثـرت ظـنـون العـقـل في تَعليلها — وَالكـــل مـــفــتــقــر إلى بــرهــان

وَلَقَـد تَـكـون الكَهـربـاء يـثـيـرها — فـي الأرض طـبـق ظـروفها القمران

الكَــون نــســج الكَهـربـاء وإنـهـا — هــي هــذه الحـركـات فـي الأكـوان

وَهُــنــاك نــاس جـاهِـلون يَـرون فـي — أمــر الزَلازل أصــبــع الشَــيـطـان

وَالبَــعــض يــزعـم أن جـمـلة أَرضـه — حـــمـــلت عَـــلى ثـــور له قــرنــان

فــإذا تــعــمــد أن يــحــرك قـرنـه — أَخــذت جَــمــيـع الأرض بـالرجـفـان

أَرأَيــتــمــا يــا أَيُّهــا القـمـران — فـي الحـادِثـات كـنـكـبـة اليـابان

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • العمران: العُمْرَان : البنيان، ما يُعْمَر به البلد ويحسن حاله، بكثرة السكان ونمو الصناعة والتجارة والبناء؛ نما العمرانُ في هذا البلد بعد أن كان صغيرا/ العدل أساس العُمران /علم العمران عند ابن خلدون، هو علم الاجتماع.
  • الغليان: [غ ل ي]. (مصدر غَلَى). 1. "غَلَيَانُ القِدْرِ" : فَوَرَانُهَا بِقُوَّةِ الحَرَارَةِ. 2. "أَظْهَرَ غَلَيَاناً" : ثَوْرَةً وَغَيْظاً.

قصائد ذات صلة

  • خرت لعزة شعرك الشعراء
  • أبكي بليل حف بالظلمات
  • قد سرت بين نواظر ودموع
  • ما الروض بعد البلبل المترنم
  • من كل زهر قد جمعت قليلا
  • الزهر أكبر مصرع الصداح
  • كثر الألى قد أبنوك دفنيا
  • للناس من شعر تركت جمال