شــتـاءٌ وَريـحٌ فـي دجـى اللَيـل زعـزعُ

الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 65 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

شــتـاءٌ وَريـحٌ فـي دجـى اللَيـل زعـزعُ — يَــكــاد بـهـا سـقـفُ المـنـازل يـقـلعُ

وَرعــــدٌ يــــصــــمُّ الأذْنَ صــــوتُ دويِّهِ — وَبــرقُ ســحــابٍ بــالتــتــابــعِ يـلمـع

لَقَـد حـاربـت بـعـض الطَـبـيـعة بعضها — فَــذال بـهـا الأدنـى وَصـال المـرفـع

سـمـاءٌ بـداجـي اللَيل قد ثار غيظُها — وأرضٌ بــمــا فــيــهــا تــئنُّ وَتــجــزع

لَقَــد ســمــعــت فــي ليـلة مـثـل هـذه — إلى البــاب سُـعـدى أنـه كـان يـقـرع

فَـقـالَت وَمـنـهـا الخـوف بادٍ لزوجها — نَــديــمُ وُقِــيــتَ الحــادثـاتِ أتـسـمـع

فَـقـامَ وَسُـعـدى خـلفـه تـسـرعُ الخـطـى — إلى البـاب يَـسعى في الظلام وَيهرع

وَســاءل مــن هَـذا الَّذي جـاءَ طـارِقـاً — بــحــالك ليــلٍ كــل مــا فـيـه مـفـزع

أجـيـب أَن افـتـح يـا نَـديـمُ فـإنـنـا — بــأمــر مـن الوالي أتـيـنـاك نـسـرع

وَســر مــعـنـا واحـضـر إليـه مـعـجّـلاً — خـطـاك فَـمـا فـي الوقـت فـضـل يـضـيع

فَــقــالَ عَـسـى أن تـمـهـلونـيَ لَيـلَتـي — إلى صــبــحــهــا فــالليـل داج مـروع

فَقالوا له لا ريث في الأمر وَالَّذي — تــعــذرت يــا هَــذا بــه لَيـسَ يـنـفـع

فَــقــالَ لســعــدى إنـنـي بـعـد سـاعـة — إِلَيــك فَــلا تَــخــشــي عــليّ ســأَرجــع

وَســار عَــلى ومــض مــن البـرق لامـع — يــصــاحـبـهـم وَالقَـلب بـالهـم مـوجـع

وَفـكـر طـول الدرب فـي السـبـب الَّذي — دعـاه إِلى الوالي وَلا شـيـء يـقـنـع

تَـرى هَـل شَـكـاني من شرير أَو اِفتَرى — عـــدوٌّ بـــضـــري فـــارحٌ مـــتـــمـــتـــع

عَــلى كــل حــال فـانـتـزاعـي بـليـلة — تــهــول كــهــذي غــيــر مــا أتــوقــع

وأُدخِـــلَ فـــي دار بــهــا شُــرَطٌ لهــا — رَئيـــسٌ عـــلي كـــرســـيِّهـــ مـــتــربــع

فـــبـــاغــتــه ذاكَ الرَئيــس بــقــوله — لأَنْــتَ إِلى فــزّان تُــنــفــى وَتُــدفــع

جــزاءَ كــلامٍ فــي الحــكـومـة طـاعـنٍ — تَــفــوهُ بــه بــيـن الأنـامِ فـيـسـمـع

فـــجـــاوبــه وَالقَــلب للخــوف واجــفٌ — وَقـــالَ بـــصـــوتٍ راجـــفٍ يـــتـــقــطّــع

وَربِّكـــ مـــا هَــذا صــحــيــحــاً وإنــه — لمـمّـا اِفـتَـراه المـرجـفون وأبدعوا

وَلَو شــئتَ أحــضـرت الشـهـود فـربـمـا — إذا أبصروا ما بي من الضر أَقلَعوا

تــرفــق فــإنــي ذو عــيـال إذا خـلا — مَـكـانـيَ مـاتـوا فـي المَـجـاعَة أجمع

فَــلي فــي مــقــر الدار زوج وأمـهـا — وَطــفــل صَـغـيـر لَم يـزل بـعـد يـرضـع

تــرى أنـنـي يـا سـيـدي لسـت جـازعـاً — لِنَــفــســي وَلا للنـفـس تـاللَه أضـرع

فَـــقـــالَ له لا تــكــثــرن فــإنــمــا — إرادة مَــولانــا بــنــفــيــك تــقـطـع

فَـأُركِـبَ بـعـد السجن في الصبح بغلةً — تُـسـاقُ حـثـيـثـاً وَهْـوَ يَـبـكـي وَيـجـزع

مَـضـت سـاعـةٌ مـن بـعـد أخـرى مـخـوفةٌ — وَلكـــن نـــديــمٌ لَيــسَ لِلدار يــرجــع

فَـزادَ الَّذي فـي قلب سُعدى من الأسى — عَــلَيــه وأمــســى فــكــرهــا يــتــوزع

تَــقــول بــإشــفــاق وَفــي كــل سـاعـة — إلى البــاب مــن شــبـاكـهـا تـتـطـلع

تـــأَخـــر يــا أُمــاه بــعــد ذهــابــه — نــديــمٌ وإن الصـبـح قـد كـادَ يـطـلع

وَمــا طــلب الوالي نَـديـمـاً وَمـا له — لعــمــرك فــي شـأن الحـكـومـة أُصـبُـع

وإن الَّذي مـا زالَ فـي الكـسـب شغله — فَــلَيــسَ لأبــواب الســيــاســة يـقـرع

أَخـــاف عـــليـــه غـــدر أَعــدائه بــه — ولســت بــمــا تـسـليـن يـا أم أقـنـع

وإن فــؤادي أوه يــا أم فــاِعــلمــي — يــكــاد عــليــه بــالأســى يــتــصــدع

فَـمـا ذاقَ طـعـم النوم للصبح عينها — ومـن كـانَ يـنـأى إلفـه كـيـف يـهـجـع

فَــلمــا أَضــاء الصـبـح جـاء مـخـبـراً — صـديـق مـن الجـيـران وَالعـيـن تـدمع

فـأخـبـر سـعـدى أن قـد استيق زوجها — لفــزّان مــنـفـيـاً فَـمـا فـيـه مـطـمـع

فَـصـاحَـت لِنَـفـسـي الويل مِمّا أَصابَني — لَقَــد كــانَ واحــرّاه مـا كـنـت أَفـزع

نـأوا بـنـديـمـي البـر عـنـي فلَيتَني — فــداء له مِــمّــا أصـابـوا وأَوقـعـوا

فَــفــي كــل عــضــو لي أَذىً لفــراقــه — كــأن عَــلى جِــســمــي أراقــم تــلســع

وَلي بــيــن أَحــنـاء الضـلوع لفـقـده — فـــؤاد بـــفـــورات الهـــمــوم مــروَّع

تـضـم بـتـحـنـانٍ إلى الصـدر طـفـلهـا — وَتَـبـكـي كَـمـا يَـبكي الحزين المفجَّع

وَتـسـجـع مـن حـزن عـلى فـقـد إلفـهـا — نــديــمٍ كَــمــا أنَّ الحَـمـامـة تـسـجـع

تــصــيـح وَتـدعـو يـا نـديـمُ وَقـلبُهـا — يــــكــــاد لآلامٍ بــــه يـــتـــقـــطـــع

أرى كــل فــتــق ســوف يــرقــع وَهــيُهُ — وَلَيــسَ عَــلى الأيــام وهــيُــكَ يـرقـع

فـقـدنا بك الأفراحَ وَالجاهَ وَالغنى — جَـمـيـعـاً فـأنـف العـيـش بـعـدك أَجدع

قـد اسـتَـسـهَلوا نَفي امرئٍ وليسألوا — فـــؤادي عَـــن الهـــم الَّذي أَتـــجــرَّع

فـمـن ذا وقـد أَقـصـوك عـنّـا يـعولنا — ومــن ذا بــه عــنـا الطـوارئ نـدفـع

لَقَـد كـنـتَ لي زوجـاً وخـلاً مـحـامـياً — يــرد صــروف الدهــر عــنــي وَيُــمـنـع

ســألزم بــيــتــي غــيــر بــارزة إلى — فـضـاءٍ فَـلي فـي الدار مـبـكىً وَمجزع

تـصـاحـبـنـي فـي الدار أمي فإن أَبَت — يـصـاحـبـنـي فـيـهـا الأنـيـن المرجع

عَــلى أنَّنــي أَهــوى الفــضــاء فـإنـه — إِذا ضــاقَ صَــدري بــالهــمــوم مــوسِّع

وأهــوى كــذاك الشـمـس فـيـه لأنـهـا — عــليــك إذا مــا جــئت فــزانَ تـطـلع

اذا هَــبَّ أرواح النَــســيــم فــإن لي — فــؤاداً إلى مــرآك يَــصــبــو وَيـنـزع

وَمـا سـكـنـي فـي الدار بـعـدك إنـها — بِـعَـيـنـي إذا لم تـسـكن الدار بلقع

وَلَو كــنــتُ آهٍ حــاضِــراً عـنـد سـيـره — لكـــنـــت له بــالدمــع مــنــي أشــيِّع

يــعــز عــليــنــا أَن يَــسـيـر لغـربـة — نَـــديـــمٌ وَلا نَــمــشــي إليــه نــودع

وَهَـل نـافـعـي تـشـيـيـعـه فـي رحـيـله — إذا كــنــت فــيــمـا بـعـد ذلك أرجـع

وَلكـــنـــنـــي أقـــتــص آثــار خــطــوه — وأَمــشــي وَراء الظــاعــنـيـن وأتـبـع

أضـــم إلى صـــدري صَــغــيــريَ واجِــداً — وأســعــى إلى فــزان ركــضــاً وأهــرع

نَـعـيـش جـمـيـعـاً فـيـه طـول حَـيـاتنا — وإن نــابــنــا فــقــر هـنـالك مـدقـع

وَبَــعــدَ قَـليـل مـرَّ مـن نـفـي زوجـهـا — ألمـــت بـــهــا حــمَّى تــهــد وَتــصــرع

فـجـنـت بـهـا واخـتـل مـنـهـا شعورها — زمـانـاً إلى ان جـاءَهـا الموت يسرع

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • المرفع: المَرْفَعُ : الكرسِيُّ؛ ليست ضخامةُ المرافِع دليلاً على الرَّفعة ج مرافِعُ/ المَرافِعُ عند المسيحيّين، هي أيّامٌ معلومةٌ تتقدََّمُ الصَّوْم.
  • بالتتابع: تَتَابَعَ يَتَتَابَعُ تَتَابُعاً : تلاحق؛ تتابعت أخبارُ العرب/ تتابعت المشكلات التي اعترضته/ تتابع سقوط الثلج.
  • بداجي: الدَّاجِي : فا.-: التَّامُّ الكامل؛ لَيْلٌ داجٍ أي اكَتملت ظلمته/ سحابٌ داجٍ، أي منتشر.- من العيش: الرَّغيد؛ أَصاب من العيش داجِيَه، ج دَوَاجٍ.
  • تئن: تين: التِّينُ: الَّذِي يُؤكل، وَفِي الْمُحْكَمِ: والتينُ شَجَرُ البَلَس، وقيل: هو البَلَس نفْسُه، وَاحِدَتُهُ تِينة؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَجناسُه كَثِيرَةٌ بَرِّيّة وَرِيفِيَّةٌ وسُهْليّة وجبَلِيّة، وَهُوَ كَثِيرٌ بأَر …
  • تسرع: تَسَرَّعَ يَتَسَرَّعُ تَسَرُّعاً : تَعَجَّل؛ قد يورث التسرُّعُ الندامة/ يَتَسَرَّع في اتّخاذ الموقف المناسب.
  • دويه: (دَوَى) الدَّالُ وَالْوَاوُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ. هَذَا بَابٌ يَتَقَارَبُ أُصُولُهُ، وَلَا يَكَادُ شَيْءٌ [مِنْهُ] يَنْقَاسُ، فَلِذَلِكَ كَتَبْنَا كَلِمَاتِهِ عَلَى وُجُوهِهَا. فَالدَّوِيُّ دَوِيُّ النَّحْلِ، وَهُوَ …
  • زعزع: الزَّعْزَعُ : الزَّعْزاعُ والزُّعارِعُ:- من السير: ما فيه تحرُّكٌ وشدّة.

قصائد ذات صلة

  • خرت لعزة شعرك الشعراء
  • أبكي بليل حف بالظلمات
  • قد سرت بين نواظر ودموع
  • ما الروض بعد البلبل المترنم
  • من كل زهر قد جمعت قليلا
  • الزهر أكبر مصرع الصداح
  • كثر الألى قد أبنوك دفنيا
  • للناس من شعر تركت جمال