يـطـفـئ المـوتُ مـا تـضـيـء الحَياةُ
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة رثاء
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف التاء، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يـطـفـئ المـوتُ مـا تـضـيـء الحَياةُ — وَوَراء انــــطــــفــــائه ظــــلمــــاتُ
إن للنــازِليـن فـي القـبـر نـومـاً — تــنــتَهــي فــي ســكـونـه الحَـركـات
رب مــال يــفــنــى ذووه وَيَــبــقــى — وَبــنــاء يَـبـقـى وَتـفـنـى البـنـاة
كَــم وقــفــنــا عَــلى ضَـريـح كَـريـم — وقــفــةً قَــد جَــرَت لهــا العـبـرات
نَــتَــمَــنــى للعَـيـش فـي هـذه الدن — يــا ثــبــاتــاً وَهَــل لعـيـش ثـبـات
أَنـسـيـنـا أنـا عَـلى الأرض أَبـنـا — ءُ أُنــاسٍ عـاشـوا قَـليـلاً وَمـاتـوا
ســتــجــدّ الأبــنــاء ســيــراً لدار — نـــزلتـــهــا الآبــاء والأمــهــات
عاش في الأرض مثلنا الناس قدماً — وهـــم اليـــوم أعـــظُـــمٌ بــاليــاتُ
هـل لقـوم سـاروا نـزوعٌ إلى الأه — ل تـــرى أو إلى الدار التـــفــات
غــرض كــل مــن عَـلى الارض يـحـيـا — لمـــنـــايــا ســهــامُهــا صــائِبــات
ســتــمــوت الأحــيــاء طــرّاً ولكــن — هــل تــلاقــي حــيـاتـهـا الأمـوات
نـحـن نـبـلى تحت التراب وفوق ال — أرض تــجــري الفــصــول والأوقــات
ربـمـا فـي القـبـور تـشـبـع نـومـاً — آنـــســـاتٌ عــيــونــهــا نــاعِــســات
بـــليـــت أَوصــالٌ هــنــاك وَخَــوفــي — أنــــهـــنَّ الأحـــداقُ وَالوجـــنـــات
مـــنـــهـــل المـــوت واحــد وإليــه — طـــرق الوارديـــن مـــخـــتـــلفـــات
فـي المَـنـايـا وَهُـنَّ رزءُ البَـرايا — تَـــتَـــســـاوى الرعـــاع وَالســروات
فَــيَــمــوت الدهــاة مــثــل سـواهـم — وَبـــودّي أَن لا تـــمـــوت الدهـــاة
رب قــومٍ عــاشــوا بــأمــن زَمـانـاً — ثــــم دارَت عــــليـــهـــم الدائرات
وَقَــبــيــلٍ بـاتـوا جَـمـيـعـاً بـليـل — فــإذا هــم فــي صــبــحــه أَشــتــات
تــلحــق المــرء مــا تــحــرك حـيـاً — حــــادِثــــاتٌ وَراءَهــــا حـــادِثـــات
أسـعـيـد هـذا الجـمـال فـأشـقى ال — عــالمــيـن الحـيـوان ثـم النـبـات
كَـم فَـتـى شـيـب عـيـشـه بـالرَزايـا — وَفَــــتـــاة حَـــيـــاتـــهـــا وَيـــلات
كـل كـرب يـا أيـهـا الحـي فـاصـبر — يـنـتـهـي عـنـد مـا يـجـيـءُ الممات
إِنَّ فــي المـوت راحـةً غـيـر أَن ال — مـرء قَـد لا تـرضـيـه إلا الحَـياة
سَــتَــذوق الحــمـام نَـفـسـي فَـتـردى — وَسَــتــبــقــى فـي النـفـس أمـنـيـات
وكـذاك الإنـسـان يـمـضـي من الدن — يــا وتــبــقــى فـي نـفـسـه حـاجـات
إن أمــت خــائِبــاً فَـكَـم مـن كـرام — بــقــيــت فــي نــفــوســهــم حـسـرات
لا أُبـالي إِن مـت جـاورنـي في ال — قـبـر صـحـبـي أَم جـاورتني العداة
أَنـا كـالنـاس حـيـنَـمـا مـت مـاتَـت — مَـــع نَـــفــســي الهــمــوم وَاللذات
ربــمـا تـتـلى بـعـد مَـوتـي بـحـيـن — فـــوق قَـــبـــري لشـــاعــر مــرثــاة
لهــف نَــفــســي عــلى رفــات شـبـابٍ — طـحـنـتـهـم طـحـن الرحـى النائباتُ
لَو ســألت الرفــات مــا ذا دهــاه — لاشـتَـكـى مـن ظلم الولاة الرفات
فـوق وجـه البـيـض الحـسـان سـطـورٌ — كــتــبــت بــالدمـوع فـيـهـا شـكـاة
وهـــب اللَه للرعـــايــا حــقــوقــاً — غــصــبـتـهـا مـن الرعـايـا الولاة
أرهــقــوكــم ذلاً وأَنــتــم ســكــوتٌ — أيــن أيـن الأحـرار أيـن الأبـاة
إنَّ أشـقـى البـلاد مـا كـان يـجري — فـــي أراضـــيـــه دجـــلة والفــرات
وهـــي فـــي ســالف الزمــان بــلاد — عــامــرات الأكــنــاف مــرتــقـيـات
عــظــم الخــطــب فــي العـراق فَـلِلَّ — هِ قـــلوب هـــنـــاك مـــرتـــجـــفــات
قـد سـقـونـا كـاسـاً سـتـشـرب مـنها — عَــن قَــريــب مـن الزَمـان السـقـاة
يــا زمـان البـخـار حـسـبـك فـخـراً — أنــه فــيــك تــنــقــضــي الحـاجـات
وبــك النــاس والمــغــاطــش تــروى — وتــــجـــاب البـــحـــار والفـــلوات
حــبــس المــانــعــون خــيــرك عـنـا — وســـكـــتـــنـــا كـــأنـــنــا أمــوات
أخــر المــســلمـيـن عـن أمـم الأر — ض حــجــابٌ تــشـقـى بـه المـسـلمـات
لا أرى بـيـن الغرب والشرق بوناً — غــيــر أن الأحــكــام مــخــتـلفـات
فـهـي فـي الغـرب بـالعـدالة تجري — وهـي عـنـهـا فـي الشـرق مـنـحرفات
ســـيـــوافــي مــدى التــقــدم قــوم — وســعــت فــيــه مــنــهــم الخـطـوات
عـامـل الظـالمـيـن بـالظـلم تـسلم — ربّ شـــرٍّ يـــكـــون فـــيـــه نـــجــاة
يــقــرع الحــادثــات مــا قــرعـتـه — كــلُّ مــن عــنــده لعــمــري حــصــاة
لســت تَــلقــى أَمــراً تــهــذَّب حَـتّـى — غـــلبـــت ســـيـــئاتــه الحَــسَــنــات
قــلَّ نــفــعٌ لا يـنـتـج الضُـرُّ مـنـه — ربّ شـــــرّ تـــــجــــره الخــــيــــرات
أيـهـا الأغـنـيـاء لا تـجهلوا ما — يــحــمــل البــائســون والبـائسـات
مــا تــفــكـرت فـي الحَـقـيـقـة الا — ســاورتــنــي الشــكـوك وَالشـبـهـات
كَم يودّ الإنسان لَو طارَ في الجو — وِ خَــفـيـفـاً كَـمـا تـطـيـر القـطـاة
كـل مـا فـي الوجـود فـهـو لعـمـري — عــــــلل تــــــارة وَمــــــعــــــلولات
ليـــس فـــضـــلٌ عـــلى زمــان لوقــت — فــالليــالي جــمــيــعــهــا أخــوات
يــلهــج الجــاهِــلون فـي كـل عـصـر — بـــدعـــاوٍ مـــا إِن لهـــا إثــبــات
إنـمّـا الجـاهِـل المـجـادِل بـالبـا — طــل فــي أَعــيــن التــرقــي قــذاة
جــوهـر الكـون فـي الوجـود قَـديـم — غــيــر أن الأشــكــال مــخــتـرعـات
مـــن تَـــروّى أن النــجــوم شــمــوس — عــظــمــت فــي عــيـونـه الكـائنـات
يــقــرأ الفَــيــلَسـوف مـن سـور فـي — هــا كــتــابــاً آيــاتــه بــيــنــات
البحر والقافية
القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.
تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- انطفائه: انْطَفَأ يَنْطَفيءُ انْطِفَاءَ :- ت النار: خَمَدتْ؛ انطفأت النار في الغرفة وبرد جَوُّها/ انطفأت الحرب.- ت العين: ذهب نورُها.- الشخص: مات.
- ثبات: الثُّبَاتُ :- من الأمراض: ما يُعْجِزُ عن الحركة؛ الشلل الكامل داءٌ ثُباتٌ.