ظننت بأن الشعر يغني فما أَغنى
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ظننت بأن الشعر يغني فما أَغنى ... وَكَم شاعر في موقفي أخطأ الظنَّا
لَقَد كانَ شعري يحسن اللحن إن شدا ... فَما بال شعري اليوم لا يحسن اللحنا
وكنت لأسفار الحياة اتخذته ... رفيقاً أَصافيه المودة أَو خدنا
وكانَ يبث الشجو في الناس شدوه ... إلى أَن يهيج السمع والروح والذهنا
يغني فَيُبكي السامعين غناؤُهُ ... كذلك يُشجي العندليب إذا غنّى
وأَحسن من غنَّى من الطير بلبل ... تبوأ في غناء من جنة غصنا
على فنن لدنٍ نزا وهو صائح ... فهز وأحنى تحته الفنن اللدنا
وأَكثر إحسانا من الطير شاعر ... إذا قال راعَى في صناعته الفنا
وَما اليَوم عجز الشعر عن خوَر به ... ولكنها الأشجان لا تقبل الوزنا
كــــأني إليه لم أَمتَّ بقربة ... وَلَم أَكُ للمطبوع منه أباً وابنا
من الشعر ما يَلقى الردى قبل ربه ... إذا قصر المعنى المراد فما أَغنى
وَأَمّا الَّذي قد كانَ معناه فائضاً ... فَيَفنى الَّذي قد قاله وهو لا يفنى
وَللشعر جسم ناعم هو لفظه ... وَللشعر روح ذو شعور هو المعنى
أَرى الشعر بعد الوحي أَكرم هابطٍ ... من الملأ الأعلى إلى الملأ الأدنى
وَلا خير في شعرٍ وإن راق لفظه ... إذا كان عنه في الهداية يستغنَى
وَقَد يتفشَّى الشعر كالنور سائحاً ... فيركب متن الصبح إن لم يجد متنا
وَقَد تسمع الأذنان جعجعةً له ... ولا تشهد العينان عوضُ له طحنا
تناءَيت عَن لَيلى الحقيقة مرغماً ... فَما جامعي دار إليها ولا مغنى
يَقولون طارحها الصبابة تنجذب ... وأَنّى لمثلي أن يطارحها أنَّى
وَرب قـــــلوب لنَّ بـــــعـــــد قـــــســــاوة ... وعلّك يا قلب الحقيقة مستثنى
تلقيت في بغداد من عصبة قلىً ... وَقاسيت في بغداد من ثلة ضغنا
لَقَد طالَ فيما بيننا الطعن موجعاً ... فدنّا كَما دانوا ودانوا كما دنا
وكنت أَرى بغداد مِمّا لقيته ... ببغداد من كربٍ شقيتُ به سجنا
وَكانَت تَقول النفس مني لجهلها ... سأحمل عبء الهم جلداً ولا أضنى
وَلست أُبالي بعد ستين حجة ... أَأَبكي الزَمانُ العينَ أَم أَضحك السنا
وَلكنني ألفيت أن احتماله ... يشق على من يَشتَكي مثليَ الوهنا
على العلم شن الجهل بالأمس غارةً ... وَكَم غارَة من قبلها الجهل قد شنا
وأبعدت عن حتف يسوء برحلتي ... وَقَد كانَ مني قابَ قَوسين أَو أَدنى
يريدون مني أن أغني باسمهم ... وأي هضيم باسم أَعدائه غنّى
على أن في بغداد لي من شبابها ... إذا ضقت أَنصاراً ومن حولهم حصنا
وإن بها صحباً عن الحق ذادة ... أبوا أن يهد الحيف من شرفي ركنا
إذا النقد شبت ناره أَدبية ... عَدَوا ثم لاقى كل قرن له قرنا
أتوا يدفعون الشر عني بمثله ... ولم يظهروا في كل ما أَظهروا جبنا
فَـــــلِلَّه إخـــــوانٌ بــــهــــم زدت عــــدة ... وَلِلَّه إخوان رجحتُ بهم وزنا
وَهَل أَنا إلا ابن لبغداد نازح ... إذا ذكروا بغداد يوماً له حنا
كَما لَيسَ يَصبو الطفل إلا لأمه ... وَلَيسَ بمختار على حضنها حضنا
نهبت فجاج الأرض في ليلة دجت ... بسيارة تطوي البعيد ولا تضنى
إلى أن بدا صبح يشق بضوئه ... قديراً إِهاب الليل من بعد ما جنا
وقد ذر قرن الشمس يلمع نوره ... فأطريت منها النور يلمع والقرنا
تَبارك يوم سرني بلقاء من ... أحب فبعد اليوم لا أَشتَكي الحزنا
وجدت رياض الشام ريّا أَنيقة ... وأخلاق أهل الشام طافحةً حسنا
وجدت بها علماً وجدت بها حجىً ... وجدت بها عدلاً وجدت بها أمنا
سأثني على قوم رعوني بفضلهم ... ومن نال ما قد نلت من حظوة أثنى
أَرى المجمع العلميَّ خير وسيلة ... ليَزداد ذو علم على شأنه شأنا
أَرى المجمع العلمي أَكبر منقذ ... من الفقر للشعب الَّذي رام أن يغنى
أَرى المجمع العلمي يستثمر النهى ... أَرى المجمع العلمي يستحضر الذهنا
سيجني شباب الشام منه فوائداً ... وَعلماً لهم والعلم أَحسن ما يُجنى
وإني لفضل المجمع اليوم مكبرٌ ... فَقَد جاد بالعلم الغَزير وما ضنّا
سيشكر ما للمجمع القوم من يد ... كَما شكرت أَرض على الوابل المُزنا
فبالعلم يبنَى المجد في كل أُمَّة ... وأَما بغير العلم فالمجد لا يبنى
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- اتخذته: تخذ: تَخِذ الشيءَ تَخَذاً وتَخْذاً؛ الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، واتَّخَذَه: عَمِلَهُ. وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ؛ أَراد اتَّخَذُوهُ إِلهاً فَحُذِفَ الثَّانِي لأَن الِاتِّخَاذَ دَلِيلٌ عَلَي … (لسان العرب)
- السامعين: سمع: السَّمْعُ: حِسُّ الأُذن. وَفِي التَّنْزِيلِ: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ؛ وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ خَلا لَهُ فَلَمْ يَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ؛ وَقَدْ سَمِعَه سَمْعاً وسِمْعاً وسَماعاً وسَماعةً وسَماعِيةً. ق … (لسان العرب)
- اللحنا: حنأ: حَنَأَتِ الأَرضُ تَحْنَأُ: اخْضَرَّت والتفَّ نَبْتُها. وأَخْضَر ناضِرٌ وباقِلٌ وحانِئٌ: شَدِيدُ الخُضْرة. والحِنّاءُ، بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ: مَعْرُوفٌ، والحِنّاءَةُ: أَخصُّ مِنْهُ، وَالْجَمْعُ حِنّانٌ، عَنْ أَبي … (لسان العرب)