مَــقـامـك فـي الزوراء غـيـر حَـمـيـدِ

الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 48 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

مَــقـامـك فـي الزوراء غـيـر حَـمـيـدِ — وَليــنــك للأعــداء غــيــر مــفــيــدِ

وَظـنـك حـسـنـاً بـاللَيـالي سـفـاهـة — وَرأيــك فــي الأيــام غــيــر سَـديـد

ســأَرحــل عَــن بــغــداد رحـلة عـائفٍ — فَـقَـد طـالَ فـي دار الهـوان قـعودي

وأخــرج مــن آلي وَمــالي وَمــوطـنـي — وَمــا كــانَ لي مــن طــارف وَتَــليــد

وَلَم أَر فـي عـمـري كَـبَـغـداد منزلاً — بـه العـلم لا يـجـزى بـغـيـر جـحود

رَأَيـت بـهـا بـؤسـاً وَشـاهـدت نـعـمـة — فَــلَم أســتــرح مــن شــامــت وَحَـسـود

وَكــافــحــت أَيـامـاً بـهـا وَليـاليـاً — تــكــرّان مــن بــيــض هــنــاك وَســود

وَعـشـت فَـلَم يـرغد ليَ العيش عندها — وَمــا خــيـر عـيـش لَم يـكـن بِـرَغـيـد

بِــبَــغــداد نـاس راشـدون بـعـلمـهـم — وَقــوم مــن الجــهــال غــيــر رَشـيـد

شـــبـــاب مــريــد للتــعــلم نــاهــض — وَشــيــب لنــور الشـمـس غـيـر مـريـد

وَقــوم كــرام سـاءهـم وَشـك فـرقـتـي — وَقــوم تــمــنــوا أَن يَــزول وجــودي

هُـمُ القَـوم ما إِن يَبتَغون لما بهم — مــن الكـسـل المَـذمـوم غـيـر قـعـود

بـعـصـر بـه الأقـوام تـنـشـط للعلى — أَرى البـعـض لا يَـزداد غـيـر جـمود

صـعـاليـك سـادوا ثم سيدوا بجهلهم — فــأذمــم بــهــم مــن ســائد وَمـسـود

لَقَـد عـشـتُ بـيـن القـوم سـتـين حجةً — وَلَم أَكُ فــي يــوم بــهــا بِــسَــعـيـد

أُشــاهــد غــربـانـاً بـأوكـار أَنـسـرٍ — وَأَلقــى ذئابــاً فــي عــريــن أســود

هـجـودٌ عَـن الحـسنى فَما أن يرونها — وأَمــا عَــن الســوءى فَــغـيـر هـجـود

وَلَيـسَ الَّذي فـي القـوم مـن عنجهية — ســــوى إِرث آبــــاء لهــــم وجــــدود

إذا كانَ مشي المغمضين إلى الردى — وَئيــداً فَــمَـشـيُ القـوم غـيـر وَئيـد

غـداً يـنـظـرون الشـر عـريان كاشراً — وَلَيــسَ غــدٌ عَــن نــاظــر بِــبَــعــيــد

ذمـمـت مـن الأيـام فـقـدان عـدلهـا — وَمــا أَكــثــرت مــن ســادة وَعَــبـيـد

وأمـا طَـريـق الذام فـهـو إذا بَـدا — لِنَــفــســي مــحــيـد عـنـه أَيّ مـحـيـد

وآليـت أن لا أَسـتَـكـيـن لمـن عتوا — وإن قـطـعـوا بـالسـيـف حـبـل وَريدي

حــيــيـت فَـحَـقـي أَن أُلاقـيَ مـصـرعـي — فَــمــا عــدمــي إلا نــتــاج وجــودي

وإنـي كَـغَيري لست في الأرض خالداً — وإنـــي وإن طـــال الزَمــان لمــودي

دَعــانــي إلى حـزب الخـنـوع رئيـسُهُ — وأَكـــثـــرَ مـــن وعـــدٍ له وَوَعـــيـــد

فَــقــلت له أنــذر ســواي فــإنــمــا — وَعــيــدك مَهــمــا زدت غــيـر مـفـيـد

وإن زَعــيــم القــوم لَيــسَ يــغـرهـم — وَلا هُــوَ يــجــزي فــضــلهـم بـكـنـود

تــجـسـس مـن بـعـد الزَعـامـة للعـدى — وَمــا كــانَ مــنــهــم أَجـره بِـزَهـيـد

بنت حدسَها في الشرق وَالغرب ساسةٌ — عَــلى نــظــر فــيــمـا يَـكـون بَـعـيـد

ولكــنَّ قَــومــي فـوضـوا الأمـر كـله — إلى قـــــدرٍ مـــــن ربِّهــــم وَجــــدود

وَثـاروا بـإغـراء العَـمـيـد فخانهم — فَــكـان عَـمـيـد القـوم غـيـر عَـمـيـد

لَقَـد خـمـد الثـوار بـعـد شـبـوبـهـم — وَقَــد لا تــشـب النـار بـعـد خـمـود

قـليـتـك مـن دار بـهـا الجهل شائع — ومــن بــلد بــيــن البــلاد بَــليــد

هــنــالك نــاس يــمــقـتـون قـصـائدي — وَتــمــقــتــهــم طــراً كـذاك قـصـيـدي

وَكَـم درر لي فـي القَـريـض نـظـمتها — فَـكـانَـت بـجـيـد الدهـر مـثـل عـقود

وَكَـم حـكـمـة فـيـهـا بـلاغ أذعـتـها — بِـــقـــافــيــة مــلء البــلاد شــرود

يَــذمــون شــعــراً لا يــقــلد غـيـره — أُولئك أَعـــــداء لكـــــل جَـــــديـــــد

وَلا يـحـمـدون الشـعـر إلا مـكـبـلاً — بـــســـلســلةٍ يــأذى بــهــا وَقــيــود

وَفي الحق أَن لا يقرب الشعرَ قائلٌ — إذا لَم يــكــن فــي شـعـره بـمـجـيـد

يَــمــوت إِذا لَم يُـشـجِ شـعـرٌ بـشـدوِهِ — وَيَــحــيــا إذا أَشــجـى حَـيـاة خـلود

إذا طـابـق الشعر الحَقيقة لَم يكن — بِــذي حــاجــة فــي صــدقــه لشــهــود

لَقَـد أَنـشـدت بـالأمـس شـعراً حمامة — عَـــلى فـــنــنٍ غــضٍّ فــقــلت أَعــيــدي

صـبـرت عَـلى ليـلي وَقَـد جـن راجـيـاً — صــبـاحـاً وعـلّ الصـبـح غـيـر بَـعـيـد

إلى أَن رأَيـت اللَيـل يـرفـع بـيـته — أَخــيــراً عَــلى صــبــح بـدا كَـعَـمـود

ســتــبـعـث هـبـات النَـسـيـم مـسـرتـي — وَيـجـمـع نـور الشـمـس شـمـل سـعـودي

وأَشـرب مـاء النـيـل مـن بـعد دجلة — فـيـخـضـر فـي مـصـر الجـديـدة عـودي

مـتـى مـا أَجـئ مـصـر الفتاة فإنني — ســـآوي إِلى ركـــن هـــنـــاك شَــديــد

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الزوراء: الزَّوْرَاءُ : مذ الأزور، المائلة؛ كلمة زوراءُ، أي مائلة عن الحقّ. -: البعيدة؛ فلاةٌ زوراءُ/ أرضٌ زوراءُ/ حفرةٌ زوراءُ، أي بعيدة القعر. -: مدينة بغداد.
  • جحود: الجُحُودُ مصـ.-: ما ينكر باللسان دون القلب؛ تميّز سلوكه تجاه أهله بالجحود/ لامُ الجحود في النحو، هي اللام الداخلة على المضارع المنصوب والمسبوقة بكون منفيّ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُم.
  • سديد: السَّديدُ : الصائِبُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً.
  • شامت: الشَّامِتُ : فا. ـ: من يَفرَحُ بمكروهٍ أصابَ عَدُوَّهُ أو غيرَه؛ (اللَّهُمَّ لاَ تُطِيعَنَّ بِي شَامِتاً) أي لا تجعلْه يفعل بي ما يحبّ ج شُمّاتٌ وشامِتون.
  • طارف: الطَّارِفُ : فا.- من المال الجديدُ المستفادُ منه، وهو خلاف التالد؛ أنفق الطارف والتالد من ماله.

قصائد ذات صلة

  • خرت لعزة شعرك الشعراء
  • أبكي بليل حف بالظلمات
  • قد سرت بين نواظر ودموع
  • ما الروض بعد البلبل المترنم
  • من كل زهر قد جمعت قليلا
  • الزهر أكبر مصرع الصداح
  • كثر الألى قد أبنوك دفنيا
  • للناس من شعر تركت جمال