إن الرَّبـــيـــع لســيــد الأزمــانِ
الشاعر: جميل صدقي الزهاوي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر جميل صدقي الزهاوي، من العصر العثماني، وتقع في 79 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إن الرَّبـــيـــع لســيــد الأزمــانِ — فـــيـــه تــتــم لذاذة الإنــســانِ
كَـم فـيـه مـن زهـر يـروقـك لونـه — كَــم فــيــه مـن روح ومـن ريـحـان
الروض يَــزهــو نــوره فــي فـصـله — بِـــبَـــدائع الأشــكــال والألوان
زهــر بــه ثــغـر الروابـي بـاسـم — والجــو مــنــه مــعــطــر الأردان
فــي مــثـل ذلك مـن زمـان مـبـهـج — تَــمــشــي ثــلاث كــواعــب أخــدان
لَيــلى وَتــربـاهـا سـعـادُ وَزيـنـبٌ — يـمـرحـن فـوق مـنـاكـب الكـثـبـان
مـثـل الدمـى بـل فـائقـات للدمى — فــي مــنــطــق عــذب وحـسـن بـيـان
مـن أرفـع الأبـيـات مـنـزلة وقد — جــمَّعــن كُــل مــحــاســن النـسـوان
فـرجـحـن فـي الحي النساء صباحة — وَالحــي يــعــبــدهــن كــالأوثــان
أَحـبـبـن شـرح الصـدر مـن أوصابه — فــبــرزن للصــحــراء بــاسـتـئذان
مــتـلاعـبـات فـوق أذيـال الربـى — وَشــعــابــهــا كـتـلاعـب الغـزلان
يـنـظـمـن في سمط الحَرير أزاهراً — فـيـنـطـنـهـا بـالرأس كـالتـيـجان
وَيَـضَـعنَ منها في الرقاب قَلائداً — تــزري بــعــقــد الدرِّ وَالمـرجـان
لَيــلى تــغــرد أو سـعـاد وَزيـنـب — تــتــرنــمــان بــأَطــيَـب الألحـان
فــي روضـة غـنـاء يـبـسـم زهـرهـا — عَــن أبــيــضٍ يـقـقٍ وأحـمـرَ قـانـي
يَـمـشـيـن فـي مـرح عَـلى أعـشابها — مــشــى القـطـا الكـدري للغـدران
مـن نـسـوة لعـب الصـبـا بقدودها — لعـب الصـبـا بـمـعـاطـف الأغـصان
غـادرن فـي المَشي الخيام بعيدة — مـا إِن تَـرى أَشـبـاحَهـا العَـينان
وَلهـون بـالأزهـار إعـجـابـاً بها — وَجـهـلن مـا أَخـفـت يـد الحـدثـان
حَـتّـى التقين عَلى الأباطح بغتة — بــمــدجــجــيــن ثــلاثــةٍ فــرســان
فـرأوا نـساءً كالمها من غير ما — حــامٍ بــأَبــعَــد مــوضــع وَمَــكــان
فـأثـارهـم طـمـعٌ هـنـاك فـهاجَموا — مـثـل الذئاب تـعـيث في الحملان
فَــعـلا الصـراخ وَزادهـن مـخـافـة — أن لَيــسَ ثــمَّةـ مـن نـصـيـر دانـي
راع المـقـام فؤادَ لَيلى فاِختفت — فـي ظـهـر زيـنـب وَهـي فـي رجـفان
تَرنو العيون الى السماء كأَنَّها — تَــرجــو هــبــوطَ مــفــرِّج ربــانــي
وَتـذكـرت سـعـد العَـشـيـر خَـطيبها — نــجـل الرَئيـس عَـلى بـنـي حـردان
وإذا بــنـقـع ثـائر مـن جـنـبـهـم — يَــدنــو كَـزوبـعـة بـغـيـر تـوانـي
وَرأوا هـنـالك فـارسـاً فـإذا بـه — فــرد أَتــى يَــعــدو بــلا أعــوان
وَعــلمـن حـيـن نـظـرن لون جـواده — أن ذاكَ ســعــدٌ فــارس الدهــمــان
فــهــدأْنَ عـنـد وصـوله فـي وقـتـه — وَشــكــرن بــعــد الخــوف للرحـمـن
لمــا أتــاه أن لَيــلى قــد نـحـت — مــع جــارتــيـهـا البـرَّ للسـلوان
رجَّى اللقـاء فـسـار يـطلب ظاهراً — بــركــوبــه مــتــصــيــدَ الغــزلان
وَرأى فـوارس مـن بـعـيـد قـصـدهـا — غـصـب النـسـاء فـشـدَّ في العدوان
قـالَت أغـث يـا سـعـد إنـا نَحتَمي — بـك مـن أولاء الطـغـمـة الخـوان
فــازورّ مــن غــضـب وأوقـف طـرفـه — فـي القـرب يَـزفـر زفرة الغيران
طـلبـوا إليـه أن يـسـيـر لوجـهـه — وَيــكــف مــدخــله بــهــذا الشــان
فـأبـى وأبدى النصح أَن يتجبنوا — فِـعـلاً يَـسـوء صـداه فـي البلدان
واســتــحــقــروه إِذ رأوه أمــرداً — غـــرّاً وعـــدّوه مـــن الصـــبــيــان
وَرَمــاه مــنــهــم فـارس بـرصـاصـة — أشـوت فـكـر يـجـول فـي المـيـدان
وَهــوى إليــه طـاعـنـاً فـي ظـهـره — بــســنــان رمــح لان كـالثـعـبـان
وارتـد يـفـتـقـد النـساء فأطلقا — نــاراً عــليــه وَلَيـسَ كـالنـيـران
فــخــلا لهـا لكـن أَصـابَـت رمـيـة — لَيـلى قـضَـت مـنـهـا لبـضـع ثواني
صـرخـت لمـصـرعـهـا سـعـادُ وَزيـنـبٌ — جــزعـاً يـذيـب القَـلب بـالأحـزان
فـهـنـاك شـد عـليـهـمـا بـعـزيـمـة — ســـعـــد كــليــث خــادر غــضــبــان
فـاسـتـأنـفـا رمـياً وكان يداهما — مــن خـوف مـا شـهـداه تـرتـجـفـان
فــدنــا فــفـرّا فـاِسـتـحـث جـواده — وَهــوى هــويَّ جــوارح العــقــبــان
حــتّـى إذا لحـق الجـواد تَـضَـرَّعَـا — مــتـوسـليـنِ إليـه فـي اسـتـئمـان
فــأبــى وَجـاشَ بـغـيـظـه مـتـذكـراً — لَيـلى وَمـصـرعـهـا عَـلى التـربـان
وَســطــا وجــدَّل واحــداً بـقـنـاتـه — وأَطـار بـالصـمـصـام رأس الثـاني
نــظــر العـروس وسـيـفـه مـتـصـبـبٌ — عــلقــاً فـظـل يـجـيـش فـي غـليـانِ
لَم يَــدرِ لمــا راءَهــا مــصـروعـة — تَــبــدو بــأَحــســن مـنـظـر مـزدان
أَهُــنــاكَ جــســم فــارقــتـه روحـه — للمـــوت أَم روح بـــلا جــثــمــان
الخــد مــوضــوع بــجــانــب زهــرة — وَالشـعـر مـنـبـسـط عَـلى الريـحان
يَـحـلو لِعَـيـن المـرء مـدُّ يمينها — وَتَــروق مــنـهـا فـتـرة الأجـفـان
أشـجـاه مـنـظـرهـا فـأسـبـل عـبرة — وَمـــشـــى يــردد زفــرة الوَلهــان
حـمـلوا عَـلى ظـهر المطهم جسمها — وَنــحــوا مـنـازلَهـم بـذي سـعـدان
لمـا دنـوا مـن حـيهم وفشا الَّذي — قَــد كــانَ قـامَـت ضـجـة النـسـوان
فـأقـمـن مـن أسـف عـليـهـا مأتماً — فَــتَّتــْنَ فــيــه مــرارة الإنـسـان
ولطـمـن وجـهـاً صين من مسِّ الأذى — وَشـقـقـنَ جـيـبَ الواجـد الثـكـلان
وَنــشــرنَ شــعـراً للرزيـة صـاغـراً — وَخـــمـــشـــنَ خـــداً ذل للحــدثــان
والأم بـــيـــن نـــوائح وَنـــوادب — شــمــطــاء تـزفـر مـن أحـر جـنـان
تـحـثو التراب عَلى جوانب رأسها — وَتَــصــيــح مــن قــلب لهــا حــران
فَـتَـقـول وَيـلي بـل وويـل عشيرتي — للرزء يـــا لَيـــلى وَللخـــســـران
لَهـفـي عـليـك فَقَد تجرعت الردى — ومـن الشَـبـيـبـة أنـت فـي ريـعان
لِلَّه أَنـتِ وَمـا مـلكـت مـن النـهى — وَجــمــعــت مـن حـسـن ومـن إحـسـان
عـجـلت في الترحال يا لَيلى وَما — قــبــلت أمــك آه مــن حــرمــانــي
ووددتُ أنــي فــي مَــكـانـك للردى — غــرض وأنــك عــنـه كـنـت مـكـانـي
وَحـرمـت عـيـنـي أن تـراك بملئها — فـتـركـتـهـا وقـفـاً عَـلى الهملان
أطـوي الضـلوع عَـلى فـؤاد خـافـق — وأعــض مــن أســف عــليـك بـنـانـي
أَنـتِ العَـروس دنـا زَمـانُ زفافها — لِلَّه ذلك مِــــــن زَفـــــاف دانـــــي
أَسَـفـي عـليـك يَـطـول مـن مـقتولة — بــرصــاص أَهـل البـغـي وَالعـدوان
أَدرجـن بـعـد الغـسل ناعم جسمها — فــيــمــا أَطــابـوه مـن الأكـفـان
وَسـعـى العَـشـيرة كلهم في حملها — للقــبــر آخــر مــنــزل الإنـسـان
مــا بــيــن بــاك شـارق بـدمـوعـه — وَمــــمــــزق لثـــيـــابـــه وَلهـــان
دفَـنـوا العَروس بحفرة وَتَقهقَروا — مــتــأســفــيـن مـقـرَّحـي الأجـفـان
وَتَـبـيـنـوا أَحد الرؤوس فأَيقَنوا — أن ذاك رأس مــــعـــدد الديـــران
قَـد جـاءَ مـتـخذاً وَظيفته من ال — والي وَكــيــل جــلالة الســلطــان
مـا زالَ مـذ ورد القـضـاء معدداً — مَــع حــارســيــن مــلازم الدوران
فَـجَـرى القَـضـاء بأن يموت بخبثه — مــوتــاً يــخـازيـه مَـدى الأزمـان
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الكثبان: الثِّبَانُ : ما يُثْنى من طرف الثوب فيُجعل فيه شيءٌ يحمل؛ حملت الفلاَّحةُ التفاحَ في ثِبانِهاج ثُبُنٌ.
- النسوان: النِّسْوانُ : النِّسَاءُ.
- ريحان: الرَّيْحَانُ [روح]: جنسٌ من النّباتِ طيِّبُ الرائحة والحبُّ ذُو العَصْف والرَّيْحَانُ.-: الرحمةُ والرزق فأمّا إِنْ كَانَ مِنَ المقَرّبِينَ فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ وجَنَّةُ نعِيمٍ. -: كلُّ نبت طيب الرائحة من أنواعِ المشموم.-: …