أثارَ القضَا حُزْني وقد خانني الدَّهْرُ

الشاعر: الحبسي · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر الحبسي، من العصر العثماني، وتقع في 88 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

أثارَ القضَا حُزْني وقد خانني الدَّهْرُ ... وضاقتْ علىَّ الأرضُ والنفسُ والصدْرُ

وعن مهجتي عزَّ التجلدُ والصبرُ ... وقد باح ما أكنَنْتُه وفشا السرُّ

عشيَّةَ مات السيد الذمِرُ الحبْرُ ... ألا للإله الخــــالقِ الخَلْقُ والأمرُ

بأنفسنا يا قومُ لو يُقبلُ الفِدا ... فدْينا الفتى الندْبَ الكريمَ محمَّدا

فتى يوسف المعروف خير من اهتدَى ... فموتَتُه أضحى بها الدهرُ أسودا

إلى الله أشكو جوْرَ دهرٍ قد اعتدى ... لعل الكريمَ الحرَّ ليس له عمْرُ

تأمل أخي هل مثلَه سيداً ترى ... وسلْ عنه سكانَ المدائنِ والقُرى

فمن ذا الذي يحكى ابن يوسف في الورى ... سخيٌ ببذل المال والنفس والقرى

فلا تلد الآسادُ إلا الغضَنْفرا ... كذاك الشجاع الذَّمْرُ والده الذمرُ

ثوَى في الثرى تحتَ الجلاميدِ والحصَى ... وكان على الدنيا وليا ومخلصا

كريماً عدوَّ المال إنْ وافدٌ نصى ... صديقا لدى التقوى عدوا لمن عصى

وبحراً لدانيه وغيثاً لمن قصى ... ففي مثل هذا يكثرُ الحمدُ والذكرُ

جرَتْ عَبْرَةٌ من مقلتي بعد عَبْرَةٍ ... لفقد كريم مات مِنْ آل عَبْرِة

فيا عِبْرةً غطتْ على كل عِبْرةٍ ... فكن صاحبي بالحزن صاحبَ خِبرةِ

فَمَا الحزنُ إلا حسرةٌ بعد حسرةٍ ... وغزْرٌ من الآماق يتبعه غزْرُ

حوادثُ فيهنَّ المواعظُ والعِبرْ ... أيا سائلي يكفى العِيازُ عن الخبرْ

فلُمْ نفسَك الحوباءَ يا صاحِ أو فذَرْ ... فإن قضاءَ اللهِ قد يملك البشَرْ

إذا رشقتْ أصحابَها أسهُمُ القَدَرْ ... فلا يمنع التحذيرُ منهن والحِذَرْ

خليليَّ هل مثلُ ابنِ يوسف مقدامُ ... وهل مثلُه حُرٌّ كريم ومِطعامُ

وهل مثلُه حر تقي وقمْقامُ ... فـــــلله ليْـــــلاتٌ تــــقــــضُــــتْ وأيــــامُ

بكته نساءٌ نائحاتٌ وأقوامُ ... وناح عليه كلُّ من حوت السِّبْرُ

دفينَ الثرى أمسى الكريمُ ابنُ يوسفاَ ... وأمسى عليه الكلُّ يبكى تأسَّفَا

ودمعُ مآقينا أبي أنْ يُكَفْكِفَا ... وأنفسُنا كادتْ تموت تلهُّفا

وقد كدَّر الحزنُ المعيشة والصفا ... وعبَّســ وجهُ اليسْرِ وابتسم العسْرُ

ذُرا معقلِ الغبِّيــ بكى ثم أَعوَلا ... عشية خيرُ الأكرمينَ تحوَّلا

وصـــــاح عـــــليــــه كــــلُّ بــــاكٍ ووَلْوَلاَ ... فــــذلك أمــــر قــــد تبيَّنـــ للملا

أشــــدَّ وأدهى في الأمور وأهْولا ... ألا فاعتبرْ يأيها العاقلُ الحرُّ

رَثينْاك يا منْ طابَ فيه الرَّثا لنا ... وقد طاب فيه مدحُنا ومقالُنا

مضيْتَ وخلفتَ الجوى والجَفا لنا ... بكيناك حتى نوقُنا وجِمالنا

وعزَّ علينا صبرُنا واحتمالُنا ... وقد كلَّتِ الأعضاءُ وانكسر الظهرُ

زمانكمُ ما إن تُضاهيه أزْمُنٌ ... بــــغيضٌ غليظٌ كالِبٌ متخشِّنُ

ألا فــــكِّروا فــــي هذه وتبيَّنوا ... فما ظَنُّنا أن الشموسَ تُكَفَّنُ

وتوضعُ في بطن الثرى ثم تدفنُ ... وأن بدورَ التِّمـــ مغربُها القبرُ

سقى اللهُ قَفراً فيه قبرُ محمدٍ ... بمثْعَنْجرٍ هامٍ من الجُون أسودِ

مُلِثِّ الندى مُغْلَنْطِفِ المزْن مُرْعدِ ... يضل به الخِرِّيتُ طوراً ويهتدى

يــــحيِّرُ طرْفَ القائفِ المتعَوِّدِ ... حياً مكْفَهِر السحب أدمعُه غمْرُ

سألتك يا أللهُ يا خيرَ غفَّارِ ... سلامةَ نفسي والنجاةَ من النارِ

وحُــــطّ ذنــــوبــــي يا إلهي وأوزارِي ... وأسألُك التوفيق في الدار والدارِ

وحسنَ العزا والصبر في القدر الجارى ... سألتكَ يا ألله يا ربُّ يا بَرُّ

هو الحي لا يَفْنى ولا يتغَيرُ ... ألا فتعزَّوْا أيها القومُ واصبِروا

وأوبُوا إلى الربِّ المهيْمنِ واشكرُوا ... جميعاً فإن العسرَ من بعده يُسْرُ

صروفُ القضا صبرى عليهنَّ أحسنُ ... فإنْ لم أطقْ صبراً فما أنا محسنُ

تعالى الإله المستعانُ المكوِّنُ ... عليمٌ بما نُخفِى وما نحنُ نعلنُ

ومــــا أنــــا إلا عــــارف مــــتــــيــــقِّن ... وأعلمُ أن الموتَ من بعده حشرُ

ضحِكنا وطبْنا أنفساً وحِمامُنا ... يروح ويغدو خلفَنا وأمامَنا

ونأمل في الدنيا طويلَ مُقامِنا ... ويصَلُح فيها شربُنا وطعامُنا

لعمرك ما آمالُنا وكلامُنا ... إذا ما احتوانا الطينُ والرمل والصخرُ

طِوالٌ بها آمالُنا وذنوبُنا ... عظامٌ ولا تحصَى بعدٍّ عيوبنُا

ولم تنتفعْ بالموعظات قلوبُنا ... ولم ترْتدعْ والحادثاتُ تَنُوبنا

إذا كان كالشم الشناخيب حُوبُنا ... فأين يكون الاعتذارُ وما العذرُ

ظللَنا نقاسى حبَّ دُنْيتِنا عشقا ... وما إِنْ نبالى في الحياة بما نلقى

ظنَنَّاـ بأن نبقى لها ولنا تبقى ... وذلك ظنٌّ لم يكن مُغنياً حقا

إذا بلغَ الروحُ اللهيَّةــ والحلقا ... فكن لي مجيباً ما جوابك يا غِرُّ

عزيز اصطبارٍ منْ به حرقُ الحزنِ ... فيا عاذلي أقصرْ ويا لائمي دعنى

أقاسي أسىً أودى من الضرب والطعْنِ ... على فقد من قد نابَه الجور والفقرُ

غرامى وحزني واشتياقي وفكرتي ... تسيل بخدي مرةً بعد مرةِ

فما كفكفَتْ إلا همَتْ واسبكرَّتِ ... وفي القلب نار ليس يخبو لها جمرُ

فوا أسفا لو يُستفاد التأسُّف ... ويــــا لهــــف لو يــــفيد التلهفُ

ومــــا أنــــا إلا خــــائف مــــتــــخــــوِّفُ ... على عمُري لو يُستفاد التخوُّف

ولكــــن لنــــا رب بــــنــــا هُو ألطفُ ... فمنه العطاء الجمُّ والفتح والنصرُ

قريب سميعٌ لا يزال مهيْمِنا ... وما زال علاَّماً سلاماً ومؤمنا

شكرنا له شكراً كما قد أمدَّنا ... بمسعود أولى من تقاصى ومن دنا

وخيرا امرئٍ بالبرقد قد أصلح الدُّنا ... فأعوانه التوفيقُ والنصرُ والصبْرُ

كــــريمُ كِرامٍ من كِرامٍ أطايبِ ... قئولٌ فعولُ الخيرِ معْ كلِّ واجبِ

بطلعته زالُ اسودادُ الغياهبِ ... لقد سادنا رغم العدوِّ المحارب

وقـــــاه إلهُ العـــــرشِ شــــرَّ النــــوائب ... فلا الخيرُ نا آهُ ولانابه الشرُّ

له رتبة تعلو على كل سامكِ ... مسالكه رُشداً خيارُ المسالكِ

فصارت له بكر العلا غيرَ فاركِ ... هو العدل والى ابْنَ ابْنِ سيفِ بن مالكِ

إمامُ الهدى مُلْقى العدا في المهالكِ ... فلم يحْمهمْ منه حضيضٌ ولا وعرُ

معاقلُه طالتْ على كلِّ معقلِ ... هوالعَبْهلُ المقدامُ في كلِّ جحفلِ

يخاف لقاه كلُّ قيْل وعبْهل ... ويعرفه يوم اللقا كلُّ مُنَصل

هو العدل بعدَ الطاهر المتزمِّل ... به قد يموت الجور والظلمُ والكفرُ

نعم كلنا نسعى إليه ونلْتجِى ... ونخشى ومنه الخيرَ والعفوَ نرْنجى

قطعنا إليه كلَّ سهلٍ وسَجْسَج ... نسير بنورٍ بين سارٍ ومُدْلج

ما سجسجُ الشوق مثل جاحمه ... ولا صــــريــــح الهــــوى كمؤتَشِبِهْ

وسرنا أماناً منه في كل منهج ... به ودَّنا القالي وساعفنا الدهرُ

وقـــــاه إله العـــــرش شــــرَّ الحــــوادثِ ... ونــــجــــاه مــــن بــــاغٍ وعاتٍ وعائِثِ

ومــــن حــــاســــدٍ قــــال ردىٍّ ونــــافــــثِ ... ونجاه من كيد الخَلوبِ المباحثِ

وأبعد عنه الشرَّ من كل حادثِ ... وقد فارقاه في الدنا السقم والضر

هنيئاً لك الملك الكبيرُ المعظمُ ... وعــــدلُك والركــــنُ الذي ليــــس يُهــــدمُ

وحظك والجيشُ الخميسُ العَرمْرَمُ ... وواليك مسعود الكريمُ المكرَّمُ

ودمْ أيها الليثُ الكريمُ الغشْمشَمُ ... وعش وابق ما داما بها الحرُّ والقرُّ

لأنــــكــــمُ بــــدرُ الزمــــان وشــــمــــسُه ... وإنسان عين الدهر أنتم ورأسُه

وأنــــكــــمُ أُنــــسُ الحزين ونفسُه ... وصحةُ جسمى في يديكم ونكسُه

ومن أمركم حتفُ الكفور وحبسُه ... فدأبكمُ الهيجاء والعفو والقسْرُ

يحبكمُ قومٌ أحبوا نفوسَهمْ ... أنــــاسٌ كرامٌ طالعاتٌ شموسُهُم

وبُبغضكم مَن قيل لوَّوْا رؤوسَهم ... أهيلُ نفاقٍ لم تخفْ قط بُوسَهُمْ

وشابوا بكاسات الغموم كؤوسَهم ... فعيشهمُ في دهرهم علقمٌ مُرُّ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:

  • التجلد: جَلَدَ: الجِلْدُ والجَلَد: المَسْك مِنْ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِثْلُ شِبْه وشَبَه؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي، حَكَاهَا ابْنُ السِّكِّيتِ عَنْهُ؛ قَالَ: وَلَيْسَتْ بِالْمَشْهُورَةِ، وَالْجَمْعُ أَجلاد وجُلود والجِلْدَة … (لسان العرب)
  • الخالق: خلق: اللَّهُ تَعَالَى وتقدَّس الخالِقُ والخَلَّاقُ، وَفِي التَّنْزِيلِ: هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ؛ وَفِيهِ: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ؛ وإِنما قُدّم أَوَّل وَهْلة لأَنه مِنْ أَسماء اللَّهِ جَل … (لسان العرب)
  • الذمر: ذمر: الذَّمْرُ: اللَّوْمُ والحَضُّ مَعًا. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلا وإِن الشَّيْطَانَ قَدْ ذَمَّرَ حِزْبَه أَي حضهم وشجعهم؛ ذَمَرَه يَذْمُرُه ذَمْراً: لامَهُ وحَضَّهُ وحَثَّهُ. وتَذَمَّرَ هُوَ: لَا … (لسان العرب)
  • الندب: ندب: النَّدَبَةُ: أَثَرُ الجُرْح إِذا لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الْجِلْدِ، وَالْجَمْعُ نَدَبٌ، وأَنْدابٌ ونُدُوبٌ: كِلَاهُمَا جَمْعُ الْجَمْعِ؛ وَقِيلَ: النَّدَبُ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ أَنْدابٌ ونُدُوبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ … (لسان العرب)
  • خانني: خنن: الخَنِينُ مِنْ بُكَاءِ النِّسَاءِ: دُونَ الانْتِحابِ، وَقِيلَ: هُوَ تَرَدُّد الْبُكَاءِ حَتَّى يَصِيرَ فِي الصَّوْتِ غُنَّةٌ، وَقِيلَ: هُوَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْبُكَاءِ، وَقِيلَ: هُوَ صَوْتٌ يَخْرُجُ مِنْ الأَنف، خ … (لسان العرب)
  • فدينا: فدي: فَدَيْتُه فِدًى وفِداء وافْتَدَيْتُه؛ قال الشاعر: فلَوْ كانَ مَيْتٌ يُفْتَدَى، لَفَدَيْتُه بما لم تَكُنْ عَنْهُ النُّفُوسُ تَطِيبُ وإِنه لَحَسَنُ الفِدْيةِ. والمُفاداةُ: أَن تدفع رجلاً وتأْخذ رجلاً. والفِداء: أَن تَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة