إِنَّ الاَحِــــبّةَ آذَنُوا بِتَرَحُّلِ
الشاعر: سُراقة البارقي · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر سُراقة البارقي، من العصر الأموي، وتقع في 79 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إِنَّ الاَحِــــبّةَ آذَنُوا بِتَرَحُّلِ ... وَبصُرمِ حَبلِكَ بَاكِراً فَتَحَمّل
وأَرَنَّ حَادِيهِم عَلَى أُخرَاهُمُ ... بِصُلاَصِلٍ خَلفَ الرِّكَابِ وَأزملِ
ذُلُلاُ حُمُولَتُهَا بِبَينٍ عَاجِلٍ ... خُضُعاً سَوَالِفُهَا تَعُومُ وَتَعتلِى
يَمشِى وَيُوجِفُ خِدرُهَا بِغَمامَةٍ ... صَيفِيَّةٍ فِى عَارِضٍ مُتَهَلِّلِ
رَابٍ رَوَادِفُهَا يَنُوءُ بخَصرِهَا ... كَفَلٌ لَهَا مِثلُ النَّقَا المُتَهَيِّلِ
أَيّامَ تَبسِمُ عَن نَقِىٍّ لونُهُ ... صَافٍ يُزَيِّنُهُ سِوَاكُ الإِسحِلِ
ومُعَلَّقُ الحَلِى البَهِىِّ بِمُشرِقٍ ... رُؤدٍ كَسَالِفَةِ الغَزَالِ الأكحَلِ
ذَهَبَت بِقَلبِكَ فِى الأَنَامِ وَمِثلُهَا ... شَعَفَ الفُؤَادَ وسَرَّعَينَ المُجتَلى
وَكَأَنَّهَا فِى الدَّارِ يَومَ رَأَيتُها ... شَمسٌ يَظَلُّ شُعَاعُهَا فِى أَفكَلِ
تُعشِى البَصِيرَ إِذا تَأَمَّلَ وَجهَهَأ ... مِن حُسنِها وَتُقِيمُ عَينَ الأحوَلِ
أَو دُرَّةُ مِــــمَّاــــ تَــــنَقَّى غَائِصٌ ... فَأَسَرَّهَا لِلتَّاجِرِ المُتَنَخَّل
فَأَصَابَ حَاجَتَهُ وَقَالَ لِنَفسِهِ ... هَل يَخفَيَنَّ بَيَاضُهَا فِى مدخلِ
أو بكرُ أُدحِىِّ بِجَانِبِ رَملَةٍ ... عَرَبضَت لَه دَوِّيَّةٌ لَم تُحلَلِ
تِلكَ الَّتِي شَقَّتــ عَلَىَّ فَلاَ أَرَى ... أَمثَالَهَا فَأرحَل وَلا تَستقتِلِ
وَاعلَم بِأَنَّكَ لاَ تَنَاسَى ذِكرَهَا ... وَتَــــذَكَّرِ اللَّذَّاتِ إن لَم تَــــذهَــــلِ
لَو كُنتُ مُنتَهِكا يَمِيناً بَرَّةً ... لَحَلَفتُ حِلفَةَ صَادِقٍ مُتَبَهِّلِ
أَبِّى بِهَــــا عَــــفٌّ وَلَســــتُ بِآثِمٍ ... وَإِذا حَلَفتَ تَنَجُّدَا فَتَحَلَّلِ
مَا زَادَ مِن وَجدٍ عَلَى وَجدِى بهَأ ... إِلاَّ ابنُ عَمِّ يَومَ دَارَةِ جُلجُلِ
عَقَرَ المَطِيَّةَ إِذ عَرَضنَ لِعَقرِهَا ... إِنَّ الكَريمَ إِذَا يُهَيَّجــ يَختَلِ
وَافترَّ يَضحَكُ مُعجَباً مِن عَقرِهَا ... وَتَعَجُّباً مِن رَحلِهَا المُتَحَمَّلِ
وَرَكِبنَ أفوَاجاً وَقُلنَ فُكَاهَةً ... مَا كُنتَ مُحتالاً لِنِفسِكَ فَاحتَلِ
فَثَوَى مَعَ ابنَةِ خَيرِهِم فِى خِدرِهَا ... وَاشتَقَّ عَن مَلكِ الطَّرِيقِ المُعمَلِ
جَارُوا بِهنَّ وَلَو يَشَاءُ أَقَامَهُ ... قَلبٌ يَعُزُّ قَطَا الفَلاَةِ المَجهلِ
وَتَقُولُ لَمَّاـ مَالَ جَانِبُ خِدرِهَا ... انزِل لَكَ الوَيلاتُ إِنَّكَ مُرجِلِى
وَأًرَى مشنَ الرَّأىِ المُصِيبِ ثَباتُه ... أَن لاَ تَصِل حَبلاً إِذَا لَم تُوصلِ
وَاستَبقِ وُدِّكَ لِلصَّدِيقِ وَلاَ تَقل ... أَبَدَا لِذِ ضِغنٍ مُبِينٍ أَقبِلِ
وَدَعِ الفَوَاحِشِ مَا استَطَعتَ لأَهِلهَا ... وَإِذَا هَمَمتَ بِأَمرِ صِدقٍ فَافعَلِ
وَإِذَ غَضِبتَ فَلاَ تَكُن أُنشُوطَة ... مُستَعتِداً لَفَحَاشَةٍ وَتَبَسُّلِ
وَإِنِ افتَقَرتَ فَلاَ تَكُن مُتَخَشِّعاً ... تَرجُو الفَوَاضِلَ عِندَ غَيرِ المُفضِلِ
وَإِذَا كُفِيتَ فَكُن لِعَرضِكَ صَائِناً ... وَإِذَا أُجِــــئتَ لِبَذلِهِ فَتَبَذَّلِ
وَامنَع هَضِيمَتَكَ الذَّلِيلَ وَلاَ يُرَى ... مَولاَكَ مُهتَضَماً وَأنتَ بِمَعزِلِ
وَإِذا تَنُوزِعَتِ الأمُورُ فَلاَ تَكُن ... مِمَّنــ يُطَأطِىءُ خَدِّهُ للأَسفَلِ
وَاعمِد لأَعلاَهَا فَإِنَّكَ وَاجِدٌ ... أَحسَابَ قَومِكَ بِاليَفَاعِ الأطوَلِ
قَومِى شَنُوءَةُ إِن سَألتَ بِمَجدِهِم ... فِى صَالِحِ الأقوَامِ أَو لَم تَسألِ
أُخبِرتَ عَن قَومِى بِعِزٍّ حَاضِرٍ ... وَقِيَامِ مَجدٍ فِى الزَّمَانِ الأَوَّلِ
وَمآثِرٍ كَانَت لَهُم مَعلُومَةٍ ... فِى الصَّالِحِينَ وَسُؤدُدٍ لَم يُنحَلِ
الدَّافِعِينَ الذَّمَّ عَن أَحسَابِهِم ... وَالمُكرِمِينَ ثَوِيَّهُم فِى المَنزِلِ
وَالمُطعِمِينَ إِذَا الرِّيَاحُ تنَاوَحَت ... بِقَتَامِهَا فِى كُلِّ عَامٍ مُمحِلِ
وَتَغَيَّرَت آفَاقُهَا مِن بردِهَا ... وَغدَت بِصُرَّادٍ يَزيفُ وَأشمُلِ
المَانِعِينَ مِنَ الظُّلاَمَةِ جَارَهُم ... حَتَّى يَبِينَ كَسيِّدٍ لَم يُتبَلِ
وَالخَالِطينَ دَخِيلَهُم بِنُفُوسِهِم ... وَذَوِى بَقِيّةِ مَالِهِم فِى العُيَّلِ
وَتَرَى غَنِيَّهُمُ غَزيراً رِفدُهُ ... وَفَقِيرَهُم مِثلُ الغَنِىِّ المُفضِلِ
وَترَى لَهُم سِيمَى مُبِيناً مَجدُهَا ... غَلَبُوا عَلَيهَا النَّاسَ عِندَ المَحفِلِ
وَتَرَاهُمُ يَمشُونَ تَحتَ لِوَائِهِم ... بِالسَّمهَرِيَّاتِ الطِّوَالِ الذُّبلِ
فِى سَاطِعٍ يَسقِى الكُمَاةَ نَجِيعَهُ ... صَعبٍ مَذَاقَتُهُ رَظِينِ الكَلكَلِ
كَم فِى شَنُوءَةَ مِن خَطِيبٍ مِصقعٍ ... وَسطَ النَّدِىِّ إِذَا تَكَلَّمَ مِفصَلِ
جَزل المَوَاهِبِ يُستَضَاءُ بِوَجهِهِ ... كَالبَدرِ لاَح مِنَ السَّحَابِ المُنجَلِى
نَاب بِكُلِّ عَظِيمَةٍ تَغشَاهُمُ ... فَمَتَى تُحَمِّلهُ العَشِيرَةُ يَحمِلِ
مِن خُطَّةٍ لاَ يُستَطَاعُ كِفَاؤُهَا ... أَو غُرمِ عَانٍ مِن صَدِيق مُثقَلِ
إنِّى مِنَ الأَزدِ الَّذينَ أنُوفُهُم ... عِندَ السَّمَاءِ وَجَارُهُم فِى مَعقِلِ
رَامَت تَمِيمٌ أن تنَاوَلَ مَجدَنَا ... وَرَمَوا بِسَهمٍ فِى النِّضَالِ مُعَضِّلِ
وَسَعَوا بِكَفٍّ مَا تَنُوءُ إِلى العًلاَ ... مَقبُوضةٍ فتَذَبذَبَت فِى المَهبِلِ
حَسَداً عَلَى المَجدِ الَّذِى لَم يأَخُذُوا ... فِيمَا مَضَى مِنهُ بِحِبِّهِ خَردَلِ
وَأَنَا الَّذِى نَبَحَت مَعَدٌّ كُلُّهَا ... أسَدٌ لَدَى الغَايَاتِ غيرُ مُخَذَّلِ
قٌل لِلثَّعالِبِ هَل يَضُرُّ ضُبَاحُهَا ... أَسَداً تَفَرَّسَها بِنَاب مِقصَلٍِ
وَلَقَد أَصَبتُ مِنَ القَرِيضِ طَرِيقَةً ... أَعيَت مَصَادِرُهَا قَرِينَ مُهَلهِلِ
بَعدَ امرِىءِ القيسِ المُنَوَّهِ بِاسمِهِ ... أيَّامَ يَهذِى بِالدَّخُولِ فَحَومَلِ
وَأبُــــو دُوَادٍ كَــــانَ شَاعِرَ أُمَّةٍ ... أَفلَت نُجُومُهُمُ وَلَمَّاــ يَأفِلِ
وأبُو ذُؤَيب قَد اَذَلَّ صِعابَهُ ... لا يُنصِبَنَّكَ رَابِضٌ لَم يُذلَلِ
وَأرَادَهَا حَسَّانُ يَومَ تَعَرَّضَت ... بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلسَلِ
ثُمَّ ابنُهُ مِن بَعدِهِ فَتَمَنَّعَت ... وَإِخَالُ أَنَّ قَرِينَهُ لَم يَخذُلِ
وَبَنُو أَبِى سُلمَى يُقَصِّرُ سَعيُهُم ... عَنَّاـ كَمَا كَمَا قَصُرَت ذِراعَا جَروَلِ
وَأبُو بَصيرٍ ثَمَّ لَم يَبصُر بِهَا ... إِذ حَلّ مِن وَادِى القَرِيضِ بِمَحفِلِ
وَاذكُر لَبِيداً فِى الفُحُولِ وَحَاتِماً ... سَيَلُومُكَ الشُّعَرَاءُ إِن لَم تَفعَلِ
وَمُعَقِّراً فَاذكُر وَإِن أَلوَى بِهِ ... رَيـــــــبُ المَـــــــنُــــــونِ وَطَــــــائرٌ
وَأمَيَّةَ البَحرَ الَّذِى فِى شِعرِهِ ... حِكمٌ كَوَحىٍ فِى الزَّبُورِ مُفَصَّلِ
وَاليَذمُرِىَّ عَلَى تَقَادُمِ عَهدِهِ ... مِمّن قَضَيتُ لَهُ قَضَاءَ الفَيصَلِ
وَاقذِف أَبَا الطَّمَحَانِ وَسطَ خُوانِهِم ... وابنُ الطَّرَامَةِ شَاعِرٌ لَم يُجهَلِ
لاَ وَالَّذِى حَجَّتـــ قُرَيشٌ بَيتَهُ ... لَو شِئتُ إذ حَدَّثتُكُم لَم آتَلِ
مَا نَالَ بَحرِى مِنهُمُ من شَاعِرٍ ... مِمّن سَمِعتَ بِهِ وَلاًَ مُستَعجِلِ
إنِّى فَتًى أَدرَكتُ أَقصَى سعيهِم ... وَغَرَفتُ مِن بَحرٍ وَلَيسَ بجَدوَلِ
وَغَرَفتُ بَحراً مَا تُسَدُّ عُيُونُهُ ... أَربَى عَلَى كَعبٍ وبَحرِ الأَخطَلِ
وَعَلَى ابنِ مَحكانَ الَّذِى أَحكَمتُهُ ... فَتَرَكتُهُ مِثلَ الخَصِىِّ المُرسَلِ
وَحَلَيفِ إِبلِيسَ الَّذِى هُوَ جَارُهُ ... وَبِهِ يُغَيَّرُ كُلُّ أَمرٍ مُعضِلِ
وَهُدَيبَةَ العُذرِىِّ زَيَّنــ شِعرَهُ ... مَا قَالَ فِى سِجن وقَيدٍ مُثقِلِ
فَإِذا تَقَبَّلَ رَبُّنَا مِن شَاعِرٍ ... لقى الفَرَزدِقُ لَعنَةَ المُتَبَهِّلِ
عَمدَا جَعَلتُ ابنَ الزَّبِيرِ لِذَنبِهِ ... يَعدُو وَرَاهُمُ كَعَدوِ الثَّيتَلِ
ذَهَب السّوَابِقُ غُدوَةً وَتَرَكنَهُ ... إِنِّى كَذَلِكَ مَن أُنَاضِل يُنضَلِ
مَن شَاءَ عَاقَبَنِى فَلَم أَغِفر لَهُ ... أَو صَدَّعَنِى بَعدَ جَدعٍ مُؤصِلِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- باكرا: كرا: الكِرْوَةُ والكِراء: أَجر المستأْجَر، كَارَاه مُكَارَاةً وكِرَاءً واكْتَرَاه وأَكْرَانِي دابَّتَه ودارَه، والاسمُ الكِرْوُ بِغَيْرِ هَاءٍ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيُّ، وَكَذَلِكَ الكِرْوَةُ والكُرْوَةُ، والكِرَاء مَمْدُودٌ … (لسان العرب)
- ببين: بين: البَيْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى وجْهَين: يَكُونُ البَينُ الفُرْقةَ، وَيَكُونُ الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْناً وبَيْنُونةً، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَقَدْ فَرَّقَ الواش … (لسان العرب)
- بترحل: (رَحَلَ) الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي سَفَرٍ. يُقَالُ: رَحَلَ يَرْحَلُ رِحْلَةً. وَجَمَلٌ رَحِيلٌ: ذُو رِحْلَةٍ، إِذَا كَانَ قَوِيًّا عَلَى الرِّحْلَةِ، وَالرِّحْلَةُ: الِارْتِح … (مقاييس اللغة)
- بخصرها: خصر: الخَصْرُ: وَسَطُ الإِنسان، وَجَمْعُهُ خُصُورٌ. والخَصْرانِ والخاصِرَتانِ: مَا بَيْنَ الحَرْقَفَةِ والقُصَيْرَى، وَهُوَ مَا قَلَصَ عَنْهُ القَصَرَتانِ وَتَقَدَّمَ مِنَ الحَجَبَتَيْنِ، وَمَا فَوْقَ الخَصْرِ مِنَ الْجِ … (لسان العرب)
- بقلبك: قلب: القَلْبُ: تَحْويلُ الشيءِ عَنْ وَجْهِهِ. قَلَبه يَقْلِبُه قَلْباً، وأَقْلَبه، الأَخيرةُ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ. وَقَدِ انْقَلَب، وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. وتَقَلَّبَ الشيءُ ظ … (لسان العرب)
- بمشرق: شرق: شَرَقَت الشمسُ تَشْرُق شُروقاً وشَرْقاً: طَلَعَتْ، وَاسْمُ الْمَوْضِعِ المَشْرِق، وَكَانَ الْقِيَاسُ المَشْرَق وَلَكِنَّهُ أَحَدُ مَا نَدَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ … (لسان العرب)