مــاذا تــركــتَ بــعــالم الأحـيـاء
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 47 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الهمزة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مــاذا تــركــتَ بــعــالم الأحـيـاء — وأخـــذتَ مـــن حــبٍّ ومــن بــغــضــاءِ
لكَ بــعــد مــوتــكَ ذكــريــاتٌ حــيَّةٌ — جـــوَّابـــةُ الأشـــبـــاحِ والأصــداءِ
هـتـكـت حـجـابَ الصـمـتِ عـنكَ وربما — هـتـكـتْ غـشـاءَ المـقـلةِ العـمـيـاءِ
فــرأتْ مــخــايــلَ وادعٍ مــتــواضــعٍ — فـــي صـــورةٍ مـــن رقَّةـــٍ وحـــيـــاءِ
مــتــطــامــنِ النـظـراتِ إلا أنـهـا — نـــفَّاـــذةٌ لمـــكـــامـــن الأهـــواءِ
مــتــفــرِّســاتٍ فــي سـكـيـنـةِ قـانـصٍ — لم يــخْــلُ مــن حــذرٍ وفــرط دهــاءِ
شــيــخٌ أطــلَّ عـلى الشـتـاء وقـلبُه — مـــتـــوقِّدٌ كــالجــمــرةِ الحــمــراءِ
مــرَّ الرفــاقُ بــه فـشـيَّعـ ركـبـهـم — وأقـام فـرداً فـي المـكانِ النائي
وطــوى الحــيــاةَ كــدوحـةٍ شـرقـيـةٍ — أمــســتْ غــريــبــةَ تــربــةٍ وسـمـاءِ
لبــســتْ جــلال وحــادِهــا وتـرفَّعـتْ — بــالصــمــت عــن لغـوٍ وعـن ضـوضـاءِ
لم تـنـزل الأطـيـارُ فـيـءَ ظلالها — أو تَــبْــنِ عُــشّـاً أو تَـحُـمْ بـغـنـاءِ
حـتـى إذا عـرّى الخـريـف غـصـونـها — مــن وشــي تــلك الحــلَّة الخـضـراءِ
عَــبَـرت بـهـا صـدَّاحـةٌ فـي سـجـعـهـا — لُغــةُ الهــوى ورطــانــةُ الغـربـاءِ
وارحــمــتـا للنـسـر يـخـفُـق قـلبـهُ — بــصــبــابــة القُـمـريّـة البـيـضـاءِ
هـي لُمـعةُ القَبَسِ الأخير وقد خبا — نــجــمُ المــسـاءِ ورعـشـةُ الأضـواءِ
وتـوثُّبـُ الروح الحـبـيـس وقـد شدا — ثَــمِــلاً بـسـحـرِ الليـلةِ القـمـراءِ
وحـنـايـةُ الحـسنِ الغريرِ إذا رمى — فــشــريــقُ دمــعٍ أو غــريــقُ دمــاءِ
ومـــهـــاجــرٍ ضــاقــتْ بــه أوطــانُه — وتــــأثَّرتْهُ مــــخــــاوفُ الطــــرداءِ
لم تــثــنــه شــيــخــوخــةٌ مـكـدودةٌ — دون السِّفــارِ ولا صــقــيــعُ شـتـاءِ
مــتــطــلبٍ حــقَّ الحــيــاةِ لخــافِــقٍ — أمــســى مــهــيــضَ كــرامــةٍ وإبــاءِ
مـن كـان فـي أمـسٍ يـسـوسُ أمـورَهـم — ضــنُّوا عــليــه بــفـرحـةِ الطُّلـقـاءِ
يـقـضـونَ بـاسـمِ المـال فيه كأنما — ضــمِــنُـوا لمـصـرَ مـصـادرَ الإثـراءِ
هــلَّا قــضــوا لمــقــاصــفٍ ومـصـارفٍ — مــغــفــورةٍ مــنــهــومــةِ الأحـشـاءِ
أكــلتْ دمَ الفــلَّاح ثــم تــكَــفَّلــَتْ — بــحــصــادِ حــنــطــتِهِ وجـلدِ الشـاءِ
حــبٌّ بــلوتَ بــه العــذابَ ومــثــلهُ — مِــقَــتُ الســيــاسـةِ وهـي شـرُّ بَـلاءِ
عَــصَـفَـتْ بـأحـلامِ الرجـالِ وسـفـهـت — رأيَ اللبــيــبِ ومـنـطـقَ الحـكـمـاءِ
كـم فـوق سـاحِـلهـا خُـطـىً مـطـمـوسةٌ — كــانــت ســبــيــل هــدايــةٍ ورجــاءِ
وســفــيــنــةٌ مــهــجــورةٌ مـحـطـومـةٌ — حَـمَـلتْ لهـا البـشـرى طـيورُ الماءِ
أيـــن اللواءُ وربُّهـــُ وجـــمـــاعــةٌ — كــانـوا طـليـعـةَ مـوكـبِ الشـهـداءِ
وأخــو يـراعٍ فـي الصـفـوفِ مـدافـعٌ — بــــيَـــديْ حـــواريٍّ وصـــدرِ فـــدائي
لم يُـنْـصَـفـوا حـتـى بـبـعـض حـجارةٍ — خــرســاءَ مــاثــلةٍ لعــيــن الرائي
ومـضـوا فـمـا وجدوا كفاءَ صنيعهِم — تـــمـــثــالَ حــبٍّ أو مــثــالَ وفــاءِ
تـأبـى السـيـاسةُ غيرَ لونِ طباعِها — وتــريــدُ غــيــرَ طـبـائعِ الأشـيـاءِ
قــالوا أحــبَّ الإنـكـليـزَ وزادهـم — ودَّ الحــمــيــم ومــوثــق القـرنـاءِ
ها قد أتى اليوم الذي صاروا به — أوفــى الدعــاةِ وأكــرمَ الحـلفـاءِ
بـتـنـا نـغـاضـب مـن يـغاضبهم ولا — نــأبــى رعــايــتــهـم عـلى الضَّراءِ
رأيٌ أُخِـــذْتَ بـــه وليـــس بـــعــائبٍ — ذمَــــمَ الرجــــالِ مـــآخـــذُ الآراءِ
لكــن ســكــتَّ فــقــيــلَ إنَّكــ عـاجـزٌ — عــــن ردِّ عـــاديـــة ودفـــعِ بـــلاءِ
صَــمْــتٌ تــحــيَّرَ فــيــه كــلُّ مُــحــدِّثٍ — والصــمــتُ بــعـضُ خـلائق الكـرمـاءِ
فـي عـالمٍ يُـنـسـي الحـليـمَ وقـارَهُ — ويُــري البــنــيــنَ عـداوةَ الآبـاءِ
وتَـرى التـوائمَ فـيـه بـيـنَ عـشـيَّةٍ — مـــتـــنــافــراتِ طــبــيــعــةٍ ورواءِ
جـهـدُ الكـرامِ بـه افـتـرارُ مباسمٍ — وتــكــلُّفٌ فــي القــولِ والإصــغــاءِ
صُــوَرٌ عــرفــتَ لُبــابَهــا ولحـاءَهـا — فــكــأنــمــا خُــلِقَــت بـغـيـر لحـاءِ
قـد كـنـتَ تُـخلصُ لي الودادَ فهاكهُ — شــعــراً يــصــونُ مَــودَّةَ الخــلصــاءِ
يـجـدُ الرجـالُ بـه عـلى حـسـنـاتِهم — مــدحِــي وعــن هــنـواتِهـم إغـضـائي
فــاصـعـدْ لربِّكـَ فـهـو أعـدلُ حـاكـمٍ — وهــو الكــفــيــلُ بــرحــمـةٍ وجـزاءِ
وتــلَقَّ مــن حــكــمِ الزمـانِ وعـدلِهِ — مــا شــاءَ مــن نــقــدٍ ومـن إطـراءِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الهمزة — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- النائي: النَّائِي [ نأي]: فا.-: البعيدُ؛ عاد المسافرُ من بلَدٍ ناءٍ .
- بعالم: العَالَمُ : الخلقُ كلُّه الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.-: كلُّ صنف من أصناف الخلق؛ عالَمُ الإنسان/ عالَمُ الحيوان/ عالَمُ النبات.-: كلُّ مجموعة بلدان تجمعها رابطة؛ العالم العربي/ العالم الثالث، أي الدول النامية/ ال …
- بغضاء: البَغْضَاءُ والبَغْضَة : الكراهة الشديدة. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ.
- دهاء: دها: الدَّهْوُ والدَّهاءُ: العقل، وقد دَهِيَ فلانٌ يَدْهَى ويَدْهُو دَهاءً ودَهاءَةً ودَهْياً، فهو داهٍ من قوم دُهاةٍ، ودَهُوَ دَهاءةً، فهو دَهِيٌّ من قوم أَدْهِياءَ ودُهَواءَ، ودَهِي دَهىً، فهو دَهٍ من قوم دَهِينَ. الته …
- ركبهم: ركب: رَكِبَ الدابَّة يَرْكَبُ رُكُوباً: عَلا عَلَيْهَا، وَالِاسْمُ الرِّكْبة، بِالْكَسْرِ، والرَّكْبة مرَّةٌ واحدةٌ. وكلُّ مَا عُلِيَ فَقَدْ رُكِبَ وارْتُكِبَ. والرِّكْبَةُ، بِالْكَسْرِ: ضَرْبٌ مِنَ الرُّكوبِ، يُقَالُ: ه …
- غشاء: غشا: الغِشاءُ: الغِطاءُ. غَشَّيْت الشيءَ تَغْشِيَة إِذا غَطَّيْته. وَعَلَى بَصَره وقَلْبِه غَشْوٌ وغَشْوَةٌ وغُشْوَة وغِشْوَة وغِشَاوَةٌ وغَشَاوَة وغُشاوةٌ وغاشِيةٌ وغُشْية وغُشاية وغِشايةٌ؛ هَذِهِ الثَّلَاثُ عَنِ اللِّح …