لا تــفـزعـي يـا أرضُ لا تـفـرَقـي

الشاعر: علي محمود طه · البحر: السريع

هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 216 بيتًا. نُظمت على بحر السريع، ورويّها حرف الباء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لا تــفـزعـي يـا أرضُ لا تـفـرَقـي — مــن شَــبَــحٍ تــحــت الدُّجــى عـابـرِ

مــــا هــــو إلَّا آدمــــيٌّ شــــقــــي — ســمَّوْهُ بــيــن النــاسِ بــالشـاعـرِ

حـــنـــانَــكِ الآن فــلا تُــنــكــري — ســـبـــيــلَهُ فــي ليــلكِ العــابــسِ

ولا تُـــضـــلّيـــهِ ولا تـــنْـــفـــري — مــن ذلك المــســتــصــرخ البــائسِ

مُـدِّي لعـيـنـيـهِ الرّحـابَ الفِـسـاحْ — ورقــرقــي الأضــواءَ فــي جــفـنـهِ

وامــسـكـي يـا أرضُ عـصْـفَ الريـاحْ — والرّاعـــدَ المـــنــصــبَّ فــي أذنِه

أتــســمــعــيــنَ الآن فــي صــوتــهِ — تَهَــــدُّجَ الأنَّاــــتِ مــــن قـــلبـــهِ

وتـــقـــرأيـــنَ الآنَ فـــي صــمــتِهِ — تَـــــمـــــرُّدَ الرُّوحِ عـــــلى ربـــــهِ

فــي وقـفـةِ الذّاهـلِ ألقـى عـصـاهْ — مُــولّيَ الجــبــهــةِ شـطـرَ الفـضـاءْ

كــأنــمـا يَـرْقـى الدجـى نـاظـراهْ — ليــســتَــشِــفّـا مـا وراءَ السـمـاءْ

يَــســقُــطُ ضــوءُ البـرقِ فـي لمـحـهِ — عـــلى جـــبـــيـــنٍ بـــاردٍ شـــاحِــبِ

ويــســتــثــيــرُ البـردُ فـي لفـحـهِ — نـــاراً تَـــلظَّى مـــن فـــمٍ نــاضــبِ

أنـــــــتِ له يـــــــا أرضُ أمٌ رؤومْ — فــأشــهــدي الكــون عـلى شِـقـوَتـهْ

وردِّدي شــكــواهُ بــيــن النــجــومْ — فـهـوَ ابـنُـكِ الإنـسـانُ في حيرتهْ

مـــا هـــو إلا صــوتُــكِ المــرســلُ — وروحُــكِ المــســتــعــبَــدُ المـرهَـقُ

قــد آدَهُ الدهــرُ بــمــا يــحــمــلُ — فــــجــــاءَ عـــن آلامِهِ يـــنـــطـــقُ

طـغَـى الأسـى الدّاوي عـلى صـوتـهِ — يــا للصَــدَى مــن قـلبـهِ النَّاـطـقِ

مــضــى يــبــثُّ الدهــرَ فـي خـفْـتـهِ — شـــكـــايــةَ الخــلقِ إلى الخــالقِ

لا تَــعْـدُنـي يـا ربِّ فـي مـحـنـتـي — مــــا أنــــا إلَّا آدمــــيٌّ شـــقـــي

طَــرَدْتَــنــي بــالأمــس مـن جـنـتـي — فـاغـفـرْ لهـذا الغـاصـبِ المـحـنَقِ

حـــنـــانـــكَ اللهـــمَّ لا تــغــضــبِ — أنـتَ الجـمـيـلُ الصفحِ جمُّ الحنانْ

مــا كـنـتُ فـي شـكـوايَ بـالمـذنـبِ — ومـــنـــكَ يــا ربِّ أخــذتُ الأمــانْ

مــا أنـا بـالزاري ولا الحـاقـدِ — لكــنـنـي الشَّاـكـي شـقـاءَ البـشَـرْ

أفـنـيـتُ عـمري في الأسى الخالدِ — فــجــئتُ أســتــوحـيـكَ لطـفَ القـدَرْ

تـــمـــرَّدت روحــي عــلى هــيــكــلي — وهــيــكــلُ الجــســمِ كــمــا تـعـلمُ

ذاك الضــعــيـفُ الرأيِ لم يـفـعـلِ — إلَّا بـــمـــا يــوحــي إليــه الدمُ

يَــعــرُقُ حــدُّ الســيــفِ مــن لحـمـه — ويــحــطــمُ الصّــفــوانُ بــنــيــانَهُ

ويــنــخَــرُ الجــرثــومُ فـي عـظـمـهِ — ومــنــهُ يُــنْــمـي القـبـرُ ديـدانُه

مــا هــوَ إلَّا كــومــةٌ مــن هـبـاء — تــمــحــقـهُ اللمـسـةُ مـن غـضـبـتِـكْ

فـكـيـف يـشـنـي الروحَ عـمـا تشاء — وكــيــف يــقــوى وهـي مـن قـدرتـكْ

روحُــكَ فــي روحــي تـبـثُّ الحـيـاهْ — نـــزلتُ دنـــيــايَ عــلى فــجــرِهــا

فــإنْ جــفــاهــا ذاتَ يــومٍ سـنـاهْ — لاذتْ بــليـلِ المـوتِ فـي قـبـرِهـا

ومــــثــــلمـــا قـــدَّرْتَ صـــوَّرتَهـــا — فــروحــكَ الصــوتُ وروحــي الصــدَى

طــبــيــعــةٌ فــي الخـلْقِ ركَّبـتـهـا — ومــا أرى لي فــي بِــنــاهـا يـدا

لكـــنّـــمـــا روحُـــكَ مـــن جـــوهــرِ — صــافٍ وروحــي مــا صَــفــتْ جـوهـرا

أوْ لا فــمــا للخــيـرِ لم يُـثـمـرِ — فــيــهــا ومــا للشـرِّ قـد أثـمـرا

تــقــولُ روحــي إنــهــا مُــلهَــمــهْ — فـــهـــيَ لمــا قــدَّرْتُه مُــتــبِــعــهْ

مــقــودةٌ فــي ســيــرهــا مُــرْغــمَهْ — وإنْ تـــــراءَتْ حـــــرَّةً طـــــيِّعـــــهْ

قــيّــدتــهــا بــالجـسـم فـي عـالمِ — تــضــجُّ بــالشـهـوة فـيـهِ الجـسـومْ

كـــلاهـــمـــا فـــي حـــبّهِ الآثـــمِ — لم يـصْـحُ مـن سُـكراهُ وهو الملومْ

تُـبـدي بـهِ الأجـسامُ سحرَ الحياهْ — فـي مـعـرضٍ يـجـلو غـريـبَ الفـنونْ

نــواعــسَ الأجــفـانِ حُـوَّ الشـفـاهْ — شــديــدةَ الإِغـراءِ شـتَّى الفـتـونْ

ولم أكــــنْ أولَ مُـــغـــرَى بـــمـــا — أغــــرَتْ بــــهِ حــــواءَ أو آدمــــا

إرثٌ تــمــشَّى فــي دمــي مــنــهـمـا — مــيــراثــهُ يــنــتــظــمُ العـالمـا

فـــأنـــتَ قـــدَّرتَ عـــليَّ الشــقــاء — مــن حــيــثُ قــدَّرتَ عـليّ النـعـيـمْ

ومــا أرى هــل فــي غـدٍ لي ثـواء — بـالخـلدِ أمْ مـثـوايَ نارُ الجحيمْ

مــا أثِــمــتْ روحــي ولا أجــرمــتْ — ولا طـغـى جـسـمـي ولا اسـتـهـترا

عــنــاصــرُ الروح بــمــا أُلهِــمَــتْ — أوحــت إلى الجــســمِ فــمـا قـصَّرا

كــلاهــمــا لم يَــعْــدُ تــصــويــرَهُ — مــا كــان إلَّا مِــثــلمــا كُــوِّنــا

كــم حــاولا بــالأمــسِ تـغـيـيـرَهُ — فـاسـتـكـبـرَ الطـبـعُ ومـا أذعـنـا

أمــنــذِري أنــت بــيــومِ الحـسـابْ — ولائمـــي أنـــتَ عـــلى مـــا جــرى

رُحـمـاك مـا يـرضـيـكَ هذا العذَابْ — لطـــيّـــعٍ لم يَـــعْـــصِ مـــا قُـــدِّرا

مــا كــنــتُ إلا مــثــلمــا رُكِّبــَتْ — غــرائزي مــا شــئتَ لا مـا أشـاء

فــلتــجــزِهـا اليـوم بـمـا قـدَّمـتْ — وإن تــكــنْ مــمــا جَــنــتـهُ بـراء

وفــيــمَ تُــجــزى وهــيَ لم تــأثــمِ — ألســتَ أنــت الصــائغَ الطــابـعـا

ألمْ تــسِــمْهــا قــبــلُ بـالمـيـسـمِ — ألمْ تــصُــغْ قــالبــهــا الرائعــا

ألم تــصُــغْهــا عــنــصـراً عـنـصـرا — مـن أيـن مـا عـلمي وأنت العليمْ

جَــبَــلتــهــا يــومَ جــبـلتَ الثـرى — مــن عـالم الذرِّ ودنـيـا السَّديـمْ

الخــيــرُ والشــرُّ بــهــا تـوأمـانْ — والحــبُّ والشــهــوة فــي طــبـعِهـا

حــوّاءُ والشــيــطـانُ لا يـبـرحـانْ — يُــســاقِـطـان السّـحـرَ فـي سـمـعِهـا

تــشــكّــكـتْ نـفـسـي بـمـا تـنـتـهـي — إليــهِ دنــيــاهــا ومــاذا يـكـونْ

مــضــتْ فــمـا آبـتْ بـمـا تـشـتـهـي — مـن حـيـرة الفـكـر وهـجس الظنونْ

رأتْ إســاري فــي قــيــودٍ ثــقــالْ — بــيــن يــدَيْ ذي مِــرّةٍ يــبــسـمـونْ

يــســوقــهــم فــي فـلواتِ الليـالْ — فــي بـطـشِ جَـبَّاـريـنَ لا يـرحـمـونْ

إنْ ضـجَّ فـي الأغـلالِ مـنهم طليحْ — أخـــرســـهُ الســـوطُ الذي يُـــرهــفُ

وإنْ هــوى للأرضِ مــنــهــمْ جـريـحْ — أنـــهـــضـــهُ فـــي قــيــدهِ يَــرْسُــفُ

يــا ويــحـهـم مـا عـرفـوا مَـوئِلا — مـن قـسـوةِ الدهـرِ وجـورِ القـضاء

يــا أرضُ مــا كــنـتِ لنـا مـنـزلا — مــا أنــتِ إلا مـوبـقُ الأبـريـاء

أفـي سـبـيـل العـيـشِ هذا الصراعْ — أم فــي ســبـيـل الخـلدِ والآخـرهْ

وهـــؤلاء البـــائســونَ الجــيــاعْ — تــطـحـنـهـم تـلك الرَّحـى الدائرهْ

مــا ذنــبُ هــذا العـالم الثَّاـئِرِ — إنْ حـــاولَ الإفـــلاتَ مــن آســره

مــا كــانَ فــي مـيـلادهِ الغـابـرِ — أســعــدَ حــالاً مــنـهُ فـي حـاضـره

مـــا كـــانَ لو لم تـــنـــزُ آلامُهُ — بــالمــاجــنِ الرُّوحِ ولا الهــائمِ

ولو جـــرَتْ بـــالصـــفـــوِ أيــامــهُ — مــا كـانَ بـالرَّازي ولا النـاقـمِ

رأى بـعـيـنـيـه المـصـيـرَ الرهيبْ — وكــيــف غــالَ النــاسَ مــن قـبْـلِه

وكــلَّ يــومٍ للمــنــايــا عــصــيــبْ — يـــســـوقُهـــم للمـــوتِ مــن حــولِهِ

فـــحـــقَّرَ الدُّنــيــا وأزرى بــهــا — وقــالَ مــا لي أنــكــرُ الواقـعـا

فــلتَــسْــعَـدِ النـفـسُ بـأنـخـابـهـا — مـن قـبْلِ أن تلقى الغدَ الرائعا

أيـصـبـحُ الإنـسـانُ هـذا الرمـيـمْ — والجـيـفـةَ المـلقاةَ نهبَ الترابْ

أيـسـتـحـيـلُ الكـونُ هـذا الهـشيم — والظـلمـة الجـاثـمُ فيها الخراب

لمــنْ إذاً تــبــدعُ تــلك العـقـولْ — أفــي الرَّدى تــدرك مــا فــاتـهـا

أم فـي غـدٍ تـثـوي بـتـلك الطلولْ — ويــســحــقُ الدهــرُ يــواقــيــتَهــا

وآســـــفـــــا للعــــالَمِ البــــائدِ — ليـــس له مـــمـــا يـــرى مـــهـــربُ

عــلى رنــيــنِ المــنـجَـلِ الحـاصـدِ — مــضــى يُــغــنِّيــ وهــوَ لا يــطــربُ

فَــدَعــهُ يــنــسـى بـعـضَ مـا حُـمِّلـا — مـن نـكـد الدنـيـا وضـنكِ الحياهْ

وأوْلِهِ العـــــطـــــفَ الذي أمَّلــــا — فــــإنـــهُ أولى بـــعـــطـــفِ الإلهْ

مـــا هـــي إلَّا لحـــظـــاتٌ قــصــارْ — تَــمُــرُّ مِــثْــلَ الومــضِ فـي عـيـنـهِ

فـإن مـضـى الليـلُ وجـاءَ النـهارْ — عــــاودَهُ الخـــالدُ مـــن حـــزنـــهِ

ومــا أتــى الغَـيَّ ليـعـصـى الإلهْ — يــومــاً ولا كــان بــهِ مُــغــرَمــا

لكــنْ ليــنــســى شـقـواتِ الحـيـاهْ — وســرَّهــا المـسـتـغـلقَ المـبـهـمـا

يــا للشــقــيّ القــلبِ كــم سـامـهُ — تــوهُّمــ النــعـمـةِ مـا لا يُـطـيـقْ

يُـــريـــدُ أن يُـــقـــنــعَ أوهــامــهُ — بــــأنّهُ ذاك الخــــليُّ الطـــليـــقْ

هــــــــأنــــــــذا أرفــــــــعُ آلامَهُ — إلى ســمــاءِ المــنــقــذِ الأعـظـمِ

أنــــا الذي تـــرســـلُ أنـــغـــامَهُ — قــيــثــارةُ القــلبِ ونــايُ الفــمِ

مـن عـبـراتـي صُـغـتُ هـذا المـقالْ — ومــن لهــيــب الروحِ هـذا القـلمْ

مــلأتُ مــنــهُ صــفــحــاتِ الليــالْ — فـــضـــمِّنــَتْ كــلَّ مــعــانــي الألمْ

أنــــا الذي قــــدَّسْــــتَ أحــــزانَهُ — الشَّاـعـرُ البـاكـي شـقـاءَ البـشـرْ

فَــــجَّرْتَ بــــالرحــــمـــةِ ألحـــانَهُ — فـامـلأْ بـهـا يـا ربِّ قـلبَ القدرْ

مـا الشـاعـرُ الفـنّـانُ فـي كـونـهِ — إلَّا يــــدَ الرحــــمــــة مــــن ربّهِ

مُــــعَــــزِّيَ العــــالمِ فـــي حـــزنِهِ — وحــــامـــلَ الآلامِ عـــن قـــلبـــهِ

عـــــزاؤهُ شـــــعــــرٌ بــــهِ أهــــزجُ — فـــي نـــغــمٍ مــســتــعــذَبٍ ســاحــرِ

مــا يــحــزنُ العــالم أو يــبـهـجُ — إلَّا عـــلى قـــيــثــارةِ الشــاعــرِ

يـا ربِّ مـا أشـقـيتني في الوجودْ — إلَّا بــقــلبــي ليــتــهُ لم يــكــنْ

فـي المـثـل الأعـلى وحبِّ الخلودْ — حــمّــلتــهُ العــبـءَ الذي لم يَهُـنْ

خــلقــتــهُ قـلبـاً رقـيـقَ الشـغـافْ — يـهـيـمُ بـالنـورِ ويـهـوى الجـمالْ

حَــلَتْ له النــجــوى ولذَّ الطــوافْ — بـعـالم الحـسـنِ ودنـيـا الخـيـالْ

بــعــثـتـهُ طـيـراً خـفـوقَ الجـنـاحْ — عــــلى جِـــنـــانٍ ذاتِ ظـــلٍّ ومـــاءْ

أطـلقـتـهُ فـيـهـا قُـبَـيْـلَ الصـباحْ — وقــلتَ غــنّ الأرضَ لحــنَ السـمـاءْ

فــهــامَ فــي آفــاقـهـا الواسـعـهْ — النُّورُ يـــهـــفـــو حـــولَهُ والنَّدى

مُــصــفِّقــاً للضــحــوةِ الســاطــعــهْ — ومــنــشــداً مــا شـاءَ أن يُـنـشـدا

إنْ جــاءَ صــيــفٌ أو تـجـلَّى ربـيـعْ — حــيَّاــهُ مــنــهُ عــبـقـريُّ الغِـنـاءْ

وكــم خــريــفٍ فــي نــشـيـدٍ بـديـعْ — تــظــلُّ تــرويــه ليــالي الشـتـاءْ

قـــيـــثــارةٌ تــصــدرُ فــي فــنِّهــا — عـن عـالم السِّحـر ودنـيا الخفاءْ

عـلى الصَّدَى الحـائِر مـن لحـنـهـا — يـسـتـيـقـظُ الفـجرُ ويغفو المساء

مَــشــتْ عــلى الأمـواجِ أنـغـامُهـا — والأرضُ قـيـدَ النـشـوة المـسـكِرهْ

كـــأنـــمـــا تـــرقـــصُ أحـــلامُهــا — فـــي ليـــلةٍ شــرقــيــةٍ مُــقــمــرهْ

مــن قــلبــهِ أســلَسْــتَ أوتــارَهــا — فــــقـــلبُهُ يـــخـــفـــقُ فـــي كـــفِّه

يـشـدو فـتُـمـلي النـفـسُ أسـرارها — عــليــهِ فــهــيَ اللحـنُ مـن عـزفـهِ

ذاتَ صـــبـــاحٍ طـــار لا يُـــمــهِــلُ — والأرضُ سَـكـرى مـن عـبيرِ الزهورْ

عـــلى حـــصـــاهـــا رنَّمــَ الجــدولُ — وفــي روابـيـهـا تُـغـنّـي الطـيـورْ

مـا كـان يـدري قـبـلَ أن يـنـظـرا — مــا خَــبــأتْهُ النـظـرةُ العـاجـلهْ

مـــا أبـــدعَ الحــلم الذي صــوَّرا — لوْ لم تَـشـبْهُ اليـقـظـةُ القـاتلهْ

مــرَّ بــنــهــرٍ دافــقٍ ســلســبــيــلْ — تــهــفــو القـمـارى حـوله شـاديَهْ

فــي ضـفـتـيـهِ بـاسـقـاتُ النـخـيـلْ — تـرعـى الشـيـاهُ تـحـتـهـا ثـاغـيهْ

فـــهـــاجــت النــظــرةُ مــمــا رأى — فــي قــلبــهِ الحـسـرَ وفـي عـيـنـهِ

الكــونُ يــبــدو وادعــاً هــانــئا — كــــأنـــهُ الفـــردوسُ فـــي أمـــنِه

فـظـلَّ فـي التـفـكـيـر مـسـتـغـرقـا — مـن فـتـنـة الدنـيـا ومـن سـحرِها

مــا كــان إلَّا ريــثــمــا حــدَّقــا — حــتــى جَــلَتْ دنــيــاهُ عــن سـرِّهـا

رأى بــعــيــنــيــهِ الذي لم يَــرهْ — الذئبَ والشــاةَ وحــربَ البــقــاءْ

مــا عَــرفَ القــتــلَ ولا أبــصــرهْ — ولا رأى مــن قــبـلُ لونَ الدمـاءْ

مـــا هـــي إلا صـــرخـــاتُ الفــزعْ — وصــيــحــةُ المــقــتــولِ والقـاتـلِ

قـد انـقـضـى الأمـرُ كـأنْ لم يقعْ — وضــاع صــوتُ الحــقّ فــي البـاطـلِ

وبــعــدَ ســاعــاتٍ يُــوَلّي النـهـارْ — ويـــقـــبــلُ الليــلُ ومــا يــعــلمُ

ســيــلبــثُ الســرُّ وراءَ الســتــارْ — ويــخــتـفـي الشـلوُ ويُـمـحـى الدمُ

فــــرُوّع الشــــاعــــرُ مـــمـــا رآهُ — وهـــامَ فـــي الأرض عــلى وجــهــهِ

أيــن تـرى يـا أرضُ يُـلقـي عـصـاهُ — وأيُّ وادٍ ضــــلَّ فــــي تــــيــــهــــهِ

حـــتـــى إذا شــارفَ ظــلَّ الشــجــرْ — فــي روضــةٍ غــنــاءَ ريَّاـ الأديـمْ

قـد ضَـحِـكـتْ للنـور فـيـهـا الزَّهرْ — وصـــفَّقـــَتْ أوراقُهـــا للنـــســيــمْ

إخــتــار فــي الظــلِّ له مــقـعـدا — فـــي ربـــوةٍ فـــاتـــنــةٍ ســاحــرَهْ

أذاب فــيــهـا الشـفـقُ العـسـجـدا — ونـاسـمـتـهـا النـفـحـةُ العـاطـرهْ

بـيـنـا يُـمَـلِّي العـيـنَ مـن سحرها — إذ أبــصــر الصَــلَّ بــهـا مُـطـرقـا

قـد انـتـحـى الأطـيـارَ في وكرِها — فــســامَهــا مــن نــابــهِ مــوبـقـا

هـل سـمِـعَـتْ أذنـاك قـصـفَ الرعـودْ — فـي صـخَـبِ البـحـرِ وعـصـفِ الريـاحْ

هـل أبـصـرتْ عـيـنـاك ركضَ الجنودْ — فــي فــزعِ المـوتِ وهـولِ الكـفـاحْ

إن كــنــتَ لم تـبـصـرْ ولم تـسـمـعِ — فــقِــفْ إلى مــيــدانـهـا الأعـظـمِ

مــا بــيــن مــيــلادكَ والمــصــرعِ — مــا بــيــن نــابــي ذلك الأرقــمِ

جـــريـــمــةُ الغــدرِ وســفــكِ الدمِ — جــريــمـةٌ لم يـخـلُ مـنـهـا مـكـانْ

يـــا لُجـــةً كـــلٌّ إليـــهــا ظــمــي — قــد جــاز طـوفـانُـكِ شـمَّ القـنـانْ

مـن عـلّم الوحـشَ الأذى والقـتالْ — مــن بــثَّ فــيـهِ الشـرَّ أو ألهـمـهْ

مـن عـلّم الثـعـبـانَ هـذا الختالْ — والحــيــوانَ الغــدرَ مــن عــلّمــهْ

يـا أرضُ هـذا الوحـيُ مـن عـالمِـكْ — المــاءُ والطــيــنُ بــه يــشـهـدانْ

جـــنـــيـــتِ يـــا أرضُ عــلى آدمِــكْ — إذ سـمـتـه بـالأمـسِ هـجرَ الجنانْ

يــا ضـلّة الشـاعـر أيـن النـجـاهْ — وأيـــن أيـــنَ المـــنـــزلُ الآمــنُ

أكــــلَّ وادٍ طــــرقـــتـــه خُـــطـــاهْ — طــالعــهُ مــنــهُ الرَّدى الكــامــنُ

حــتــى إذا ضــاقـتْ عـليـهِ السُّبـُلْ — وعــزَّ فــي الأرض عـليـهِ المـقـامْ

أوى إلى كــهــفٍ بــســفــح الجـبـلْ — عــســاهُ يــقــضـي ليـله فـي سـلامْ

مـــا كـــان إلَّا حُــلُمــاً كــاذبــا — أفــاقَ مــنـهُ مـسـتـطـيـرَ الجَـنـانْ

البــحــرُ يُــرغــي تـحـتـهُ صـاخـبـا — والشّهــبُ نــارٌ والديــاجـي دخـان

الأرضُ مــن أقــطــارهــا راجــفــه — كــأنــمــا طـافَ عـليـهـا المـنـونْ

تــضــجُّ فــي أرجــائهـا العـاصـفـه — كــأنــمــا النـاسُ بـهـا يُـحـشـرونْ

ثــم اســتــقــرَّ العــالمُ الثــائرُ — وأقـــبـــلَ النــورُ وولّى الظــلامْ

واعَــجــبــاً مــمــا يــرى الشـاعـرُ — كــأنــمـا أمـسـى بـوادي الحِـمـامْ

بـــدتْ لهُ الأرضُ كـــقــبــرٍ عــفــا — إِلّا بَـــقـــايـــا رِمَّةـــٍ أو حــجــر

قـد أصـبـح القـاعُ بـهـا صـفـصـفـا — فــمــا عــليــهــا مـن حـيـاةٍ أثـرْ

مــرَرْتُ بــالبُــلدانِ مُــســتــعـبـرا — أبـكـي الحـضـاراتِ وأرثي الفنونْ

أنــقــاضُهــا تــمــلأ وجـه الثـرى — وكــنَّ بــالأمــس مــثــارَ الفـتـون

أتــى عــلى اليــابــسِ والأخــضــرِ — المــوجُ والنــوءُ وســيــلُ الحُـمَـمْ

يـا رحـمـةَ اللَّهِ اهـبـطـي وانظري — مـــا حـــصــدَ المــوتُ ودكَّ العَــدَمْ

أيــســتـحـقُّ النـاسُ هـذا العـقـاب — أم حــانـت السـاعـةُ مـن نـقـمـتـكْ

مـا احـتملوا يا ربّ هذا العذابْ — إلَّا رجــاءَ الغــوثِ مــن رحــمـتـكْ

أمــا تــرى مــنــفـرجـاتِ الشـفـاهْ — عــن آخـر الصـيـحـات مـن رعـبـهـا

مـا زال فـيها من معاني الحياهْ — إيــمــاءةُ الشــكــوى إلى ربــهــا

وهــذه الأعــيــنُ نــهــبَ العـفـاءْ — فــي رقــدةِ المـوتِ كـأنْ لم تَـنَـمْ

مُــحــدَّقــاتٍ فــي نـواحـي السـمـاءْ — تُــشــهــدهــا هـذا الأسـى والألمْ

وهــذه الأيــدي تــحــوطُ الصــدورْ — كـــأنـــهــا فــي مــوقــفٍ للصــلاهْ

لم تَـنْـسَ في نزْع الحياةِ الغرورْ — ضــــراعــــةً تـــرســـمـــهـــا للإلهْ

مــا عــرَفــوا فـي صَـعـقـاتِ الردى — إلَّاكَ مـــن غـــوثٍ ومـــن مـــنــجــدِ

ولا سـرى فـي الأرض مـنـهـم صـدى — إلَّا ودوّى بـــاســـمِـــكَ الأمـــجــدِ

أعـــبـــرةً تــذكــرهــا كــلَّ حــيــنْ — للعـــالم الذَّاكـــرِ إمَّاـــ نـــسِــي

أمْ ضـــربـــاتٍ قــاســيــاتٍ تُــليــنْ — بــــهـــنَّ قـــلبَ الفـــظِّ والأشـــرسِ

أم مــوجــةُ الطـهـرِ التـي تـغْـسـلُ — مـــآثـــمَ الكــونِ وتــمــحــو أذاهْ

يــا ربِّ ضِــقــنــا بــالذي نــحـمـلُ — فـحـسـبُـنـا آلامُـنـا فـي الحـيـاهْ

ألمْ تُــــطــــهِّرْ ذلك العــــالمــــا — مـــن كـــل عــاصٍ أو غــويٍّ جــمــوحْ

مــا غــادر المــوجُ بــهِ قــائمــا — يـوم احـتوى الأعلامَ طوفانُ نوحْ

إذاً فــمــا للنــاسِ ضـلُّوا الهـدى — وأخـطـأوا اليـوم سـبـيـلَ الرشادْ

لعــلَّ نــوحــاً أخــطــأ المــقـصـدا — فــأغــرقَ الخــيـرَ ونـجَّى الفـسـادْ

يــا ليــتَهُ لمّــا دعــا بــابــنــهِ — وحــالتْ الأمــواجُ أنْ يُــسْــمــعــا

لجَّ عـــليـــهِ القــلبُ فــي حــزنــهِ — فـــلم يـــرَ الجـــوديَّ لمّـــا دعــا

يـــا أرضُ ولّى عـــهــدُ نــوحٍ وزالْ — فـــمـــن لكِ اليـــومَ بـــطــوفــانِهِ

مـسـكـيـنـةً تـطـويـن بـحـرَ الليالْ — قـــد عـــزَّكِ المــرســى بــشــطــآنِهِ

إلامَ تــطــويــن عُــبـاب السـنـيـنْ — شـــوقـــاً إلى فــردوســكِ الضــائعِ

غُــرّرْتِ يــا أرضُ بــمــا تـحـلمـيـنْ — فـاسـتـيـقـظـي مـن حـلمـكِ الخـادعِ

وابــقــيْ كــمــا أنـتِ عـلى مـوجـهِ — تُــمــزِّقُ الأنــواءُ مــنـك الشـراعْ

يـــقـــذِفُـــكِ التـــيَّاـــر فـــي لجِهِ — عــشـواءَ لا يـهـديـكِ فـيـهِ شـعـاعْ

ســـلي القـــداســاتِ وأربــابــهــا — ضــراعـةً تُـصـغـي إليـهـا السـمـاءْ

أو فــاطــرقـي بـالبـثِّ أبـوابـهـا — لعــلّهــا تــرفــعُ عــنــكِ الشـقـاءْ

يــا أيـهـا الغـادونَ والرائحـونْ — فــي شــعـبِ الأرضِ وليـل الهـمـومْ

تُـمـسـون أشـتـاتـاً كـمـا تـصـبحونْ — والشـمـس حـيـرى فـوقـكم والنجومْ

مُدُّوا لها الأيدي وولُّوا الجباهْ — وأرســـلوهـــا صـــيـــحـــةً واحـــدهْ

قـولوا لهـا يا من شهدتِ الحياهْ — مـن أيـنَ تـلك النـظـرةُ الجـامدهْ

مـن أيـنَ تـلك النـظـرةُ الهـادئهْ — والقـسـمـاتُ المـشـرقـاتُ الجـبـينْ

هــل أنــتِ مــن آلامــنــا هــازئهْ — أم أنـتِ يـا أعـيـنُ لا تُـبـصـريـنْ

أم هــكــذا أوحـى إليـكِ القـضـاءْ — فــمــا عــرفـتِ الحـزنَ والأدمـعـا

يـا أيُّهـا الناس اضرعوا للسماءْ — قــد آن أن تُــصـغـي وأن تـشْـفـعـا

هاتوا الأزاهيرَ وهاتوا الغصونْ — وكــلَّ مــا يــحــلو ومــا يــجــمــلُ

قـد آن أن تُـفْـضـوا بـمـا تشعرونْ — فـأشـعـلوا النـارَ بـهـا أشـعـلوا

أو فـامـلأوا مـن زهـرها اليانعِ — مـجـامـرَ النـارِ وألقـوا البـخورْ

وصــــــعِّدوا فـــــي ذِلّةِ الضـــــارعِ — أنـفـاسـكـم نـشْـوى بـتـلك العطورْ

أحــبــبْ بــهــا مــن أنَّةــٍ عـاطـرهْ — فــي مــسـمـعِ الأمـلاكِ إذ تـصـعـدُ

أصــداؤُهــا الرفَّاــفَــةُ الحــائره — فــي وجــهــهـا الآفـاق لا تـوصـدُ

يــا أرض نــاديــتُ فــلم تـسـمـعـي — أنــكــرتِ صــوتــي وهـو مـن قـلبـكِ

لا تَــفــرقــي مــنـي ولا تَـفـزعـي — مـــــن شـــــاعــــرٍ شــــاكٍ إلى ربِّكِ

أيَّتــُهــا المــحــزونـةُ البـاكـيـهْ — لا تــيـأسـي مـن رحـمـةِ المـنْـقِـذِ

لعـــلَّ مـــن آلامِـــكِ الطـــاغــيــهْ — إذا دعـــوتِ الله مـــن مـــنـــفَــذِ

فــابــتــهــلي لله واســتــغــفــري — وكـــفّـــري عـــنـــكِ بــنــار الألمْ

وقــدِّمــي التــوبــةَ واســتــمـطـري — بـــيـــن يَــدْيــهِ عــبــراتِ النــدمْ

البحر والقافية

القصيدة على بحر السريع. بحر خفيف سريع الإيقاع كما يدلّ اسمه، يصلح للموضوعات الخفيفة والقصص.

تفعيلاته: مستفعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الباء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • البائس: البَائِسُ : فا.-: المحتاج.-: المبتلَى؛ عاش بائساً بعد وفاة أبيه.-: المعدم وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ.
  • الرحاب: الرُّحَابُ : الواسع؛ قِدْرٌ رُحابٌ، أي واسعة.
  • العابس: العابس : فا.-: المتجهّم؛ هو عابس الوجه دائماً.
  • الفساح: السَّاحُّ : فا.- من الإنسان والحيوان: السَّمِينُ غَايَةَ السَّمَنِ ج سِحَاحُ وسُحَاحُ مؤ سَاخَّة.
  • المنصب: المَنْصِبُ : المَقَامُ.-: الأَصْلُ؛ لِفلان مَنْصِبٌ كَريمٌ.-: مَا يَتَوَلاَّهُ المَرْءُ من العَمَلِ؛ تَوَلَّى جَدِّي مَنْصِبَ القَضَاءِ/ لِفلان مَنْصِبٌ، أي عُلوُّ ورِفعة ج مَنَاصِبُ.
  • بالشاعر: الشَّاعِرُ : قائِلُ الشِّعرِ؛ (الشُّعراءُ أُمراءُ الكلام، يُقصّرون طويلَه، ويُطوّلون قصيرَه) ج شُعَرَاءُ/ شعرٌ شاعِرٌ، أي جَيِّدٌ.

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة