إلى قِــــمَّةِ الزَّمنِ الغابرِ
الشاعر: علي محمود طه · البحر: المتقارب
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 420 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
إلى قِــــمَّةِ الزَّمنِ الغابرِ ... سَمَتْ رَبَّةُ الشعر بالشاعرِ
يَشُقُّ الأثيرَ صدىً عابراً ... وروحــــاً مُــــجَنَّحَةَ الخاطرِ
مضتْ حرةً من وثاق الزَّمانِ ... ومن قبضةِ الجسدِ الآسرِ
وأوفتْ على عالَمٍ لم يكنْ ... غريباً على أمسِها الدَّابرِ
نمَتْ فيه بين بناتِ السديمِ ... وشــــبَّتــــْ مــــع الفــــلكِ الدائرِ
تُلقَّنُ سيرَتَها في الحياة ... وتنطُقُ بالمثلِ السائرِ
وترْسُمُ أسماءَ ما عُلِّمَتْ ... من القلم المبدع القادرِ
مشاهدُ شتى وَعَتها العقولُ ... وغابتْ صُواها عن الناظرِ
وجودٌ حوى الروح قبل الوجودِ ... ومــــاضٍ تمثَّلَ في حاضرِ
تبدَّى لها فانجلى شكُّها ... وثابت إلى وَعْيِها الذَّاكرِ
وأصغت فمرت على سمعِها ... روايةُ ميلادِها الغابرِ
هو البعثُ فاستمعوا واقرأوا ... حديثَ السَّماءِ عن الشاعرِ
عَجبتُ مَنِ الملَكُ العابرُ ... ومــــــنْ ذلك الشَّبـــــَحُ الطَّاـــــئرُ
أهَلَّا علينا فما سلَّما ... ولا صافح الناظرَ الناظرُ
وللرِّيــــــحِ حــــــولهـــــمـــــا زَفَّةٌ ... كما صَدَحَ المِزْهَرُ الساحرُ
أفي عالمِ الأرضِ بعثٌ جديد ... أم الوهْــــمُ مثّله الخاطرُ
نعم هو روحٌ جميلُ الإهاب ... يُنِيلُ الرِّياحَ جَنَاحَيْ مَلَكْ
وذلك هــــرمــــيسُ يَسْري بهِ ... سُرى النورِ في سُبُحاتِ الفلكْ
عرفناهُ لا شكَّ هذا فتىً ... سَيَسْلُكُهُ الفنُّ فيمن سَلَكْ
غداً تملأُ الأرضَ ألحانهُ ... ويَبْقى صداها إذا ما هلَكْ
إلى الأرضِ فليمضِ هذا الشقيُّ ... ألا ولتَفِضْ كأسُهُ بالشجونْ
جزاءً لِما غضّ من أمرنا ... ومرَّ كأنْ لمْ تلاقَ العيونْ
أراهُ ولمَّاـــ يَزَلْ بيننا ... أصابَتْه لُوثَةُ أهلِ الفنونْ
لئنْ صحَّ ما كان من أمرهِ ... فيا شِقْوَةَ الأرضِ ممَّاـ يكونْ
حنانكِ يا أختِ لا تغضَبي ... فما اختالَ زهواً ولا استكبرا
لقد كفَّ عينيهِ بَرْقُ الحياةِ ... فمرَّ بنا دون أن يُبْصِرا
لنا مِثْلُهُ في غدٍ غشيةٌ ... إذا ما حللنا رحابَ الثرى
إذا كان في الأرضِ هذا الشقاءُ ... فــــلا كانَ بَعْثٌ ولا قُدِّرا
أرى في حديثكِ معنى الرِّضا ... وأسمعُ فيهِ هُتَافَ الحنانْ
فــــــهــــــلا ذكـــــرتِ لهُ إخـــــوةً ... حديثهمُ ملءُ سَمْعِ الزمانْ
أصاروا الفنونَ رُمُوزَ الأثامِ ... واستلهموا الشرَّ سِحْرَ البيانْ
وأغرَوْا بحواءَ ما لُقِّنوا ... وما حذَقُوا من طريدِ الجنانْ
ألمْ تسمعِي بفتى شاعرٍ ... يُــــحَــــمِّلــــُهــــا عبءَ أوزارِهِ
ترَشَّفها خمرةً فانتشَى ... فــــألقمها مرّ أثمارِهِ
أنالته أجمَل أزهارِها ... فــــأهــــدى لهــــا شَرَّ أزهارِهِ
إذا كنتِ يا أخت لم تسمعي ... خُذي فاقرأي بعضَ أشعارِهِ
ولفَّتْ ذراعين كالحيّتينِ ... عليَّ وبي نشوةٌ لم تطِرْ
وقد قرَّبتْ فمَها من فمي ... كشِقَّينِ من قبَسٍ مُسْتَعِرْ
أشمُّ بأنفاسها رغبةً ... ويهتفُ بي جفنُها المنكسرْ
تبيَّنْتُ في صدرها مصرعي ... وآخرة العاشقِ المنتحِرْ
أفي حُلُمٍ أنا أم يقظةٍ ... ومنْ أنتِ أيتها الخاطئهْ
هو الحبُّ لا بل نداءُ الحياة ... تُلبِّيهِ أجسادُنا الظامئهْ
يَخِفُّ دمي لصداهُ الحبيبِ ... وتدفعني القُدرةُ الهازئهْ
كأني ببحرٍ بعيدِ القرار ... طـــــوى أفـــــقَه وزوَى شــــاطــــئهْ
أرى ما أرى جسَداً عارياً ... تضجُّ به الشهوةُ الجائعهْ
أرى مــــا أرَى حَدَقيْ ساحر ... تؤجّان بالنظرة الرائعهْ
أرى مــــا أرى شَفتيْ غادةٍ ... ترِفَّان بالقُبلَةِ الخادعهْ
تُساقطني ثمراً ما أرى ... أرى حيَّةَ الجنَّةــ الضائعهْ
بعينكِ أنتِ فلا تُنكري ... صفاتِ أنوثتكِ الشَّاهدهْ
تَمثَّلْتِ شتَّى جسومٍ وكم ... تــــجــــدَّدْت فــــي صُــــوَرٍ بــــائدهْ
نعم أنت هنَّ نعم ما أرى ... أرى الكلَّ في امرأةٍ واحدهْ
لقد فنيَتْ فيك أرواحهن ... وها أنتِ أيتها الخالدهْ
لقد كنتِ وحْي رَخامٍ يصاغُ ... فأصبحتِ لحماً يثير الدماءْ
وكنتُ فتىً ساذجاً لا أرى ... سوى دميةٍ صوِّرت من نقاءْ
أُنيلُ الثرى قَدَميْ عابرٍ ... يعيش بأحلامِه في السماءْ
فأصبحتُ شيئاً ككل الرجال ... وأصبحتِ شيئاً ككل النساءْ
وكنتِ أميرة هذي الدُّمى ... وصورةَ حُسنٍ عزيز المنالْ
وكنتِ نموذجَ فنِّ الجمالِ ... أحــــبُّكــــِ للفــــنِّ لا للجمالْ
أرى فيكِ ما لا تحدُّ النّهى ... كأنكِ معنىً وراء الخيالْ
فجرَّدْتِني رجلاً أشتهي ... وجرَّدتُ أنثى تشهَّى الرجالْ
دعيني حواءُ أو فابعدي ... دعيني إلى غايتي أنطلِقْ
أخمرٌ ونار لقد ضاق بي ... كِياني وأوشِكُ أن أختنِقْ
أرى ما أرى لهباً بل أشمُّ ... رائحةَ الجسد المحترقْ
فيا لكِ أفعى تشهَّيتُها ... ويــــا ليَ من أُفعوانٍ نزقْ
كفانا فقد جُنَّ هذا الفتى ... وجاوز حدَّ الكلام المباحْ
نكاد نُحِسُّ اختلاجَ النجوم ... ونسمع مُضْطرباً في الرياحْ
مريضُ الغريزةِ فتَّاكُها ... حَبَتْهُ الطبيعةُ أمضَى سلاحْ
سَقَتْهُ الشياطينُ يحمومَها ... فمجَّ الرحيقَ وذمَّ الصباحْ
تأثَّمـــ بالفنِّ حتى غوَى ... وما الفنُّ بالمرأةِ الخاطئهْ
هو الدمُ واللحمُ ما يشتهي ... هو الخمرُ والمتعةُ الطارئهْ
وكم في الرجالِ سُعَارُ الوحوش ... إذا لمسوا الجُثَّةَ الدافئهْ
فلا تذكري فنَّ هذا الفتى ... بل الحيوانيةَ الخاسئهْ
رأى جسمَ حواءَ فاشتاقَه ... فهاجتْ به النزوة المُسْكِرَهْ
سَبى روحَها فاشتهى جسمَها ... فثارتْ بعزّةِ مستكبرَهْ
سَمَا جسمُها وتأبَّى عليه ... فجرَّدَ في وجهها خِنجرَهْ
وهمَّ بها فالتوى قصدهُ ... فأرسل صيحتَه المُنكرَهْ
ألمْ يَنسِمِ الخُلدَ من عطرها ... ألمْ يعْبدِ الحسنَ في زهرِها
ألم يقبسِ النورَ من فجرها ... ألم يسرقِ الفنَّ من سحرِها
شفَتْ غُلّةَ الفنِّ حتى ارتوى ... وإن دنَّسَ الفنُّ من طهرِها
وهامَتْ على ظمأٍ روحُها ... وكم ملأوا الكأسَ من خمرِها
على مَذْبَحِ الحب من قلبها ... سِــــراجٌ يُــــســــبِّحــــ مَــــنْ لألأه
منارٌ يجوبُ الدجى لمحهُ ... فتلقى السفينُ به مرفأه
يبثُّ الحرارةَ بَرْدَ الشتاءِ ... ويُلهبُ شُعلته المطفأه
وتمشي الحياةُ على نورِهِ ... وما نورُهُ غيرُ عينِ امرأه
خطيئتُها قِصَّةُ الملهمين ... وإغراؤها الفرَحُ المفتقَدْ
بأرواحهم يَرتقون الخلودَ ... على سُلَّمٍ من متاع الجسدْ
ولو لم تــــكن لهوى فنّهم ... صريعَ الظلام قتيلَ الجمَدْ
وما الفنُّ إلَّا سعيرُ الحياةِ ... وثورتُها في محيط الأبدْ
لهــــيــــبٌ إذا الرُّوحُ مرَّتْ بهِ ... تضاعفتِ الرُّوحُ في نارهِ
يُطيقُ القويُّ لظى جَمْرِهِ ... ويعشو الضعيفُ بأنوارهِ
رَمَتْ فيهِ حواءُ آثامها ... فذابتْ على صُمِّ أحجارهِ
لقد قرَّبَتْ جَسداً عارياً ... وقــــلبــــاً يَــــضِــــنُّ بأسرارهِ
أمن صَنْعَةِ اللّه هذا الجمالْ ... نعم ومن الفنِّ هذا المثالْ
على مَعْرِضٍ مرمري الدُّمى ... تــــرامــــى أشــــعتُه والظلالْ
تماثيلُ من جسدٍ فاتنٍ ... تأبَّى على شهواتِ الرجالْ
حَبَتهُ الطبيعةُ أسرارَها ... ولاقى الحقيقةَ فيهِ الخيالْ
لقد أخذَتْنا شجونُ الحديث ... وكم في حديث الفتى من شجونْ
سَمَرنا بهِ وجهلنَا اسمَهُ ... وما حظُّهــ من رفيعِ الفنونْ
أمِنْ ربَّةِ الشعر إلهامهُ ... أم الوترِ الأُرفُسيِّ الحنونْ
أم المرمرِ الغضِّ يجلو بهِ ... رفيفَ الشفاهِ ولمْحَ العيونْ
هي وحيهُ من سماءِ الأُولمبِ ... وآلهةِ الحكمة الغابرينْ
فما هو بالملَكِ المستعزِّ ... ولكــــنَّهــــُ الآدمــــيُّ المَهينْ
وما الآدمية بنتُ السَّماءِ ... ولكنَّها بنتُ ماءٍ وطينْ
يريدُ لها الفنُّ أفقَ النُّجوم ... فيُقْعِدُها جسمُ عبدٍ سجينْ
ومــــا فــــنُّهــــُ ما أراهُ سوى ... أداةِ مــــطــــامــــعِه الواسعهْ
غداً يستَغلُّ غرامَ الحسانِ ... سبيلاً إلى الشُّهرةِ الذائعهْ
يصيبُ بهنَّ خُلودَ اسمِهِ ... وهنَّ قرابينُهُ الضائعهْ
تمنَّيْتُ لو أطلقَتنا السماءُ ... ويا حَبذا لو بُعِثنا مَعَه
ألا حبذا الأرضُ مغدىً لنا ... وإن بشَّرَتها المنايا بنَا
وما الأرضُ بالمنزلِ المسْتَطابِ ... ولكــــنَّهــــُ ثــــأرُ أتــــرابنَا
لنشربَ منْ دمِ هذا الفتى ... مُصفَّى الرحيقِ بأكوابنَا
ونجعلَ من حشرجاتِ الرجال ... تحيَّةَ شادٍ لأنخابنَا
ونسلُبُ ما رزِقُوا من حجىً ... ونهدمُ ما رفعوا من قِبابْ
ونبني لهم نُصُباً خالداً ... يكون على الدَّهرِ رمزَ العقابْ
تطوف به لَعَناتُ السَّماءِ ... وتــــرصُــــدُهُ مُــــثُلاتُ العذابْ
ولكن أرى غيرَ ما قلتُما ... وما الغدر في الرأي كلُّ الصوابْ
إذا خَلَتِ الأرضُ من طيرهم ... فمن ذا يُحيّي الجمالَ القسيمْ
ومن يُطلِقُ الحبَّ من وكرِهِ ... على خطَراتِ الغناءِ الرَّخيمْ
وفيمَ نُرَقِّشُ هذا الجناحَ ... ونصقلُه ببنانِ النعيمْ
طيورَ السماء حَذَارِ الوقوعَ ... على حَطبٍ في الثَّرى أو هشيمْ
أيغريكِ بالحبِّ سُودُ اللِّحى ... غِلاظُ الشِّفاهِ العراضُ الطِّوالْ
كأنَّ الهوى صُنْعُ أيديهمُ ... فمن غيرهم كلُّ عيشٍ مُحَالْ
إذا شــــئتِ كــــان لنــــا عــــالَمٌ ... يحوط الأنوثةَ فيهِ الجلالْ
حَمتْ رِقَّةَ الجنسِ ربَّاتُهُ ... فليس بها حاجةٌ للرجالْ
لكلِّ اثنتينِ هَوىً واحدٌ ... تلاقَى على سرِّهِ مهجتانْ
وعُشّ يضمهما في المساءِ ... وروضٌ به في الضُّحَى يعبثانْ
وفي ركنِ خدْرهما مِغْزَلٌ ... وفوقَ الأريكةِ قيثارتانْ
وتحت الوسادة أقصوصةٌ ... لقلبين لم يَروِها عاشقانْ
ماذا تُرى صَنَعَ العاشقان ... وما ذكرياتُ الليالي الحسانْ
حديثُكِ إنْ لم يكنْ بدْعةً ... فحُلمٌ جَرَى في قديمِ الزمانْ
وصيحةُ مُخفقةٍ في الهوى ... مُعَربدةِ الرُّوحِ سكرَى اللسانْ
الأنـــــوثـــــةَ هـــــذا الهـــــوانْ ... وفيها الدهاءُ القويُّ الجنانْ
لنا الكيدُ إن خذلَتنا القُوى ... أحابيلُ شتى وفنٌّ عجابْ
نُلقَّاهُ عن مَلكاتِ الزَّمانِ ... أقاصيصَ لم يروِ عنها كتابْ
وقد نستعيرُ صفاءَ النمير ... وقد نستمدُّ صراعَ العبابْ
وقد نسحبُ الليلَ فوق القلوب ... ونغري العيون بقوسِ السَّحابْ
نساقِطُهم من غَواياتنا ... أزاهرَ تَندى بماء الشبابْ
إذا لألأتْ فوق موج الشُّعور ... أثــــارتْ بهم ظمأً للسَّرابْ
بألوانِها الحمر جَمْرُ الغضا ... وفي نفحِها لفَحَاتُ العذابْ
هو الفنُّ لا ترتوي روحهُ ... بأشهى من الأرجوانِ المذابْ
هو الحسنُ فتَّانُنا العبقريُّ ... هو الحبُّ سلطاننا القاهرُ
ممثلهمْ لُعْبةٌ في يديهِ ... ومــــثَّالهم إصبَعٌ فاجرُ
وألحانهم من فحيح العروقِ ... يُصَعِّدُها الوترُ الساخرُ
ورسَّامهم صَنَمٌ مُبْصِرٌ ... فإنْ جُمِعوا فَهُمُ الشَّاعرُ
قــــلوبٌ مُــــدلَّهةٌ بالجمالِ ... ترى فيه معبودَها المُلْهَما
هو الرجلُ القلبُ لا غيرُهُ ... فأودِعْنَهُ القبسَ المضرَما
أنِمْنَ به الشَّرسَ المستخفَّ ... وأيقِظنَ فيهِ الفتى المغرَما
اقــــتــــحــــمــــتــــنَّ الســــيــــاجَ ... فقد خضعَ الكونُ واستسلما
ولكــــنْ حَــــذارِ فــــفــــي طبعٌ ... لِيــــانٌ يسمُّونَهُ بالوداعهْ
وفيهم جراءةُ مستأسدٍ ... تحدَّى المنيةَ باسمِ الشجاعهْ
وهِــــمْتِ فذلك هَزْلُ الرجال ... وفنٌّ أجزنا عليهم خداعهْ
نذيبُ بهِ صُلْبَ أعصابهم ... وفي رِقَّةِ العود سِرُّ المناعهْ
أطلْنا الأحاديثَ عن عالَمٍ ... مُــــلَثَّمــــةٍ أرضُهُ بــــالخــــفــــاءْ
جعلناهُ مَطمَحَ أحلامنا ... كأنَّاـ شَقِينا بِسُكنى السَّماءْ
طَوانا على حُبِّهِ شاعرٌ ... كثيرُ المجانة نَزْرُ الحياءْ
أثارَ الملائكَ في قُدسِها ... وأوقعَ في سحرهِ الأبرياءْ
عَجِبْتُ له كيف جاز السماءَ ... وغــــرَّر بــــالمــــلإِ الطــــاهــــرِ
أيمرحُ في الكونِ شيطانُهُ ... بـــــــلا وازعٍ وبـــــــلا زاجــــــرِ
دَعي الوهمَ سافو ولا تحقِري ... بليتيس معجزةَ الشاعرِ
فما نتَّقِيهِ بحيَّاتنا ... إذا هو ألقى عصا الساحرِ
بليتيس هل هو ذاكَ الخيال ... المُجنَّحُ بين حواشي الغيومْ
عشيةَ صاح بأترابنا ... وقد أخطأتْه قِسِيُّ الرُّجومْ
وقــــيــــلَ لنــــا مَــــلَكٌ عاشِقٌ ... يُسرّي الهمومَ ببنتِ الكرومْ
يجوبُ السماءَ إذا ما انتشى ... يُعربدُ بين خدورِ النجومِ
أعاجيبُ شتَّى لهذا الفتى ... وأعجبُ منها الذي تذكرينْ
كــــأنَّ أحاديثَه بيننا ... أساطيرُ آلهةٍ غابرينْ
إذا كان للفنِّ هذا الصِّيالُ ... فوارحمتَا للجمال الغبينْ
ودَدْتُ لو أنِّيــــــ فــــــي إثــــــرِهِ ... درجتُ على الأرض في الدارجينْ
أتُغوين بالشعر شيطانَه ... خياليةٌ أنتِ أم شاعرهْ
بل الشعرُ آسرُهُ المستبدُّ ... فيا ليتَ لي روحَه الآسرهْ
ويا ليتَ لي وثباتِ الخيالِ ... وقـــــوةَ أربـــــابِه القــــاهــــرهْ
لصيَّرتُهُ مُثلَةً في الحياةِ ... وسُخريةَ البعثِ في الآخرهْ
صفي لي بِليتيسُ هذا الأملْ ... وماذا ابتدعتِ له من حِيَلْ
أُدلِّهُ هذا الفتى بالجمالِ ... وأُسمِعُه من رقيق الغزَلْ
وأورثــــه جُــــنَّةً بالرحيقِ ... وأحــــرِمــــهُ رَشفَاتِ القُبَلْ
إلى أنْ تُــــحــــرَقَ أعــــصــــابــــهُ ... ويصرَعه طائفٌ من خَبَلْ
وأحفرُ بعد الردى قبرَه ... هناك على قمَّةِ الهاويَهْ
وأغــــرس فــــي قــــلبــــهِ زهــــرةً ... مــــن الشــــرِّ راويــــةً ناميَهْ
سَقَتْها سمومُ شرايينه ... ورفَّتْ بها روحهُ العاتيَهْ
تخفُّ إليها قلوبُ الرجال ... وترجع بالشوكةِ الداميَهْ
إذا جنّها الليلُ لاحتْ به ... كعينٍ من اللهبِ المضطرمْ
تثور الشياطينُ من عطرها ... كمجمرة الساحر الملتثمْ
إذا استافَها الرَّجلُ العبقريُّ ... تحوَّل كالحيوان الوخِمْ
تضُجُّ البلاهة من حولهِ ... وينظر كالصنَّمِ المبتسمْ
هَبي الشعرَ أولاكِ من مُلكه ... سماءَ الأُلوهةِ ذات البروجْ
ونصَّ المعانيَ عن جانبيكِ ... فمنها السُّرَى وإليكِ العروجْ
فما تصنعينَ إذا ما بُعِثْتِ ... واحــــدةً من بناتِ الزُّنوجْ
ألم تقرأي قِصَّةَ السامريِّ ... وما صَنَعَ القومُ بعد الخروجْ
نَبا منطقُ الوحيِ في سمعهم ... وخفَّ عليهِ رنينُ الطربْ
ومدُّوا العيونَ إلى فتنةٍ ... تــــجسَّد في حيوانٍ عَجَبْ
تــــرامــــى بأحضانِه غادةٌ ... أفادَ صِباها شبوبَ اللهبْ
جنونُ الحياةِ وأهواؤها ... أنوثتُها وبريقُ الذَّهبْ
فأينَ من القومِ سحرُ البيانِ ... وصيْحةُ موسى قُبَيل الوداعْ
هُمُ الناسُ لا يعشقون الخيالَ ... إذا لم يكنْ حافزاً للطماعْ
هُمُ الناسُ لا يعبدون الجمالَ ... إذا لم يكنْ نُهزةً للمتاعْ
هُمُ الناسُ لا يألفون الحياةَ ... إذا لم تكنْ مَعرِضاً للخداعْ
تماثيلُهُ بعضُ أجسامِنا ... وقد صاغَها العبقريُّ الصّناعْ
ولوحــــاتُهُ صُــــوَرُ العــــاريــــاتِ ... إذا مَزَّقَ الفنُّ عنها القِناعْ
أبالشِّعرِ تُغْوينَ هذا الفتى ... وهــــمْــــتِ إذن وجَهلتِ الطِّباعْ
أليــــستْ لهُ صَبْوَةُ الآدميِّ ... وشهوةُ تلك الذئابِ الجِياعْ
رَجعْتُ لنفسي فلا تغْضبا ... وكُفَّاــ العتابَ ولا تُسْهِبا
لقد رُعتمانِي بهذا المزاح ... وأبدَعْتما نبأً مُغرِبا
سَــــرَتْ بــــيَ مــــن ذكره رِعدةٌ ... كأني لبِستُ به الغَيْهبا
أتاييسُ لا كنتُ بنت الزنوجِ ... ولا شِمْتُ أُمَّاــ بهم أو أبا
وصمْتِ الخليقة في بعثهم ... كأنهم الحدَثُ المنكرُ
وما أخطأ الطيفُ ألوانَه ... ولكــــنــــهُ اللهَــــبُ الأحــــمــــرُ
أبوهم كما زعموا آدمٌ ... وحـــــواءُ أُمُّهـــــمُ المُــــعْــــصِــــرُ
لهم أعينٌ تتملَّى الجمالَ ... وأفــــئدةٌ بــــالهوى تشعرُ
لهم نارُهم في أقاصي الدُّجى ... وأبياتُهم في أعالي الكهوفْ
وسحرُ الطبيعةِ في عُرْيها ... إذا هتَكَ الفجرُ عنها الشُّفوفْ
ونايٌ يُقسِّمُ فيهِ الربيعُ ... ويسكبُ شَجْوَ المساءِ الهتوفْ
ورقصٌ يُمثِّلُ قلبَ الحياةِ ... إذا ما استُخِفَّ بنقرِ الدفوفْ
تــــفرَّدَ فنُّهُمُ بالخفاء ... وصِيغَ بفطرتهم واتَّسمْ
يعيشُ جديداً بأرواحهم ... وإن عاش فيهم بروح القِدَمْ
له بــــأسُ مــــانــــا وإيحاؤه ... إذا اضطربتْ رُوحهُ بالألمْ
ورِقَّةــــ هــــاوايَ فــــي شدْوها ... إذا جاشَ خاطرُها بالنَّغمْ
ألا فلْيَكُنْ لكِ من فنهم ... سموُّ اللظى وعتوُّ الجبالْ
ألا فلْيكُنْ لكِ من سحرهم ... فنونٌ تُعطِّلُ سحرَ الخيالْ
ألا فليكنْ لكِ من نارهم ... وشــــاحُ مــــؤلَّهةٍ بالجمالْ
إلى الأرضِ فانتقمي للنساءِ ... وكوني بها محنةً للرجالْ
سلامٌ لكُنَّ عذارى السماء ... ســــلامٌ لهــــرميس روحِ الإلهْ
أرى ومْضَةَ الشرِّ في جوِّكنَّ ... وأسمعُ صوتاً كأنِّيــ أراهْ
يلاحقني في رحابِ السماءِ ... ويرتجُّ في مِسمعيَّ صداهْ
لقد فارقَ البشرُ غُرَّ الوجوهِ ... وشاعَ الذبولُ بوردِ الشفاهْ
أجل أيها الملَك المجتبى ... صدقناكَ فاغفر عذابَ الضميرْ
لقد مرَّ كالطيرِ من قربنا ... فتىً في رعاية ربٍّ خطيرْ
رآنــــا فــــأعــــرض عــــنَّاــــ ولمْ ... يُحَييِّ السماءَ بروحٍ قريرْ
تخايلَ عُجباً بأوهامه ... وأمعن في شرِّه المستطيرْ
ظلمتنَّ هذا الغلامَ البريء ... وقد غضَّ من ناظريهِ الحذَرْ
أهَلَّ بقلبٍ كفرخِ القَطا ... يرفرفُ تحتَ جناحِ القدَرْ
رَآكــــنَّ فــــيــــهِ وحــــيَّاــــ بــــهِ ... فــــلم أدْرِ حــــاجــــتَه للنظرْ
وكيف تكلَّم قلبُ الفتى ... وما هو إلا سليلُ البشرْ
هُــــوَ ابــــنُ الســــماءِ ولكنَّهُ ... من النقصِ تركيبُه والتمامْ
صَنَاعُ الطبيعةِ بل صُنْعُها ... فمنها دَمامتُه والوَسامْ
يُسِفُّ إلى حيث لا ينتهي ... ويسمو إلى قمةٍ لا تُرَامْ
ويُــــسْــــقَــــى بكأسٍ إلهيةٍ ... مُرَنقةٍ بالهوى والأثامْ
نقيضانِ شتَّى فما يستقرُّ ... على غَضَبٍ منهما أو رضاء
تــــحــــدَّى الحــــياةَ وآلامَها ... ببأسِ الجبابرة الأعلياء
يزيدُ عُتُوّاً على نارها ... ويلمعُ جوهرهُ مِنْ صَفاء
وينشقُّ عن نَضرةٍ قلبُه ... وإنْ طَمَرَتهُ ثلوجُ الشتاء
هو المرِحُ الشاردُ المستهامُ ... شُرودَ الفراشةِ عند المساء
حَبَتهُ الألوهةُ روحاً يَرَى ... وينطِقُ عنها بوحي السماء
يحُسُّ الخيالَ إذا ما سَرَى ... ويلمسُ ما في ضميرِ الخفاء
ويبتدرُ النجمَ في أفقه ... فيرشُفُهُ قطرةً من ضِياء
أرتهُ السماءُ أعاجيبَها ... ورَوَّتهُ من كلِّ فنٍّ بديعْ
فضنَّ بلألاءِ هذا الجمالِ ... وخافَ على كنزِهِ أن يضيعْ
أبــــى أن يُــــبــــدّدَهُ ناظراهُ ... فأطبقَ جفنيهِ ما يستطيعْ
فإن شارفَ الأرضَ نادتْ بهِ ... ففَتَّحَ عيناً كعينِ الرَّبيعْ
هنالكَ حيث تَشبّ الحياةُ ... وحيث الوجودُ جنينُ العَدَمْ
وحيثُ الطبيعةُ جبَّارةٌ ... تشقُّ الوهادَ وتبني القِمَمْ
وحيثُ السعادة بنتُ الخيالِ ... ولذَّتها من معاني الألمْ
وحيث الطريدانِ شجَّاـ الكؤوسَ ... ومَجَّاـــ صُبَابتَها من قِدَمْ
رَنَا والطبيعةُ في حَلِيها ... وحــــواءُ عــــاريــــةٌ كــــالصَّنــــمْ
فــــمن أين سارَ وأنَّى سرَى ... تصَدَّتهُ مقبلَةٌ من أمَمْ
هـــــنـــــالكَ أولُ قــــلبٍ هــــفــــا ... وأولُ صـــــوتٍ شـــــدا بــــالنَّغــــَمْ
وأولُ أنـــــــــمُـــــــــلةٍ صــــــــوَّرَتْ ... وخَطَّتْ على اللوحِ قبل القَلمْ
فــــمــــا لكِ حــــواءُ أغــــويــــتِهِ ... وأعــــقــــبــــتِهِ حَسَراتِ النَّدَمْ
لقد كان راعيَكِ المجتَبى ... فأصبحَ راميَكِ المتَّهمْ
ولولاكِ مـــــا ذرفـــــتْ عــــيــــنُهُ ... ولا شامَ بارقةً فابتسَمْ
وعــــاشَ كــــمــــا كــــانَ آبــــاؤه ... يُغنِّيـ النجومَ ويرعَى الغنمْ
لأجلكِ يَشقى بلمحِ العيونِ ... ويُصرعُ بالنظرةِ العابرهْ
لَوَدَّ إلى الأرضِ لو لم يُـــــصِـــــخْ ... أو ارتدَّ بالمقلةِ الحاسرهْ
وكم من فتىً عزَّها سمعُهُ ... وغـــــضَّ عـــــلى حَــــذَرٍ نــــاظــــرهْ
عصاها فنادت فلم يستمعْ ... فحلَّت به لعنةُ الفاجرهْ
له مقلتانِ على ما وعَى ... من الألَق الطُّهْر مختومتانْ
ففي عقلهِ حركاتُ الزَّمان ... مــــصــــورةً وحــــدود المــــكــــانْ
وفــــي قــــلبــــهِ أعــــينٌ ثَرَّةٌ ... بها النارُ طاغية العنفوانْ
وفــــي كــــلِّ خــــاطــــرة نَيْزَكٌ ... يشقُّ سناهُ حجابَ الزمانْ
إذا ما هوتْ ورقاتُ الخريفِ ... أحــــسَّ لهــــا وَخَــــزَاتِ السَّنــــانْ
وإن سَــــكَــــبَتْ زهرةٌ دمعةً ... فمن قلبه انحدرتْ دمعتانْ
ومن عَجَبٍ شَدْوُهُ للربيع ... وقد يخطىءُ الطيرُ شدوَ الأوانْ
وقيثارةُ الرِّيح ما لحنُها ... سوى الريح في جفوةٍ أو حنانْ
عوالمُ جَيّاشةٌ بالمنى ... ودنيا بأهوائها تضطربْ
مــــن اللاَّنهاية ألوانُها ... مشعشعةٌ بالندى المنسكبْ
ففيها الصباحُ وفيها المساءُ ... وبينهما الشَّفَق الملتهبْ
تطوف بها صَدَحاتُ الطروب ... وتسهو بها أنَّةُ المكتئبْ
لكَ الحبُّ فيما أتاحتْ لنا ... سريرتُكَ السَّمحَةُ الطاهره
ومن مَلَكٍ مثلُ هذا الحديث ... طُمأنينةُ المهجِ الحائره
عَطفْتَ على قلبِ هذا الفتى ... قلوباً على فَنِّهِ ثائره
وصــــوَّرتهُ مَلَكاً ناقماً ... عــــلى آدمــــيــــتــــهِ الجــــائره
أجــــل هــــو ذاكَ ولو زدتــــكــــنَّ ... لزدتُــــنَّ عــــطفاً على فنِّهِ
وما ذنبُ روحٍ نَمَتْهُ السماءُ ... إذا ضجَّ في الأرضِ من سِجنهِ
تَعلَّقَ مهواهُ فوق النجوم ... وحَـــــوَّمَ وَهْـــــنــــاً عــــلى كِــــنِّهِ
ليــــنعمَ في ظِلِّهِ لحظةً ... ويملأَ عينيهِ من حسنهِ
لهُ ولَعٌ بـــــخـــــدورِ النــــجــــومِ ... إذا ما تخلَّصَ من طيفهِ
ويا رُبَّ ليلٍ كوادي الخيال ... دَعَتْهُ الحقيقةُ من جوفهِ
فسار يَضمُّ صدورَ الرّباب ... ويستضحكُ النُّورَ في سُدْفهِ
وغاب كأعجوبةٍ في الدُّجى ... تحارُ الأساطيرُ في وصفهِ
على الأرضِ شيطانُهُ الحائمُ ... وفي الكون وجدانه الساهمُ
مضى سابحاً في عبابِ الأثير ... كما يسبحُ النظرُ الحالمُ
يدورُ فلا أفقٌ ينتهي ... إليـــــه ولا كـــــوكـــــبٌ هـــــائمُ
وحيثُ هو الآن فيمن أرى ... هــــنــــاكَ عــــلى سِــــرّهِ جاثمُ
هناك هناك كأنّي أراه ... نعم خلف هذا الغمام الرقيق
إذا ما عطفتنَّ ناديتهُ ... عسى الآن من روْعِه أن يُفيقْ
ألا أيُّها الروحُ مني السلامُ ... وأنتَ بحبِّ العذارى خليقْ
عــــرائسُ أحــــلامِكَ المائلاتُ ... وما أنا إلَّا مَلاكٌ صديقْ
لقد طَلعَ الفجرُ يا شاعري ... وكادتْ تزولُ نجومُ الصباحْ
وحان الرواحُ فودِّعْ خباءَكَ ... وادنُ أحــــدِّثــــكَ قبل الرواحْ
أتهتف بي أنتَ أم هُنَّ أمْ ... نذيرُ الردى والقضاءُ المتاحْ
تراك سمعتَ أحاديثنا ... لقد نقَلَتها إليّ الرياح
عجبتُ لحوريَّةٍ في السماء ... ويأخذ أهلَ السماء العجبْ
أتحلمُ بالأرضِ مخمورةً ... من الدمِ راقصةً في اللهبْ
وتُغري بيَ الموتَ لا جانياً ... ولكنها ثورةٌ من غضبْ
بــــرئتُ من الإثمِ حوريَّتي ... فرُدِّي الظنونَ وخلِّي الريبْ
أأبــــغــــض حــــواءَ وهي التي ... عرفتُ الحنانَ لها والرِّضى
وبــــــاعَ بــــــهـــــا آدمٌ خُـــــلدَهُ ... ولو لم يَكُنْ لتمنَّى القضا
ورِثتُ هواها فرُمت الحياةَ ... وحبَّبــ لي العالم المبْغَضا
أراها على الأرض طيفَ النعيم ... وحُلمَ الفراديسِ فيما مضى
وكانت حياتي محْضَ اتِّباع ... فصارتْ طرائفَ من فَنِّها
وكان شبابيَ صَمْتَ القفارِ ... ورَجْعَ الهواتفِ من جِنِّها
فعادتْ ليالي الصِّبا والهوى ... أرقَّ المقاطعِ في لحنها
وأفرغتُ بؤسيَ في حِضنها ... وأترعتُ كأسيَ من دَنِّها
وكم ذكرياتٍ لها عَذْبَةٍ ... أعيش عليها وأحيا بها
لها في دَمي خَلجاتُ الحياةِ ... كأني خلِقتُ بأعصابها
مُسامرتي حين يمضي الصِّبا ... وتهتفُ رُوحي بأحبابها
وتخلو بيَ الدارُ عِندَ الغروبِ ... وأجلسُ وحدي على بابها
بَدَتْ شِبْهَ عابسةٍ فانثنيتُ ... وقد زايلَ الشمسَ لألاؤها
وخِلتُ الحياةَ وضوضاءها ... تموتُ على الأرض أصداؤها
وكفَّ عن الهمْسِ حتى النسيمُ ... وأمــــســــكَ عن لَعِبٍ ماؤها
وناديتُ فالتفتتْ لا تجيبُ ... ولكــــنْ دعــــانــــي إغــــراؤهــــا
ومرَّتْ إزائي فتابعتُها ... بقلبي وعيني إلى أمِّها
رأيتُ مفاتنها غيرَ تلك ... وإن لم يُخلَّدْنَ في جسمِها
وأبصرتُ من حولها الكائناتِ ... جوانحَ تهفو إلى ضَمِّها
ويحنو الصباحُ على ثغرِها ... وقد جُنَّ شوقاً إلى لثمِها
يسائلني القلب عن أمرها ... وأســــأله أنــــا عــــن ســــرهــــا
ويعطفني في الهوى ضعفُها ... وأنسَى بأنِّيـــ في أسرها
وتُبدي ليَ الأنجمُ الوامقاتُ ... رفيفَ الأماني على ثغرها
فأحسبُ أن اهتزازَ الحياة ... صدَى حبِّها ورؤى سحرها
لكذبتها تُستحبُّ الحياةُ ... ويَصْفو الزمانُ بتغريرها
ويأخذُني الشكُّ في قَوْلها ... فتُقنعني بأساريرها
وتعصفُ بي شهْوَةٌ للجدال ... فَتسكِتُني بمعَاذيرها
غفرتُ لها كلَّ أخطائها ... سِوَى دَمعتينِ لتبريرها
أحــــاول أفــــهــــمــــهــــا مــــرَّةً ... فأعيا بها وبتفكيرها
أمــــــخــــــلوقـــــةٌ هـــــيَ أم ربَّةٌ ... تسيرُ الخلائقُ في نِيرها
وما سِحْرُها ألتكوينها ... وما حسنُها ألتصويرها
تقولُ الطبيعةُ بِنْتي وما ... أُحِسُّ لها بعضَ تأثيرها
أعند الطبيعةِ هذا الدلالُ ... وفي دِفئِها مثلُ هذا الحنانْ
إذا قيلَ لي هاكَ مُلك الثّرى ... ودنيا الشَّبابِ وعمْرَ الزمانْ
فــــمــــا لذَّتــــي بالذي نِلتُه ... وما نشوتي برحيق الجنانْ
كــــرعــــشةِ رُوحِي وهزَّاتِها ... وصدري على صدرها واليدانْ
وغَنَّتْ فأسمعني صوتها ... صَدى الروحِ في خلَجات البدنْ
عميقاً كأنفذ ما في الحياةِ ... وأبعدِ ما في قرارِ الزّمنْ
فأحسستُ كيف تطيش العقولُ ... وتسهو القلوبُ وتصحو الفتنْ
وقال لها الحسنُ يا ربتي ... فقالت له كلّ شيءٍ حسنْ
رآها على النبع بعضُ الرُّعاةِ ... مصوَّرةً في إطار الغصونْ
فقالوا أحُلْمٌ تراه العيونْ ... أفي الغابِ حوريَّةٌ من تكونْ
ومـــــسَّ مـــــزاهــــرهــــم روحُهــــا ... فرفَّتْ بها خالداتُ اللحونْ
وباتتْ تعانقُ أحلامَهم ... وقد كاد يرقصُ حتى السكونْ
ولاحت بمرأىً لعينيْ فتىً ... طوى البحرَ ليس لهُ من قرارْ
تفتَّحُ عن صدرها موجتان ... وينشقُّ في الفجر عنها المحارْ
رآها فجنَّ غراماً بها ... وغنَّى بها الليلَ بعد النهارْ
وقــــالوا تــــعــــشَّقــــَ جِــــنِّيــــةً ... فتىً شاعرٌ تائهٌ في البحارْ
قضى اللّهُ أن تُغويَ الخالدين ... وتُغريَ بالمجدِ عُشَّاقَها
لَقِيتُ على بابها الفاتحينَ ... وغــــارَ الفتوحِ وأبواقَها
وكــــلَّ مُــــدِلٍّ عَصِيِّ القياد ... دَعَتْهُ الصبابةُ فاشتاقها
سَلا مَجدَهُ الضَّخْمَ في قُبْلةٍ ... تُذِلُّ وتُسْعِد من ذاقها
أمــــانــــيُّ شَتَّى تمثَّلنَ لي ... بكلِّ وضيءِ الصِّبا ناعمِ
مُبَعْثَرةً حولها في الترابِ ... بقايا الدُّمى في يدِ الحاطمِ
تَمُرُّ بها وهي في ضِحْكها ... ومــــا ذَرَفَتْ دمعةَ النَّادمِ
فــــيــــا لكِ من طفلةٍ فَذَّةٍ ... ورُحـــــمـــــاكِ سَـــــيِّدَةَ العـــــالَمِ
يحاولُ بالشعرِ إغراءنا ... لنــــــؤمــــــنَ واحـــــدةً واحـــــده
هو الموقف الضنكُ ما يتقيهِ ... كمايتقي باشقٌ صائده
متى كان صَبّاً عطوفَ الفؤاد ... وهــــذي قــــصــــائدُه الجاحدهْ
ألا ذكِّريــــــهِ بــــــمــــــثَّاــــــله ... ونــــادي بــــحــــيَّتِهِ الخالدهْ
ظَلَمْتِ الفنونَ وأربابها ... وما كنتِ حوريَّتي ظالمه
قلوبٌ تلذُّ بتعذيبها ... غــــرائزُ عــــاتــــيــــةٌ عارمه
تُــــرنِّحــــها سَكراتُ الهوى ... وتُوقظها الفِتنُ النائمه
صَحَتْ من خُمار مَلذَّاتها ... تُعنِّفُ أهواءَها الآثمه
ألا ما لأختيكِ ما تبغيان ... أقلبيَ والخنجرَ المُنتَضَى
خذاهُ اقتلاهُ ولا ترحماهُ ... فليسَ له بَعْدُ أن يَنبِضا
أذيقاهُ ما شئتما واغرسا ... به الشرَّ ملتهباً مُرْمِضا
فلن تُنبِتَا فيه إلَّا السلامَ ... والحُــــبَّ والزهَرَ الأبيضا
إناءٌ من النُّور طافتْ بهِ ... يَدُ الحبِّ غارسةُ الزَّنبقِ
تُغاديهِ شاديةٌ في الدُّجى ... وراقصةٌ في الضُّحى المشرقِ
بأجنحةٍ كرؤى الخالدين ... لغير الصبابةِ لم تخفِقِ
وقلبيَ من قدَحٍ في السماء ... ومن نبْعِ آلهةٍ يستقي
أتخشى لِقانا سليلَ السماء ... أتحذرُنا أم تخافُ الضِّياء
مُحدِّثتي ما أحبَّ اللقاءَ ... لقد حال جسمي دونَ اللقاء
وكنتُ تخلَّصتُ من طيفهِ ... فلفَّتهُ حولي يدٌ في الخفاء
كأنِّيَ أهذي بأضغاثِ حُلمٍ ... أو أني ضللتُ طريقَ السماء
بليتيس سافو الفرارَ الفرار ... فقد لبسَ الروحُ طيفَ البشرْ
أتــــبْصِرُهُ جسداً عارياً ... وتقربهُ تلك إحدى الكُبرْ
على رِسْلكنَّ فقد عاقبته ... بأقوالكنَّ بناتُ القدرْ
لقد عاقبتهُ بأشعاره ... فيا ليتَه ما هذَى أو شَعَرْ
أتصرخ ويحْكَ إنَّ السماء ... لتــــأخــــذُهــــا صرخاتُ الألَمْ
من الغيمِ يا شاعري فالتمسْ ... دِثاركَ واخصِفْ به من أممْ
وخُذْ من جناحيَّ ما تتَّقي ... به في السماء عثارَ القدمْ
وأقسمُ ما رُمْتُ غيرَ الحنان ... وإنِّيـــ زعيمٌ بهذا القسمْ
بليتيس تاييس ماذا انظرا ... فثمَّتَ أُعجوبةٌ تظهرُ
تعالَ فتى الشعرِ يا للسماءِ ... أبِالشعرِ أم بالفَتى تَسخَرُ
أهذا هو الآدميّ العظيمُ ... ألا شدّ ما يخدعُ المنظر
تَــــصــــوَّرتُهُ مــــن أحــــاديثهِ ... فــــتــــىْ لوَســــامته يؤثرُ
تريدينه صورةً أم فتىً ... تهلّلَ فيه الحِجى وابتسمْ
رأيتُ الرجولةَ كلَّ الجمالِ ... هو الرَّجلُ الفردُ في المزْدحَمْ
تراهُ على النبع يُعلي الغطاءَ ... ويُدْلي الدلاءَ ويَسقي الغنمْ
ويحدو العذارى إلى دارهنَّ ... حَيِيَّ الخطى موسويَّ القدمْ
لشدَّ الذي قُلتِهِ يا ابنتي ... كلاماً توهَّجَ منه الحنينْ
تعاليْ هنا والثمي جبهةً ... هزأت بها وهي حُلْمُ السنينْ
أمن خَمَلِ السُّحْبِ هذا الدثار ... ومن حمإ الأرض هذا الجبينْ
دعي طيفه وانظري روحَه ... ففيها الصِّبا والجمالُ المبينْ
هـــــل الرجـــــل الروح لا إنــــه ... محيّا ترقرق فيه الوسام
وعينانِ بالسحر تستأثرانِ ... خيالٌ لعمركِ هذا الكلام
مُحيَّاـ وعينانِ ما في الرجالِ ... سوى كلِّ أصيدَ سبْطِ القوام
ذراعاهُ تستدرجانِ الخصورَ ... وفي شفتيهِ حديثُ الغرامْ
تنزَّهْتَ عن شُبْهةٍ عالمي ... ولا رابني فيكَ ما أسمعُ
عهدتُ البراءَة فيمن تُظِلُّ ... فــــمــــاليَ من ريبة أفزعُ
وأبدعتَ خلقاً ولكنني ... أراهُ إلى عَــــــبَــــــثٍ يـــــنـــــزِعُ
سبَى السحرُ أجملَ أرواحِهِ ... فأنطقهن بما يخدعُ
أفي عالم الرُّوح تفشو الظنونُ ... وينطق روحٌ بهذا الكلِمْ
أسائلُ نفسي أشيطانةٌ ... تــــوســــوسُ لي أم مَــــلاكٌ أثِــــمْ
أم الشكُّ آذنني بالصراع ... أم حلَّ بي غضبُ المنتقمْ
بل البعثُ آذنهنَّ الغداةَ ... فــــلا تَــــلْحَهُــــنَّ ولا تــــتَّهــــِمْ
هي الآدميةُ طافتْ بهنَّ ... وتــــلك غرائزُها والطباعْ
غداً تدرجُ الرُّوحُ في طيفها ... وما الطيفُ للرَّوحِ إلَّا قِناعْ
سترقدُ في غورها الذِّكريات ... وتوقظهنَّ السنون السِّراعْ
وتمشي لحاضرها في الحياة ... بمصباحِ ماضٍ خَفيِّ الشعاعْ
وكم نبأةٍ كالحديث الجديد ... وما هو إلَّا القديم السماعْ
من الخيرِ والشرِّ إلهامها ... مقادِرُ تجري بهنَّ اليراعْ
فدع للسماءِ تصاريفها ... فقد أذِنَ البعثُ بعد انقطاعْ
وداعاً صديقي إلى أين تمضي ... إلى الملتقى فالوداع الوداع
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الخاطر: خطر: الخاطِرُ: مَا يَخْطُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ تَدْبِيرٍ أَو أَمْرٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الْخَاطِرُ الْهَاجِسُ، وَالْجَمْعُ الْخَوَاطِرُ، وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِهِ وَعَلَيْهِ يَخْطِرُ ويَخْطُرُ، بِالضَّمِّ؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ … (لسان العرب)
- الدائر: دَيَرَ: التَّهْذِيبُ: الدَّيْرُ الدَّارَاتُ فِي الرَّمْلِ، ودَيْرُ النَّصَارَى، أَصله الْوَاوُ، وَالْجَمْعُ أَدْيارٌ. والدَّيْرَانِيُّ: صَاحِبُ الدَّيْرِ. ابْنُ سِيدَهْ: الدَّيْرُ خَانُ النَّصَارَى؛ وَفِي التَّهْذِيبِ: د … (لسان العرب)
- الدابر: دبر: الدُّبُرُ والدُّبْرُ: نَقِيضُ القُبُل. ودُبُرُ كُلِّ شَيْءٍ: عَقِبُه ومُؤخَّرُه؛ وَجَمْعُهُمَا أَدْبارٌ. ودُبُرُ كلِّ شَيْءٍ: خِلَافُ قُبُلِه فِي كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا قَوْلَهُمْ[[. قوله: [مَا خَلَا قَوْلَهُمْ جَعَ … (لسان العرب)
- السائر: سير: السَّيْرُ: الذَّهَابُ؛ سارَ يَسِيرُ سَيْراً ومَسِيراً وتَسْياراً ومَسِيرةً وسَيْرورَةً؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيُّ، وتَسْياراً يَذْهَبُ بِهَذِهِ الأَخيرة إِلى الْكَثْرَةِ؛ قَالَ: فَأَلْقَتْ عَصا التَّسْيارِ مِنْه … (لسان العرب)
- السديم: سدم: السَّدَمُ، بِالتَّحْرِيكِ: النَّدَمُ والحُزْنُ. والسَّدَمُ: الهَمُّ، وَقِيلَ: هَمٌّ مَعَ نَدَمٍ، وَقِيلَ: غَيْظٌ مَعَ حُزْنٍ، وَقَدْ سَدِمَ، بِالْكَسْرِ، فَهُوَ سادِمٌ وسَدْمان. تَقُولُ: رأَيته سادِماً نادِماً، ورأَ … (لسان العرب)
- الغابر: غبر: غَبَرَ الشيءُ يَغْبُر غُبوراً: مَكَثَ وَذَهَبَ. وغَبَرَ الشيءُ يَغْبُر أَي بَقِيَ. والغابِرُ: الْبَاقِي. والغابِرُ: الْمَاضِي، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ قَالَ اللَّيْثُ: وَقَدْ يَجِيء الغابِرُ فِي النَّعْتِ كَالْمَاضِي. … (لسان العرب)
- القادر: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ … (لسان العرب)
- المبدع: بدع: بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع الرَّكِيّة: اسْتَنْبَطَها وأَحدَثها. ورَكِيٌّ بَدِيعٌ: حَدِيثةُ الحَفْر. والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشَّيْءُ الَّذِي يَكُونُ أَوّلًا. وَفِي التَّنْزِيلِ: … (لسان العرب)