إلى قِمَّةِ الزَّمنِ الغابرِ
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
إلى قِمَّةِ الزَّمنِ الغابرِسَمَتْ رَبَّةُ الشعر بالشاعرِ
يَشُقُّ الأثيرَ صدىً عابراًوروحاً مُجَنَّحَةَ الخاطرِ
مضتْ حرةً من وثاق الزَّمانِومن قبضةِ الجسدِ الآسرِ
وأوفتْ على عالَمٍ لم يكنْغريباً على أمسِها الدَّابرِ
نمَتْ فيه بين بناتِ السديمِوشبَّتْ مع الفلكِ الدائرِ
تُلقَّنُ سيرَتَها في الحياةوتنطُقُ بالمثلِ السائرِ
وترْسُمُ أسماءَ ما عُلِّمَتْمن القلم المبدع القادرِ
مشاهدُ شتى وَعَتها العقولُوغابتْ صُواها عن الناظرِ
وجودٌ حوى الروح قبل الوجودِوماضٍ تمثَّلَ في حاضرِ
تبدَّى لها فانجلى شكُّهاوثابت إلى وَعْيِها الذَّاكرِ
وأصغت فمرت على سمعِهاروايةُ ميلادِها الغابرِ
هو البعثُ فاستمعوا واقرأواحديثَ السَّماءِ عن الشاعرِ
عَجبتُ مَنِ الملَكُ العابرُومنْ ذلك الشَّبَحُ الطَّائرُ
أهَلَّا علينا فما سلَّماولا صافح الناظرَ الناظرُ
وللرِّيحِ حولهما زَفَّةٌكما صَدَحَ المِزْهَرُ الساحرُ
أفي عالمِ الأرضِ بعثٌ جديدأم الوهْمُ مثّله الخاطرُ
نعم هو روحٌ جميلُ الإهابيُنِيلُ الرِّياحَ جَنَاحَيْ مَلَكْ
وذلك هرميسُ يَسْري بهِسُرى النورِ في سُبُحاتِ الفلكْ
عرفناهُ لا شكَّ هذا فتىًسَيَسْلُكُهُ الفنُّ فيمن سَلَكْ
غداً تملأُ الأرضَ ألحانهُويَبْقى صداها إذا ما هلَكْ
إلى الأرضِ فليمضِ هذا الشقيُّألا ولتَفِضْ كأسُهُ بالشجونْ
جزاءً لِما غضّ من أمرناومرَّ كأنْ لمْ تلاقَ العيونْ
أراهُ ولمَّا يَزَلْ بينناأصابَتْه لُوثَةُ أهلِ الفنونْ
لئنْ صحَّ ما كان من أمرهِفيا شِقْوَةَ الأرضِ ممَّا يكونْ
حنانكِ يا أختِ لا تغضَبيفما اختالَ زهواً ولا استكبرا
لقد كفَّ عينيهِ بَرْقُ الحياةِفمرَّ بنا دون أن يُبْصِرا
لنا مِثْلُهُ في غدٍ غشيةٌإذا ما حللنا رحابَ الثرى
إذا كان في الأرضِ هذا الشقاءُفلا كانَ بَعْثٌ ولا قُدِّرا
أرى في حديثكِ معنى الرِّضاوأسمعُ فيهِ هُتَافَ الحنانْ
فهلا ذكرتِ لهُ إخوةًحديثهمُ ملءُ سَمْعِ الزمانْ
أصاروا الفنونَ رُمُوزَ الأثامِواستلهموا الشرَّ سِحْرَ البيانْ
وأغرَوْا بحواءَ ما لُقِّنواوما حذَقُوا من طريدِ الجنانْ
ألمْ تسمعِي بفتى شاعرٍيُحَمِّلُها عبءَ أوزارِهِ
ترَشَّفها خمرةً فانتشَىفألقمها مرّ أثمارِهِ
أنالته أجمَل أزهارِهافأهدى لها شَرَّ أزهارِهِ
إذا كنتِ يا أخت لم تسمعيخُذي فاقرأي بعضَ أشعارِهِ
ولفَّتْ ذراعين كالحيّتينِعليَّ وبي نشوةٌ لم تطِرْ
وقد قرَّبتْ فمَها من فميكشِقَّينِ من قبَسٍ مُسْتَعِرْ
أشمُّ بأنفاسها رغبةًويهتفُ بي جفنُها المنكسرْ
تبيَّنْتُ في صدرها مصرعيوآخرة العاشقِ المنتحِرْ
أفي حُلُمٍ أنا أم يقظةٍومنْ أنتِ أيتها الخاطئهْ
هو الحبُّ لا بل نداءُ الحياةتُلبِّيهِ أجسادُنا الظامئهْ
يَخِفُّ دمي لصداهُ الحبيبِوتدفعني القُدرةُ الهازئهْ
كأني ببحرٍ بعيدِ القرارطوى أفقَه وزوَى شاطئهْ
أرى ما أرى جسَداً عارياًتضجُّ به الشهوةُ الجائعهْ
أرى ما أرَى حَدَقيْ ساحرتؤجّان بالنظرة الرائعهْ
أرى ما أرى شَفتيْ غادةٍترِفَّان بالقُبلَةِ الخادعهْ
تُساقطني ثمراً ما أرىأرى حيَّةَ الجنَّةـ الضائعهْ
بعينكِ أنتِ فلا تُنكريصفاتِ أنوثتكِ الشَّاهدهْ
تَمثَّلْتِ شتَّى جسومٍ وكمتجدَّدْت في صُوَرٍ بائدهْ
نعم أنت هنَّ نعم ما أرىأرى الكلَّ في امرأةٍ واحدهْ
لقد فنيَتْ فيك أرواحهنوها أنتِ أيتها الخالدهْ
لقد كنتِ وحْي رَخامٍ يصاغُفأصبحتِ لحماً يثير الدماءْ
وكنتُ فتىً ساذجاً لا أرىسوى دميةٍ صوِّرت من نقاءْ
أُنيلُ الثرى قَدَميْ عابرٍيعيش بأحلامِه في السماءْ
فأصبحتُ شيئاً ككل الرجالوأصبحتِ شيئاً ككل النساءْ
وكنتِ أميرة هذي الدُّمىوصورةَ حُسنٍ عزيز المنالْ
وكنتِ نموذجَ فنِّ الجمالِأحبُّكِ للفنِّ لا للجمالْ
أرى فيكِ ما لا تحدُّ النّهىكأنكِ معنىً وراء الخيالْ
فجرَّدْتِني رجلاً أشتهيوجرَّدتُ أنثى تشهَّى الرجالْ
دعيني حواءُ أو فابعديدعيني إلى غايتي أنطلِقْ
أخمرٌ ونار لقد ضاق بيكِياني وأوشِكُ أن أختنِقْ
أرى ما أرى لهباً بل أشمُّرائحةَ الجسد المحترقْ
فيا لكِ أفعى تشهَّيتُهاويا ليَ من أُفعوانٍ نزقْ
كفانا فقد جُنَّ هذا الفتىوجاوز حدَّ الكلام المباحْ
نكاد نُحِسُّ اختلاجَ النجومونسمع مُضْطرباً في الرياحْ
مريضُ الغريزةِ فتَّاكُهاحَبَتْهُ الطبيعةُ أمضَى سلاحْ
سَقَتْهُ الشياطينُ يحمومَهافمجَّ الرحيقَ وذمَّ الصباحْ
تأثَّمـ بالفنِّ حتى غوَىوما الفنُّ بالمرأةِ الخاطئهْ
هو الدمُ واللحمُ ما يشتهيهو الخمرُ والمتعةُ الطارئهْ
وكم في الرجالِ سُعَارُ الوحوشإذا لمسوا الجُثَّةَ الدافئهْ
فلا تذكري فنَّ هذا الفتىبل الحيوانيةَ الخاسئهْ
رأى جسمَ حواءَ فاشتاقَهفهاجتْ به النزوة المُسْكِرَهْ
سَبى روحَها فاشتهى جسمَهافثارتْ بعزّةِ مستكبرَهْ
سَمَا جسمُها وتأبَّى عليهفجرَّدَ في وجهها خِنجرَهْ
وهمَّ بها فالتوى قصدهُفأرسل صيحتَه المُنكرَهْ
ألمْ يَنسِمِ الخُلدَ من عطرهاألمْ يعْبدِ الحسنَ في زهرِها
ألم يقبسِ النورَ من فجرهاألم يسرقِ الفنَّ من سحرِها
شفَتْ غُلّةَ الفنِّ حتى ارتوىوإن دنَّسَ الفنُّ من طهرِها
وهامَتْ على ظمأٍ روحُهاوكم ملأوا الكأسَ من خمرِها
على مَذْبَحِ الحب من قلبهاسِراجٌ يُسبِّحـ مَنْ لألأه
منارٌ يجوبُ الدجى لمحهُفتلقى السفينُ به مرفأه
يبثُّ الحرارةَ بَرْدَ الشتاءِويُلهبُ شُعلته المطفأه
وتمشي الحياةُ على نورِهِوما نورُهُ غيرُ عينِ امرأه
خطيئتُها قِصَّةُ الملهمينوإغراؤها الفرَحُ المفتقَدْ
بأرواحهم يَرتقون الخلودَعلى سُلَّمٍ من متاع الجسدْ
ولو لم تكن لهوى فنّهمصريعَ الظلام قتيلَ الجمَدْ
وما الفنُّ إلَّا سعيرُ الحياةِوثورتُها في محيط الأبدْ
لهيبٌ إذا الرُّوحُ مرَّتْ بهِتضاعفتِ الرُّوحُ في نارهِ
يُطيقُ القويُّ لظى جَمْرِهِويعشو الضعيفُ بأنوارهِ
رَمَتْ فيهِ حواءُ آثامهافذابتْ على صُمِّ أحجارهِ
لقد قرَّبَتْ جَسداً عارياًوقلباً يَضِنُّ بأسرارهِ
أمن صَنْعَةِ اللّه هذا الجمالْنعم ومن الفنِّ هذا المثالْ
على مَعْرِضٍ مرمري الدُّمىترامى أشعتُه والظلالْ
تماثيلُ من جسدٍ فاتنٍتأبَّى على شهواتِ الرجالْ
حَبَتهُ الطبيعةُ أسرارَهاولاقى الحقيقةَ فيهِ الخيالْ
لقد أخذَتْنا شجونُ الحديثوكم في حديث الفتى من شجونْ
سَمَرنا بهِ وجهلنَا اسمَهُوما حظُّهـ من رفيعِ الفنونْ
أمِنْ ربَّةِ الشعر إلهامهُأم الوترِ الأُرفُسيِّ الحنونْ
أم المرمرِ الغضِّ يجلو بهِرفيفَ الشفاهِ ولمْحَ العيونْ
هي وحيهُ من سماءِ الأُولمبِوآلهةِ الحكمة الغابرينْ
فما هو بالملَكِ المستعزِّولكنَّهُ الآدميُّ المَهينْ
وما الآدمية بنتُ السَّماءِولكنَّها بنتُ ماءٍ وطينْ
يريدُ لها الفنُّ أفقَ النُّجومفيُقْعِدُها جسمُ عبدٍ سجينْ
وما فنُّهُ ما أراهُ سوىأداةِ مطامعِه الواسعهْ
غداً يستَغلُّ غرامَ الحسانِسبيلاً إلى الشُّهرةِ الذائعهْ
يصيبُ بهنَّ خُلودَ اسمِهِوهنَّ قرابينُهُ الضائعهْ
تمنَّيْتُ لو أطلقَتنا السماءُويا حَبذا لو بُعِثنا مَعَه
ألا حبذا الأرضُ مغدىً لناوإن بشَّرَتها المنايا بنَا
وما الأرضُ بالمنزلِ المسْتَطابِولكنَّهُ ثأرُ أترابنَا
لنشربَ منْ دمِ هذا الفتىمُصفَّى الرحيقِ بأكوابنَا
ونجعلَ من حشرجاتِ الرجالتحيَّةَ شادٍ لأنخابنَا
ونسلُبُ ما رزِقُوا من حجىًونهدمُ ما رفعوا من قِبابْ
ونبني لهم نُصُباً خالداًيكون على الدَّهرِ رمزَ العقابْ
تطوف به لَعَناتُ السَّماءِوترصُدُهُ مُثُلاتُ العذابْ
ولكن أرى غيرَ ما قلتُماوما الغدر في الرأي كلُّ الصوابْ
إذا خَلَتِ الأرضُ من طيرهمفمن ذا يُحيّي الجمالَ القسيمْ
ومن يُطلِقُ الحبَّ من وكرِهِعلى خطَراتِ الغناءِ الرَّخيمْ
وفيمَ نُرَقِّشُ هذا الجناحَونصقلُه ببنانِ النعيمْ
طيورَ السماء حَذَارِ الوقوعَعلى حَطبٍ في الثَّرى أو هشيمْ
أيغريكِ بالحبِّ سُودُ اللِّحىغِلاظُ الشِّفاهِ العراضُ الطِّوالْ
كأنَّ الهوى صُنْعُ أيديهمُفمن غيرهم كلُّ عيشٍ مُحَالْ
إذا شئتِ كان لنا عالَمٌيحوط الأنوثةَ فيهِ الجلالْ
حَمتْ رِقَّةَ الجنسِ ربَّاتُهُفليس بها حاجةٌ للرجالْ
لكلِّ اثنتينِ هَوىً واحدٌتلاقَى على سرِّهِ مهجتانْ
وعُشّ يضمهما في المساءِوروضٌ به في الضُّحَى يعبثانْ
وفي ركنِ خدْرهما مِغْزَلٌوفوقَ الأريكةِ قيثارتانْ
وتحت الوسادة أقصوصةٌلقلبين لم يَروِها عاشقانْ
ماذا تُرى صَنَعَ العاشقانوما ذكرياتُ الليالي الحسانْ
حديثُكِ إنْ لم يكنْ بدْعةًفحُلمٌ جَرَى في قديمِ الزمانْ
وصيحةُ مُخفقةٍ في الهوىمُعَربدةِ الرُّوحِ سكرَى اللسانْ
الأنوثةَ هذا الهوانْوفيها الدهاءُ القويُّ الجنانْ
لنا الكيدُ إن خذلَتنا القُوىأحابيلُ شتى وفنٌّ عجابْ
نُلقَّاهُ عن مَلكاتِ الزَّمانِأقاصيصَ لم يروِ عنها كتابْ
وقد نستعيرُ صفاءَ النميروقد نستمدُّ صراعَ العبابْ
وقد نسحبُ الليلَ فوق القلوبونغري العيون بقوسِ السَّحابْ
نساقِطُهم من غَواياتناأزاهرَ تَندى بماء الشبابْ
إذا لألأتْ فوق موج الشُّعورأثارتْ بهم ظمأً للسَّرابْ
بألوانِها الحمر جَمْرُ الغضاوفي نفحِها لفَحَاتُ العذابْ
هو الفنُّ لا ترتوي روحهُبأشهى من الأرجوانِ المذابْ
هو الحسنُ فتَّانُنا العبقريُّهو الحبُّ سلطاننا القاهرُ
ممثلهمْ لُعْبةٌ في يديهِومثَّالهم إصبَعٌ فاجرُ
وألحانهم من فحيح العروقِيُصَعِّدُها الوترُ الساخرُ
ورسَّامهم صَنَمٌ مُبْصِرٌفإنْ جُمِعوا فَهُمُ الشَّاعرُ
قلوبٌ مُدلَّهةٌ بالجمالِترى فيه معبودَها المُلْهَما
هو الرجلُ القلبُ لا غيرُهُفأودِعْنَهُ القبسَ المضرَما
أنِمْنَ به الشَّرسَ المستخفَّوأيقِظنَ فيهِ الفتى المغرَما
اقتحمتنَّ السياجَفقد خضعَ الكونُ واستسلما
ولكنْ حَذارِ ففي طبعٌلِيانٌ يسمُّونَهُ بالوداعهْ
وفيهم جراءةُ مستأسدٍتحدَّى المنيةَ باسمِ الشجاعهْ
وهِمْتِ فذلك هَزْلُ الرجالوفنٌّ أجزنا عليهم خداعهْ
نذيبُ بهِ صُلْبَ أعصابهموفي رِقَّةِ العود سِرُّ المناعهْ
أطلْنا الأحاديثَ عن عالَمٍمُلَثَّمةٍ أرضُهُ بالخفاءْ
جعلناهُ مَطمَحَ أحلامناكأنَّا شَقِينا بِسُكنى السَّماءْ
طَوانا على حُبِّهِ شاعرٌكثيرُ المجانة نَزْرُ الحياءْ
أثارَ الملائكَ في قُدسِهاوأوقعَ في سحرهِ الأبرياءْ
عَجِبْتُ له كيف جاز السماءَوغرَّر بالملإِ الطاهرِ
أيمرحُ في الكونِ شيطانُهُبلا وازعٍ وبلا زاجرِ
دَعي الوهمَ سافو ولا تحقِريبليتيس معجزةَ الشاعرِ
فما نتَّقِيهِ بحيَّاتناإذا هو ألقى عصا الساحرِ
بليتيس هل هو ذاكَ الخيالالمُجنَّحُ بين حواشي الغيومْ
عشيةَ صاح بأترابناوقد أخطأتْه قِسِيُّ الرُّجومْ
وقيلَ لنا مَلَكٌ عاشِقٌيُسرّي الهمومَ ببنتِ الكرومْ
يجوبُ السماءَ إذا ما انتشىيُعربدُ بين خدورِ النجومِ
أعاجيبُ شتَّى لهذا الفتىوأعجبُ منها الذي تذكرينْ
كأنَّ أحاديثَه بينناأساطيرُ آلهةٍ غابرينْ
إذا كان للفنِّ هذا الصِّيالُفوارحمتَا للجمال الغبينْ
ودَدْتُ لو أنِّيـ في إثرِهِدرجتُ على الأرض في الدارجينْ
أتُغوين بالشعر شيطانَهخياليةٌ أنتِ أم شاعرهْ
بل الشعرُ آسرُهُ المستبدُّفيا ليتَ لي روحَه الآسرهْ
ويا ليتَ لي وثباتِ الخيالِوقوةَ أربابِه القاهرهْ
لصيَّرتُهُ مُثلَةً في الحياةِوسُخريةَ البعثِ في الآخرهْ
صفي لي بِليتيسُ هذا الأملْوماذا ابتدعتِ له من حِيَلْ
أُدلِّهُ هذا الفتى بالجمالِوأُسمِعُه من رقيق الغزَلْ
وأورثه جُنَّةً بالرحيقِوأحرِمهُ رَشفَاتِ القُبَلْ
إلى أنْ تُحرَقَ أعصابهُويصرَعه طائفٌ من خَبَلْ
وأحفرُ بعد الردى قبرَههناك على قمَّةِ الهاويَهْ
وأغرس في قلبهِ زهرةًمن الشرِّ راويةً ناميَهْ
سَقَتْها سمومُ شرايينهورفَّتْ بها روحهُ العاتيَهْ
تخفُّ إليها قلوبُ الرجالوترجع بالشوكةِ الداميَهْ
إذا جنّها الليلُ لاحتْ بهكعينٍ من اللهبِ المضطرمْ
تثور الشياطينُ من عطرهاكمجمرة الساحر الملتثمْ
إذا استافَها الرَّجلُ العبقريُّتحوَّل كالحيوان الوخِمْ
تضُجُّ البلاهة من حولهِوينظر كالصنَّمِ المبتسمْ
هَبي الشعرَ أولاكِ من مُلكهسماءَ الأُلوهةِ ذات البروجْ
ونصَّ المعانيَ عن جانبيكِفمنها السُّرَى وإليكِ العروجْ
فما تصنعينَ إذا ما بُعِثْتِواحدةً من بناتِ الزُّنوجْ
ألم تقرأي قِصَّةَ السامريِّوما صَنَعَ القومُ بعد الخروجْ
نَبا منطقُ الوحيِ في سمعهموخفَّ عليهِ رنينُ الطربْ
ومدُّوا العيونَ إلى فتنةٍتجسَّد في حيوانٍ عَجَبْ
ترامى بأحضانِه غادةٌأفادَ صِباها شبوبَ اللهبْ
جنونُ الحياةِ وأهواؤهاأنوثتُها وبريقُ الذَّهبْ
فأينَ من القومِ سحرُ البيانِوصيْحةُ موسى قُبَيل الوداعْ
هُمُ الناسُ لا يعشقون الخيالَإذا لم يكنْ حافزاً للطماعْ
هُمُ الناسُ لا يعبدون الجمالَإذا لم يكنْ نُهزةً للمتاعْ
هُمُ الناسُ لا يألفون الحياةَإذا لم تكنْ مَعرِضاً للخداعْ
تماثيلُهُ بعضُ أجسامِناوقد صاغَها العبقريُّ الصّناعْ
ولوحاتُهُ صُوَرُ العارياتِإذا مَزَّقَ الفنُّ عنها القِناعْ
أبالشِّعرِ تُغْوينَ هذا الفتىوهمْتِ إذن وجَهلتِ الطِّباعْ
أليستْ لهُ صَبْوَةُ الآدميِّوشهوةُ تلك الذئابِ الجِياعْ
رَجعْتُ لنفسي فلا تغْضباوكُفَّا العتابَ ولا تُسْهِبا
لقد رُعتمانِي بهذا المزاحوأبدَعْتما نبأً مُغرِبا
سَرَتْ بيَ من ذكره رِعدةٌكأني لبِستُ به الغَيْهبا
أتاييسُ لا كنتُ بنت الزنوجِولا شِمْتُ أُمَّا بهم أو أبا
وصمْتِ الخليقة في بعثهمكأنهم الحدَثُ المنكرُ
وما أخطأ الطيفُ ألوانَهولكنهُ اللهَبُ الأحمرُ
أبوهم كما زعموا آدمٌوحواءُ أُمُّهمُ المُعْصِرُ
لهم أعينٌ تتملَّى الجمالَوأفئدةٌ بالهوى تشعرُ
لهم نارُهم في أقاصي الدُّجىوأبياتُهم في أعالي الكهوفْ
وسحرُ الطبيعةِ في عُرْيهاإذا هتَكَ الفجرُ عنها الشُّفوفْ
ونايٌ يُقسِّمُ فيهِ الربيعُويسكبُ شَجْوَ المساءِ الهتوفْ
ورقصٌ يُمثِّلُ قلبَ الحياةِإذا ما استُخِفَّ بنقرِ الدفوفْ
تفرَّدَ فنُّهُمُ بالخفاءوصِيغَ بفطرتهم واتَّسمْ
يعيشُ جديداً بأرواحهموإن عاش فيهم بروح القِدَمْ
له بأسُ مانا وإيحاؤهإذا اضطربتْ رُوحهُ بالألمْ
ورِقَّةـ هاوايَ في شدْوهاإذا جاشَ خاطرُها بالنَّغمْ
ألا فلْيَكُنْ لكِ من فنهمسموُّ اللظى وعتوُّ الجبالْ
ألا فلْيكُنْ لكِ من سحرهمفنونٌ تُعطِّلُ سحرَ الخيالْ
ألا فليكنْ لكِ من نارهموشاحُ مؤلَّهةٍ بالجمالْ
إلى الأرضِ فانتقمي للنساءِوكوني بها محنةً للرجالْ
سلامٌ لكُنَّ عذارى السماءسلامٌ لهرميس روحِ الإلهْ
أرى ومْضَةَ الشرِّ في جوِّكنَّوأسمعُ صوتاً كأنِّيـ أراهْ
يلاحقني في رحابِ السماءِويرتجُّ في مِسمعيَّ صداهْ
لقد فارقَ البشرُ غُرَّ الوجوهِوشاعَ الذبولُ بوردِ الشفاهْ
أجل أيها الملَك المجتبىصدقناكَ فاغفر عذابَ الضميرْ
لقد مرَّ كالطيرِ من قربنافتىً في رعاية ربٍّ خطيرْ
رآنا فأعرض عنَّا ولمْيُحَييِّ السماءَ بروحٍ قريرْ
تخايلَ عُجباً بأوهامهوأمعن في شرِّه المستطيرْ
ظلمتنَّ هذا الغلامَ البريءوقد غضَّ من ناظريهِ الحذَرْ
أهَلَّ بقلبٍ كفرخِ القَطايرفرفُ تحتَ جناحِ القدَرْ
رَآكنَّ فيهِ وحيَّا بهِفلم أدْرِ حاجتَه للنظرْ
وكيف تكلَّم قلبُ الفتىوما هو إلا سليلُ البشرْ
هُوَ ابنُ السماءِ ولكنَّهُمن النقصِ تركيبُه والتمامْ
صَنَاعُ الطبيعةِ بل صُنْعُهافمنها دَمامتُه والوَسامْ
يُسِفُّ إلى حيث لا ينتهيويسمو إلى قمةٍ لا تُرَامْ
ويُسْقَى بكأسٍ إلهيةٍمُرَنقةٍ بالهوى والأثامْ
نقيضانِ شتَّى فما يستقرُّعلى غَضَبٍ منهما أو رضاء
تحدَّى الحياةَ وآلامَهاببأسِ الجبابرة الأعلياء
يزيدُ عُتُوّاً على نارهاويلمعُ جوهرهُ مِنْ صَفاء
وينشقُّ عن نَضرةٍ قلبُهوإنْ طَمَرَتهُ ثلوجُ الشتاء
هو المرِحُ الشاردُ المستهامُشُرودَ الفراشةِ عند المساء
حَبَتهُ الألوهةُ روحاً يَرَىوينطِقُ عنها بوحي السماء
يحُسُّ الخيالَ إذا ما سَرَىويلمسُ ما في ضميرِ الخفاء
ويبتدرُ النجمَ في أفقهفيرشُفُهُ قطرةً من ضِياء
أرتهُ السماءُ أعاجيبَهاورَوَّتهُ من كلِّ فنٍّ بديعْ
فضنَّ بلألاءِ هذا الجمالِوخافَ على كنزِهِ أن يضيعْ
أبى أن يُبدّدَهُ ناظراهُفأطبقَ جفنيهِ ما يستطيعْ
فإن شارفَ الأرضَ نادتْ بهِففَتَّحَ عيناً كعينِ الرَّبيعْ
هنالكَ حيث تَشبّ الحياةُوحيث الوجودُ جنينُ العَدَمْ
وحيثُ الطبيعةُ جبَّارةٌتشقُّ الوهادَ وتبني القِمَمْ
وحيثُ السعادة بنتُ الخيالِولذَّتها من معاني الألمْ
وحيث الطريدانِ شجَّا الكؤوسَومَجَّا صُبَابتَها من قِدَمْ
رَنَا والطبيعةُ في حَلِيهاوحواءُ عاريةٌ كالصَّنمْ
فمن أين سارَ وأنَّى سرَىتصَدَّتهُ مقبلَةٌ من أمَمْ
هنالكَ أولُ قلبٍ هفاوأولُ صوتٍ شدا بالنَّغَمْ
وأولُ أنمُلةٍ صوَّرَتْوخَطَّتْ على اللوحِ قبل القَلمْ
فما لكِ حواءُ أغويتِهِوأعقبتِهِ حَسَراتِ النَّدَمْ
لقد كان راعيَكِ المجتَبىفأصبحَ راميَكِ المتَّهمْ
ولولاكِ ما ذرفتْ عينُهُولا شامَ بارقةً فابتسَمْ
وعاشَ كما كانَ آباؤهيُغنِّيـ النجومَ ويرعَى الغنمْ
لأجلكِ يَشقى بلمحِ العيونِويُصرعُ بالنظرةِ العابرهْ
لَوَدَّ إلى الأرضِ لو لم يُصِخْأو ارتدَّ بالمقلةِ الحاسرهْ
وكم من فتىً عزَّها سمعُهُوغضَّ على حَذَرٍ ناظرهْ
عصاها فنادت فلم يستمعْفحلَّت به لعنةُ الفاجرهْ
له مقلتانِ على ما وعَىمن الألَق الطُّهْر مختومتانْ
ففي عقلهِ حركاتُ الزَّمانمصورةً وحدود المكانْ
وفي قلبهِ أعينٌ ثَرَّةٌبها النارُ طاغية العنفوانْ
وفي كلِّ خاطرة نَيْزَكٌيشقُّ سناهُ حجابَ الزمانْ
إذا ما هوتْ ورقاتُ الخريفِأحسَّ لها وَخَزَاتِ السَّنانْ
وإن سَكَبَتْ زهرةٌ دمعةًفمن قلبه انحدرتْ دمعتانْ
ومن عَجَبٍ شَدْوُهُ للربيعوقد يخطىءُ الطيرُ شدوَ الأوانْ
وقيثارةُ الرِّيح ما لحنُهاسوى الريح في جفوةٍ أو حنانْ
عوالمُ جَيّاشةٌ بالمنىودنيا بأهوائها تضطربْ
من اللاَّنهاية ألوانُهامشعشعةٌ بالندى المنسكبْ
ففيها الصباحُ وفيها المساءُوبينهما الشَّفَق الملتهبْ
تطوف بها صَدَحاتُ الطروبوتسهو بها أنَّةُ المكتئبْ
لكَ الحبُّ فيما أتاحتْ لناسريرتُكَ السَّمحَةُ الطاهره
ومن مَلَكٍ مثلُ هذا الحديثطُمأنينةُ المهجِ الحائره
عَطفْتَ على قلبِ هذا الفتىقلوباً على فَنِّهِ ثائره
وصوَّرتهُ مَلَكاً ناقماًعلى آدميتهِ الجائره
أجل هو ذاكَ ولو زدتكنَّلزدتُنَّ عطفاً على فنِّهِ
وما ذنبُ روحٍ نَمَتْهُ السماءُإذا ضجَّ في الأرضِ من سِجنهِ
تَعلَّقَ مهواهُ فوق النجوموحَوَّمَ وَهْناً على كِنِّهِ
لينعمَ في ظِلِّهِ لحظةًويملأَ عينيهِ من حسنهِ
لهُ ولَعٌ بخدورِ النجومِإذا ما تخلَّصَ من طيفهِ
ويا رُبَّ ليلٍ كوادي الخيالدَعَتْهُ الحقيقةُ من جوفهِ
فسار يَضمُّ صدورَ الرّبابويستضحكُ النُّورَ في سُدْفهِ
وغاب كأعجوبةٍ في الدُّجىتحارُ الأساطيرُ في وصفهِ
على الأرضِ شيطانُهُ الحائمُوفي الكون وجدانه الساهمُ
مضى سابحاً في عبابِ الأثيركما يسبحُ النظرُ الحالمُ
يدورُ فلا أفقٌ ينتهيإليه ولا كوكبٌ هائمُ
وحيثُ هو الآن فيمن أرىهناكَ على سِرّهِ جاثمُ
هناك هناك كأنّي أراهنعم خلف هذا الغمام الرقيق
إذا ما عطفتنَّ ناديتهُعسى الآن من روْعِه أن يُفيقْ
ألا أيُّها الروحُ مني السلامُوأنتَ بحبِّ العذارى خليقْ
عرائسُ أحلامِكَ المائلاتُوما أنا إلَّا مَلاكٌ صديقْ
لقد طَلعَ الفجرُ يا شاعريوكادتْ تزولُ نجومُ الصباحْ
وحان الرواحُ فودِّعْ خباءَكَوادنُ أحدِّثكَ قبل الرواحْ
أتهتف بي أنتَ أم هُنَّ أمْنذيرُ الردى والقضاءُ المتاحْ
تراك سمعتَ أحاديثنالقد نقَلَتها إليّ الرياح
عجبتُ لحوريَّةٍ في السماءويأخذ أهلَ السماء العجبْ
أتحلمُ بالأرضِ مخمورةًمن الدمِ راقصةً في اللهبْ
وتُغري بيَ الموتَ لا جانياًولكنها ثورةٌ من غضبْ
برئتُ من الإثمِ حوريَّتيفرُدِّي الظنونَ وخلِّي الريبْ
أأبغض حواءَ وهي التيعرفتُ الحنانَ لها والرِّضى
وباعَ بها آدمٌ خُلدَهُولو لم يَكُنْ لتمنَّى القضا
ورِثتُ هواها فرُمت الحياةَوحبَّبـ لي العالم المبْغَضا
أراها على الأرض طيفَ النعيموحُلمَ الفراديسِ فيما مضى
وكانت حياتي محْضَ اتِّباعفصارتْ طرائفَ من فَنِّها
وكان شبابيَ صَمْتَ القفارِورَجْعَ الهواتفِ من جِنِّها
فعادتْ ليالي الصِّبا والهوىأرقَّ المقاطعِ في لحنها
وأفرغتُ بؤسيَ في حِضنهاوأترعتُ كأسيَ من دَنِّها
وكم ذكرياتٍ لها عَذْبَةٍأعيش عليها وأحيا بها
لها في دَمي خَلجاتُ الحياةِكأني خلِقتُ بأعصابها
مُسامرتي حين يمضي الصِّباوتهتفُ رُوحي بأحبابها
وتخلو بيَ الدارُ عِندَ الغروبِوأجلسُ وحدي على بابها
بَدَتْ شِبْهَ عابسةٍ فانثنيتُوقد زايلَ الشمسَ لألاؤها
وخِلتُ الحياةَ وضوضاءهاتموتُ على الأرض أصداؤها
وكفَّ عن الهمْسِ حتى النسيمُوأمسكَ عن لَعِبٍ ماؤها
وناديتُ فالتفتتْ لا تجيبُولكنْ دعاني إغراؤها
ومرَّتْ إزائي فتابعتُهابقلبي وعيني إلى أمِّها
رأيتُ مفاتنها غيرَ تلكوإن لم يُخلَّدْنَ في جسمِها
وأبصرتُ من حولها الكائناتِجوانحَ تهفو إلى ضَمِّها
ويحنو الصباحُ على ثغرِهاوقد جُنَّ شوقاً إلى لثمِها
يسائلني القلب عن أمرهاوأسأله أنا عن سرها
ويعطفني في الهوى ضعفُهاوأنسَى بأنِّيـ في أسرها
وتُبدي ليَ الأنجمُ الوامقاتُرفيفَ الأماني على ثغرها
فأحسبُ أن اهتزازَ الحياةصدَى حبِّها ورؤى سحرها
لكذبتها تُستحبُّ الحياةُويَصْفو الزمانُ بتغريرها
ويأخذُني الشكُّ في قَوْلهافتُقنعني بأساريرها
وتعصفُ بي شهْوَةٌ للجدالفَتسكِتُني بمعَاذيرها
غفرتُ لها كلَّ أخطائهاسِوَى دَمعتينِ لتبريرها
أحاول أفهمها مرَّةًفأعيا بها وبتفكيرها
أمخلوقةٌ هيَ أم ربَّةٌتسيرُ الخلائقُ في نِيرها
وما سِحْرُها ألتكوينهاوما حسنُها ألتصويرها
تقولُ الطبيعةُ بِنْتي وماأُحِسُّ لها بعضَ تأثيرها
أعند الطبيعةِ هذا الدلالُوفي دِفئِها مثلُ هذا الحنانْ
إذا قيلَ لي هاكَ مُلك الثّرىودنيا الشَّبابِ وعمْرَ الزمانْ
فما لذَّتي بالذي نِلتُهوما نشوتي برحيق الجنانْ
كرعشةِ رُوحِي وهزَّاتِهاوصدري على صدرها واليدانْ
وغَنَّتْ فأسمعني صوتهاصَدى الروحِ في خلَجات البدنْ
عميقاً كأنفذ ما في الحياةِوأبعدِ ما في قرارِ الزّمنْ
فأحسستُ كيف تطيش العقولُوتسهو القلوبُ وتصحو الفتنْ
وقال لها الحسنُ يا ربتيفقالت له كلّ شيءٍ حسنْ
رآها على النبع بعضُ الرُّعاةِمصوَّرةً في إطار الغصونْ
فقالوا أحُلْمٌ تراه العيونْأفي الغابِ حوريَّةٌ من تكونْ
ومسَّ مزاهرهم روحُهافرفَّتْ بها خالداتُ اللحونْ
وباتتْ تعانقُ أحلامَهموقد كاد يرقصُ حتى السكونْ
ولاحت بمرأىً لعينيْ فتىًطوى البحرَ ليس لهُ من قرارْ
تفتَّحُ عن صدرها موجتانوينشقُّ في الفجر عنها المحارْ
رآها فجنَّ غراماً بهاوغنَّى بها الليلَ بعد النهارْ
وقالوا تعشَّقَ جِنِّيةًفتىً شاعرٌ تائهٌ في البحارْ
قضى اللّهُ أن تُغويَ الخالدينوتُغريَ بالمجدِ عُشَّاقَها
لَقِيتُ على بابها الفاتحينَوغارَ الفتوحِ وأبواقَها
وكلَّ مُدِلٍّ عَصِيِّ القياددَعَتْهُ الصبابةُ فاشتاقها
سَلا مَجدَهُ الضَّخْمَ في قُبْلةٍتُذِلُّ وتُسْعِد من ذاقها
أمانيُّ شَتَّى تمثَّلنَ ليبكلِّ وضيءِ الصِّبا ناعمِ
مُبَعْثَرةً حولها في الترابِبقايا الدُّمى في يدِ الحاطمِ
تَمُرُّ بها وهي في ضِحْكهاوما ذَرَفَتْ دمعةَ النَّادمِ
فيا لكِ من طفلةٍ فَذَّةٍورُحماكِ سَيِّدَةَ العالَمِ
يحاولُ بالشعرِ إغراءنالنؤمنَ واحدةً واحده
هو الموقف الضنكُ ما يتقيهِكمايتقي باشقٌ صائده
متى كان صَبّاً عطوفَ الفؤادوهذي قصائدُه الجاحدهْ
ألا ذكِّريهِ بمثَّالهونادي بحيَّتِهِ الخالدهْ
ظَلَمْتِ الفنونَ وأربابهاوما كنتِ حوريَّتي ظالمه
قلوبٌ تلذُّ بتعذيبهاغرائزُ عاتيةٌ عارمه
تُرنِّحها سَكراتُ الهوىوتُوقظها الفِتنُ النائمه
صَحَتْ من خُمار مَلذَّاتهاتُعنِّفُ أهواءَها الآثمه
ألا ما لأختيكِ ما تبغيانأقلبيَ والخنجرَ المُنتَضَى
خذاهُ اقتلاهُ ولا ترحماهُفليسَ له بَعْدُ أن يَنبِضا
أذيقاهُ ما شئتما واغرسابه الشرَّ ملتهباً مُرْمِضا
فلن تُنبِتَا فيه إلَّا السلامَوالحُبَّ والزهَرَ الأبيضا
إناءٌ من النُّور طافتْ بهِيَدُ الحبِّ غارسةُ الزَّنبقِ
تُغاديهِ شاديةٌ في الدُّجىوراقصةٌ في الضُّحى المشرقِ
بأجنحةٍ كرؤى الخالدينلغير الصبابةِ لم تخفِقِ
وقلبيَ من قدَحٍ في السماءومن نبْعِ آلهةٍ يستقي
أتخشى لِقانا سليلَ السماءأتحذرُنا أم تخافُ الضِّياء
مُحدِّثتي ما أحبَّ اللقاءَلقد حال جسمي دونَ اللقاء
وكنتُ تخلَّصتُ من طيفهِفلفَّتهُ حولي يدٌ في الخفاء
كأنِّيَ أهذي بأضغاثِ حُلمٍأو أني ضللتُ طريقَ السماء
بليتيس سافو الفرارَ الفرارفقد لبسَ الروحُ طيفَ البشرْ
أتبْصِرُهُ جسداً عارياًوتقربهُ تلك إحدى الكُبرْ
على رِسْلكنَّ فقد عاقبتهبأقوالكنَّ بناتُ القدرْ
لقد عاقبتهُ بأشعارهفيا ليتَه ما هذَى أو شَعَرْ
أتصرخ ويحْكَ إنَّ السماءلتأخذُها صرخاتُ الألَمْ
من الغيمِ يا شاعري فالتمسْدِثاركَ واخصِفْ به من أممْ
وخُذْ من جناحيَّ ما تتَّقيبه في السماء عثارَ القدمْ
وأقسمُ ما رُمْتُ غيرَ الحنانوإنِّيـ زعيمٌ بهذا القسمْ
بليتيس تاييس ماذا انظرافثمَّتَ أُعجوبةٌ تظهرُ
تعالَ فتى الشعرِ يا للسماءِأبِالشعرِ أم بالفَتى تَسخَرُ
أهذا هو الآدميّ العظيمُألا شدّ ما يخدعُ المنظر
تَصوَّرتُهُ من أحاديثهِفتىْ لوَسامته يؤثرُ
تريدينه صورةً أم فتىًتهلّلَ فيه الحِجى وابتسمْ
رأيتُ الرجولةَ كلَّ الجمالِهو الرَّجلُ الفردُ في المزْدحَمْ
تراهُ على النبع يُعلي الغطاءَويُدْلي الدلاءَ ويَسقي الغنمْ
ويحدو العذارى إلى دارهنَّحَيِيَّ الخطى موسويَّ القدمْ
لشدَّ الذي قُلتِهِ يا ابنتيكلاماً توهَّجَ منه الحنينْ
تعاليْ هنا والثمي جبهةًهزأت بها وهي حُلْمُ السنينْ
أمن خَمَلِ السُّحْبِ هذا الدثارومن حمإ الأرض هذا الجبينْ
دعي طيفه وانظري روحَهففيها الصِّبا والجمالُ المبينْ
هل الرجل الروح لا إنهمحيّا ترقرق فيه الوسام
وعينانِ بالسحر تستأثرانِخيالٌ لعمركِ هذا الكلام
مُحيَّا وعينانِ ما في الرجالِسوى كلِّ أصيدَ سبْطِ القوام
ذراعاهُ تستدرجانِ الخصورَوفي شفتيهِ حديثُ الغرامْ
تنزَّهْتَ عن شُبْهةٍ عالميولا رابني فيكَ ما أسمعُ
عهدتُ البراءَة فيمن تُظِلُّفماليَ من ريبة أفزعُ
وأبدعتَ خلقاً ولكننيأراهُ إلى عَبَثٍ ينزِعُ
سبَى السحرُ أجملَ أرواحِهِفأنطقهن بما يخدعُ
أفي عالم الرُّوح تفشو الظنونُوينطق روحٌ بهذا الكلِمْ
أسائلُ نفسي أشيطانةٌتوسوسُ لي أم مَلاكٌ أثِمْ
أم الشكُّ آذنني بالصراعأم حلَّ بي غضبُ المنتقمْ
بل البعثُ آذنهنَّ الغداةَفلا تَلْحَهُنَّ ولا تتَّهِمْ
هي الآدميةُ طافتْ بهنَّوتلك غرائزُها والطباعْ
غداً تدرجُ الرُّوحُ في طيفهاوما الطيفُ للرَّوحِ إلَّا قِناعْ
سترقدُ في غورها الذِّكرياتوتوقظهنَّ السنون السِّراعْ
وتمشي لحاضرها في الحياةبمصباحِ ماضٍ خَفيِّ الشعاعْ
وكم نبأةٍ كالحديث الجديدوما هو إلَّا القديم السماعْ
من الخيرِ والشرِّ إلهامهامقادِرُ تجري بهنَّ اليراعْ
فدع للسماءِ تصاريفهافقد أذِنَ البعثُ بعد انقطاعْ
وداعاً صديقي إلى أين تمضيإلى الملتقى فالوداع الوداع
عن القصيدة
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في ٤٢٠ بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الراء.
بحر المتقارب: فعولن فعولن فعولن فعولن · قصائد أخرى رويّها الراء
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.