إلى قِــــمَّةـــِ الزَّمـــنِ الغـــابـــرِ

الشاعر: علي محمود طه · البحر: المتقارب

هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 420 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، ورويّها حرف الراء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

إلى قِــــمَّةـــِ الزَّمـــنِ الغـــابـــرِ — سَــمَــتْ رَبَّةــُ الشــعــر بــالشـاعـرِ

يَـــشُـــقُّ الأثــيــرَ صــدىً عــابــراً — وروحــــاً مُــــجَـــنَّحـــَةَ الخـــاطـــرِ

مــضــتْ حــرةً مــن وثــاق الزَّمــانِ — ومـــن قـــبــضــةِ الجــســدِ الآســرِ

وأوفـــتْ عـــلى عـــالَمٍ لم يـــكــنْ — غــريــبــاً عــلى أمــسِهـا الدَّابـرِ

نـمَـتْ فـيـه بـيـن بـنـاتِ السـديـمِ — وشــــبَّتــــْ مــــع الفــــلكِ الدائرِ

تُــلقَّنــُ ســيــرَتَهــا فــي الحـيـاة — وتـــنـــطُـــقُ بـــالمــثــلِ الســائرِ

وتـــرْسُـــمُ أســـمـــاءَ مــا عُــلِّمَــتْ — مـــن القـــلم المــبــدع القــادرِ

مــشــاهـدُ شـتـى وَعَـتـهـا العـقـولُ — وغــابــتْ صُــواهــا عــن النــاظــرِ

وجــودٌ حـوى الروح قـبـل الوجـودِ — ومــــاضٍ تـــمـــثَّلـــَ فـــي حـــاضـــرِ

تــبــدَّى لهــا فــانــجــلى شــكُّهــا — وثـــابـــت إلى وَعْــيِهــا الذَّاكــرِ

وأصــغــت فــمــرت عــلى ســمــعِهــا — روايـــةُ مـــيـــلادِهـــا الغــابــرِ

هـو البـعـثُ فـاسـتـمعوا واقرأوا — حـــديـــثَ السَّمــاءِ عــن الشــاعــرِ

عَـــجـــبــتُ مَــنِ المــلَكُ العــابــرُ — ومــــــنْ ذلك الشَّبـــــَحُ الطَّاـــــئرُ

أهَـــلَّا عـــليــنــا فــمــا ســلَّمــا — ولا صــافــح النــاظــرَ النــاظــرُ

وللرِّيــــــحِ حــــــولهـــــمـــــا زَفَّةٌ — كــمــا صَــدَحَ المِــزْهَــرُ الســاحــرُ

أفــي عــالمِ الأرضِ بــعــثٌ جـديـد — أم الوهْــــمُ مـــثّـــله الخـــاطـــرُ

نــعــم هــو روحٌ جــمــيـلُ الإهـاب — يُــنِــيــلُ الرِّيــاحَ جَــنَــاحَـيْ مَـلَكْ

وذلك هــــرمــــيـــسُ يَـــسْـــري بـــهِ — سُــرى النـورِ فـي سُـبُـحـاتِ الفـلكْ

عـــرفـــنــاهُ لا شــكَّ هــذا فــتــىً — سَــيَــسْــلُكُهُ الفــنُّ فــيــمــن سَــلَكْ

غـــداً تـــمـــلأُ الأرضَ ألحـــانــهُ — ويَــبْــقــى صــداهــا إذا مـا هـلَكْ

إلى الأرضِ فـليـمـضِ هـذا الشـقـيُّ — ألا ولتَــفِــضْ كــأسُهُ بــالشــجــونْ

جـــزاءً لِمـــا غـــضّ مـــن أمــرنــا — ومـــرَّ كـــأنْ لمْ تــلاقَ العــيــونْ

أراهُ ولمَّاـــ يَـــزَلْ بـــيـــنـــنـــا — أصــابَــتْه لُوثَــةُ أهــلِ الفــنــونْ

لئنْ صـــحَّ مـــا كـــان مـــن أمــرهِ — فــيــا شِـقْـوَةَ الأرضِ مـمَّاـ يـكـونْ

حــنــانــكِ يــا أخــتِ لا تـغـضَـبـي — فـمـا اخـتـالَ زهواً ولا استكبرا

لقــد كـفَّ عـيـنـيـهِ بَـرْقُ الحـيـاةِ — فـــمـــرَّ بــنــا دون أن يُــبْــصِــرا

لنـــا مِـــثْــلُهُ فــي غــدٍ غــشــيــةٌ — إذا مــا حــللنــا رحــابَ الثــرى

إذا كـان فـي الأرضِ هذا الشقاءُ — فــــلا كـــانَ بَـــعْـــثٌ ولا قُـــدِّرا

أرى فــي حــديـثـكِ مـعـنـى الرِّضـا — وأســمــعُ فــيــهِ هُــتَــافَ الحـنـانْ

فــــــهــــــلا ذكـــــرتِ لهُ إخـــــوةً — حــديــثــهــمُ مــلءُ سَــمْـعِ الزمـانْ

أصــاروا الفـنـونَ رُمُـوزَ الأثـامِ — واسـتـلهـمـوا الشـرَّ سِـحْرَ البيانْ

وأغـــرَوْا بـــحـــواءَ مـــا لُقِّنــوا — ومـا حـذَقُـوا مـن طـريـدِ الجـنـانْ

ألمْ تــســمــعِــي بــفــتــى شــاعــرٍ — يُــــحَــــمِّلــــُهــــا عـــبـــءَ أوزارِهِ

تـــرَشَّفـــهــا خــمــرةً فــانــتــشَــى — فــــألقـــمـــهـــا مـــرّ أثـــمـــارِهِ

أنـــالتـــه أجـــمَـــل أزهـــارِهـــا — فــــأهــــدى لهــــا شَـــرَّ أزهـــارِهِ

إذا كــنــتِ يـا أخـت لم تـسـمـعـي — خُــذي فــاقــرأي بــعــضَ أشــعــارِهِ

ولفَّتــْ ذراعــيــن كــالحــيّــتــيــنِ — عـــليَّ وبـــي نـــشـــوةٌ لم تـــطِـــرْ

وقــد قــرَّبــتْ فــمَهــا مــن فــمــي — كــشِــقَّيــنِ مــن قــبَــسٍ مُــسْــتَــعِــرْ

أشـــمُّ بـــأنـــفـــاســـهـــا رغــبــةً — ويــهـتـفُ بـي جـفـنُهـا المـنـكـسـرْ

تــبــيَّنــْتُ فــي صــدرهــا مــصـرعـي — وآخـــرة العـــاشــقِ المــنــتــحِــرْ

أفـــي حُـــلُمٍ أنـــا أم يـــقـــظـــةٍ — ومــنْ أنــتِ أيــتــهــا الخــاطــئهْ

هـو الحـبُّ لا بـل نـداءُ الحـيـاة — تُــلبِّيــهِ أجــســادُنــا الظــامــئهْ

يَـــخِـــفُّ دمــي لصــداهُ الحــبــيــبِ — وتــدفــعــنــي القُــدرةُ الهــازئهْ

كــأنــي بــبــحــرٍ بـعـيـدِ القـرار — طـــــوى أفـــــقَه وزوَى شــــاطــــئهْ

أرى مـــا أرى جـــسَـــداً عـــاريــاً — تــضــجُّ بــه الشــهــوةُ الجــائعــهْ

أرى مــــا أرَى حَـــدَقـــيْ ســـاحـــر — تـــؤجّـــان بــالنــظــرة الرائعــهْ

أرى مــــا أرى شَـــفـــتـــيْ غـــادةٍ — تــرِفَّاــن بــالقُــبــلَةِ الخــادعــهْ

تُـــســـاقــطــنــي ثــمــراً مــا أرى — أرى حـــيَّةـــَ الجــنَّةــ الضــائعــهْ

بــعــيــنــكِ أنــتِ فــلا تُــنــكــري — صـــفـــاتِ أنـــوثـــتــكِ الشَّاــهــدهْ

تَـــمـــثَّلـــْتِ شـــتَّى جـــســـومٍ وكــم — تــــجــــدَّدْت فــــي صُــــوَرٍ بــــائدهْ

نــعــم أنــت هــنَّ نــعــم مــا أرى — أرى الكـــلَّ فـــي امــرأةٍ واحــدهْ

لقــد فــنــيَــتْ فــيــك أرواحــهــن — وهـــا أنـــتِ أيــتــهــا الخــالدهْ

لقــد كــنــتِ وحْــي رَخــامٍ يــصــاغُ — فـأصـبـحـتِ لحـمـاً يـثـيـر الدمـاءْ

وكـــنـــتُ فــتــىً ســاذجــاً لا أرى — ســوى دمــيــةٍ صــوِّرت مــن نــقــاءْ

أُنـــيـــلُ الثــرى قَــدَمــيْ عــابــرٍ — يــعــيــش بــأحـلامِه فـي السـمـاءْ

فــأصــبــحـتُ شـيـئاً كـكـل الرجـال — وأصــبــحــتِ شـيـئاً كـكـل النـسـاءْ

وكـــنـــتِ أمـــيـــرة هــذي الدُّمــى — وصــورةَ حُــســنٍ عــزيــز المــنــالْ

وكـــنـــتِ نــمــوذجَ فــنِّ الجــمــالِ — أحــــبُّكــــِ للفــــنِّ لا للجـــمـــالْ

أرى فــيــكِ مــا لا تــحـدُّ النّهـى — كــأنــكِ مــعــنــىً وراء الخــيــالْ

فـــجـــرَّدْتِـــنـــي رجــلاً أشــتــهــي — وجــرَّدتُ أنــثــى تــشــهَّى الرجــالْ

دعـــيـــنــي حــواءُ أو فــابــعــدي — دعــيــنــي إلى غــايــتــي أنـطـلِقْ

أخـــمـــرٌ ونـــار لقـــد ضــاق بــي — كِـــيـــانــي وأوشِــكُ أن أخــتــنِــقْ

أرى مـــا أرى لهـــبــاً بــل أشــمُّ — رائحـــةَ الجـــســـد المـــحـــتـــرقْ

فـــيـــا لكِ أفــعــى تــشــهَّيــتُهــا — ويــــا ليَ مـــن أُفـــعـــوانٍ نـــزقْ

كــفــانــا فـقـد جُـنَّ هـذا الفـتـى — وجـــاوز حـــدَّ الكــلام المــبــاحْ

نــكــاد نُــحِــسُّ اخـتـلاجَ النـجـوم — ونــســمــع مُـضْـطـربـاً فـي الريـاحْ

مـــريـــضُ الغـــريـــزةِ فــتَّاــكُهــا — حَــبَــتْهُ الطــبـيـعـةُ أمـضَـى سـلاحْ

سَــقَــتْهُ الشــيــاطـيـنُ يـحـمـومَهـا — فـــمـــجَّ الرحــيــقَ وذمَّ الصــبــاحْ

تـــأثَّمـــ بـــالفـــنِّ حـــتـــى غــوَى — ومــا الفــنُّ بـالمـرأةِ الخـاطـئهْ

هــو الدمُ واللحــمُ مــا يـشـتـهـي — هــو الخـمـرُ والمـتـعـةُ الطـارئهْ

وكـم فـي الرجـالِ سُـعَـارُ الوحـوش — إذا لمــســوا الجُــثَّةــَ الدافــئهْ

فــلا تــذكــري فــنَّ هــذا الفـتـى — بـــل الحـــيــوانــيــةَ الخــاســئهْ

رأى جـــســـمَ حـــواءَ فـــاشــتــاقَه — فــهــاجـتْ بـه النـزوة المُـسْـكِـرَهْ

سَــبــى روحَهـا فـاشـتـهـى جـسـمَهـا — فـــثـــارتْ بــعــزّةِ مــســتــكــبــرَهْ

سَــمَــا جــســمُهــا وتــأبَّى عــليــه — فــجــرَّدَ فــي وجــهــهــا خِــنــجــرَهْ

وهـــمَّ بـــهـــا فـــالتــوى قــصــدهُ — فـــأرســـل صــيــحــتَه المُــنــكــرَهْ

ألمْ يَــنــسِـمِ الخُـلدَ مـن عـطـرهـا — ألمْ يــعْــبـدِ الحـسـنَ فـي زهـرِهـا

ألم يــقــبـسِ النـورَ مـن فـجـرهـا — ألم يــســرقِ الفــنَّ مــن ســحـرِهـا

شــفَــتْ غُــلّةَ الفــنِّ حــتـى ارتـوى — وإن دنَّســـَ الفـــنُّ مــن طــهــرِهــا

وهـــامَـــتْ عـــلى ظـــمـــأٍ روحُهـــا — وكــم مـلأوا الكـأسَ مـن خـمـرِهـا

عــلى مَــذْبَــحِ الحــب مـن قـلبـهـا — سِــــراجٌ يُــــســــبِّحــــ مَــــنْ لألأه

مـــنـــارٌ يــجــوبُ الدجــى لمــحــهُ — فــتــلقــى الســفــيـنُ بـه مـرفـأه

يــبــثُّ الحــرارةَ بَــرْدَ الشــتــاءِ — ويُـــلهـــبُ شُــعــلتــه المــطــفــأه

وتــمــشــي الحــيــاةُ عــلى نــورِهِ — ومــا نــورُهُ غــيــرُ عــيـنِ امـرأه

خــطــيــئتُهــا قِــصَّةــُ المـلهـمـيـن — وإغــراؤهــا الفــرَحُ المــفــتـقَـدْ

بــأرواحــهــم يَــرتــقـون الخـلودَ — عــلى سُــلَّمٍ مــن مــتــاع الجــســدْ

ولو لم تــــكـــن لهـــوى فـــنّهـــم — صــريــعَ الظــلام قــتـيـلَ الجـمَـدْ

ومــا الفـنُّ إلَّا سـعـيـرُ الحـيـاةِ — وثــورتُهــا فــي مــحــيــط الأبــدْ

لهــــيــــبٌ إذا الرُّوحُ مـــرَّتْ بـــهِ — تـــضـــاعـــفـــتِ الرُّوحُ فــي نــارهِ

يُـــطـــيـــقُ القـــويُّ لظــى جَــمْــرِهِ — ويــعــشــو الضــعــيــفُ بــأنــوارهِ

رَمَـــتْ فـــيـــهِ حـــواءُ آثــامــهــا — فـــذابـــتْ عـــلى صُـــمِّ أحـــجـــارهِ

لقـــد قـــرَّبَـــتْ جَـــســداً عــاريــاً — وقــــلبــــاً يَــــضِــــنُّ بـــأســـرارهِ

أمــن صَـنْـعَـةِ اللّه هـذا الجـمـالْ — نــعــم ومــن الفـنِّ هـذا المـثـالْ

عـــلى مَـــعْـــرِضٍ مـــرمــري الدُّمــى — تــــرامــــى أشــــعـــتُه والظـــلالْ

تـــمـــاثــيــلُ مــن جــســدٍ فــاتــنٍ — تـــأبَّى عـــلى شـــهـــواتِ الرجــالْ

حَــبَــتــهُ الطــبــيــعــةُ أسـرارَهـا — ولاقـى الحـقـيـقـةَ فـيـهِ الخـيالْ

لقــد أخــذَتْــنــا شـجـونُ الحـديـث — وكـم فـي حـديـث الفـتـى من شجونْ

سَــمَــرنــا بــهِ وجــهــلنَــا اســمَهُ — ومــا حــظُّهــ مــن رفـيـعِ الفـنـونْ

أمِـــنْ ربَّةـــِ الشـــعـــر إلهــامــهُ — أم الوتــرِ الأُرفُــســيِّ الحــنــونْ

أم المــرمــرِ الغــضِّ يــجــلو بــهِ — رفــيــفَ الشــفـاهِ ولمْـحَ العـيـونْ

هــي وحــيــهُ مـن سـمـاءِ الأُولمـبِ — وآلهــةِ الحــكــمــة الغــابــريــنْ

فــمــا هــو بــالمــلَكِ المـسـتـعـزِّ — ولكــــنَّهــــُ الآدمــــيُّ المَهـــيـــنْ

ومــا الآدمــيــة بــنــتُ السَّمــاءِ — ولكـــنَّهـــا بـــنـــتُ مــاءٍ وطــيــنْ

يــريــدُ لهـا الفـنُّ أفـقَ النُّجـوم — فــيُــقْــعِــدُهـا جـسـمُ عـبـدٍ سـجـيـنْ

ومــــا فــــنُّهــــُ مـــا أراهُ ســـوى — أداةِ مــــطــــامــــعِه الواســـعـــهْ

غــداً يــســتَــغــلُّ غــرامَ الحـسـانِ — ســبــيــلاً إلى الشُّهـرةِ الذائعـهْ

يـــصـــيـــبُ بـــهـــنَّ خُـــلودَ اســمِهِ — وهـــنَّ قـــرابـــيـــنُهُ الضـــائعـــهْ

تــمـنَّيـْتُ لو أطـلقَـتـنـا السـمـاءُ — ويــا حَــبــذا لو بُــعِــثــنـا مَـعَه

ألا حــبــذا الأرضُ مــغــدىً لنــا — وإن بــشَّرَتــهــا المــنـايـا بـنَـا

ومـا الأرضُ بـالمـنـزلِ المسْتَطابِ — ولكــــنَّهــــُ ثــــأرُ أتــــرابـــنَـــا

لنـــشـــربَ مــنْ دمِ هــذا الفــتــى — مُــصــفَّى الرحــيــقِ بــأكــوابــنَــا

ونــجــعــلَ مــن حـشـرجـاتِ الرجـال — تـــحـــيَّةـــَ شـــادٍ لأنـــخـــابــنَــا

ونــســلُبُ مــا رزِقُــوا مــن حــجــىً — ونــهــدمُ مــا رفــعـوا مـن قِـبـابْ

ونــبــنــي لهــم نُــصُــبــاً خــالداً — يـكـون عـلى الدَّهـرِ رمـزَ العـقابْ

تـــطـــوف بـــه لَعَـــنــاتُ السَّمــاءِ — وتــــرصُــــدُهُ مُــــثُـــلاتُ العـــذابْ

ولكــن أرى غــيــرَ مــا قــلتُــمــا — وما الغدر في الرأي كلُّ الصوابْ

إذا خَـــلَتِ الأرضُ مـــن طــيــرهــم — فـمـن ذا يُـحـيّـي الجـمالَ القسيمْ

ومـــن يُـــطــلِقُ الحــبَّ مــن وكــرِهِ — عــلى خــطَــراتِ الغـنـاءِ الرَّخـيـمْ

وفـــيـــمَ نُــرَقِّشــُ هــذا الجــنــاحَ — ونــصــقــلُه بــبــنــانِ النــعــيــمْ

طــيــورَ الســمــاء حَـذَارِ الوقـوعَ — عــلى حَـطـبٍ فـي الثَّرى أو هـشـيـمْ

أيــغــريــكِ بــالحــبِّ سُـودُ اللِّحـى — غِــلاظُ الشِّفــاهِ العــراضُ الطِّوالْ

كـــأنَّ الهـــوى صُــنْــعُ أيــديــهــمُ — فــمــن غــيــرهـم كـلُّ عـيـشٍ مُـحَـالْ

إذا شــــئتِ كــــان لنــــا عــــالَمٌ — يــحــوط الأنــوثـةَ فـيـهِ الجـلالْ

حَـــمـــتْ رِقَّةـــَ الجـــنـــسِ ربَّاـــتُهُ — فـــليـــس بــهــا حــاجــةٌ للرجــالْ

لكـــلِّ اثـــنـــتـــيــنِ هَــوىً واحــدٌ — تــلاقَــى عــلى ســرِّهِ مــهــجــتــانْ

وعُــشّ يــضــمــهــمــا فــي المـسـاءِ — وروضٌ بــه فــي الضُّحــَى يـعـبـثـانْ

وفـــي ركـــنِ خـــدْرهـــمــا مِــغْــزَلٌ — وفــوقَ الأريــكــةِ قــيــثــارتــانْ

وتـــحـــت الوســـادة أقـــصـــوصـــةٌ — لقــلبــيــن لم يَــروِهـا عـاشـقـانْ

مــاذا تُــرى صَــنَــعَ العــاشــقــان — ومـا ذكـريـاتُ الليـالي الحـسـانْ

حـــديـــثُــكِ إنْ لم يــكــنْ بــدْعــةً — فــحُــلمٌ جَــرَى فـي قـديـمِ الزمـانْ

وصــيــحــةُ مُــخــفــقــةٍ فـي الهـوى — مُــعَــربـدةِ الرُّوحِ سـكـرَى اللسـانْ

الأنـــــوثـــــةَ هـــــذا الهـــــوانْ — وفـيـهـا الدهـاءُ القـويُّ الجـنانْ

لنـا الكـيـدُ إن خـذلَتـنـا القُوى — أحـــابـــيــلُ شــتــى وفــنٌّ عــجــابْ

نُـــلقَّاـــهُ عــن مَــلكــاتِ الزَّمــانِ — أقــاصـيـصَ لم يـروِ عـنـهـا كـتـابْ

وقــد نـسـتـعـيـرُ صـفـاءَ النـمـيـر — وقــد نــســتــمــدُّ صــراعَ العـبـابْ

وقـد نـسـحـبُ الليـلَ فـوق القلوب — ونــغـري العـيـون بـقـوسِ السَّحـابْ

نــســاقِــطُهــم مــن غَــوايــاتــنــا — أزاهــرَ تَــنــدى بــمــاء الشـبـابْ

إذا لألأتْ فـــوق مـــوج الشُّعــور — أثــــارتْ بـــهـــم ظـــمـــأً للسَّرابْ

بـألوانِهـا الحـمـر جَـمْـرُ الغـضـا — وفــي نــفــحِهــا لفَــحَـاتُ العـذابْ

هـــو الفـــنُّ لا تـــرتـــوي روحــهُ — بــأشــهـى مـن الأرجـوانِ المـذابْ

هـو الحـسـنُ فـتَّاـنُـنـا العـبـقـريُّ — هــو الحــبُّ ســلطــانـنـا القـاهـرُ

مــمــثــلهــمْ لُعْــبــةٌ فــي يــديــهِ — ومــــثَّاـــلهـــم إصـــبَـــعٌ فـــاجـــرُ

وألحــانــهـم مـن فـحـيـح العـروقِ — يُـــصَـــعِّدُهـــا الوتـــرُ الســـاخـــرُ

ورسَّاـــمـــهـــم صَـــنَـــمٌ مُـــبْـــصِـــرٌ — فـــإنْ جُـــمِــعــوا فَهُــمُ الشَّاــعــرُ

قــــلوبٌ مُــــدلَّهـــةٌ بـــالجـــمـــالِ — تـرى فـيـه مـعـبـودَهـا المُـلْهَـمـا

هـــو الرجـــلُ القــلبُ لا غــيــرُهُ — فــأودِعْــنَهُ القــبــسَ المــضــرَمــا

أنِــمْــنَ بــه الشَّرسَ المــســتــخــفَّ — وأيـقِـظـنَ فـيـهِ الفـتـى المـغرَما

اقــــتــــحــــمــــتــــنَّ الســــيــــاجَ — فــقــد خــضـعَ الكـونُ واسـتـسـلمـا

ولكــــنْ حَــــذارِ فــــفــــي طـــبـــعٌ — لِيــــانٌ يـــســـمُّونَهُ بـــالوداعـــهْ

وفـــيـــهـــم جـــراءةُ مــســتــأســدٍ — تـحـدَّى المـنـيـةَ بـاسـمِ الشـجاعهْ

وهِــــمْـــتِ فـــذلك هَـــزْلُ الرجـــال — وفــنٌّ أجــزنــا عــليــهــم خـداعـهْ

نـــذيـــبُ بــهِ صُــلْبَ أعــصــابــهــم — وفــي رِقَّةـِ العـود سِـرُّ المـنـاعـهْ

أطــلْنــا الأحــاديــثَ عــن عــالَمٍ — مُــــلَثَّمــــةٍ أرضُهُ بــــالخــــفــــاءْ

جــعــلنــاهُ مَــطــمَــحَ أحــلامــنــا — كـأنَّاـ شَـقِـيـنـا بِـسُـكـنـى السَّماءْ

طَـــوانـــا عـــلى حُـــبِّهـــِ شـــاعــرٌ — كــثـيـرُ المـجـانـة نَـزْرُ الحـيـاءْ

أثـــارَ المـــلائكَ فـــي قُـــدسِهــا — وأوقــعَ فــي ســحــرهِ الأبــريــاءْ

عَــجِــبْــتُ له كــيـف جـاز السـمـاءَ — وغــــرَّر بــــالمــــلإِ الطــــاهــــرِ

أيــمــرحُ فــي الكــونِ شــيــطــانُهُ — بـــــــلا وازعٍ وبـــــــلا زاجــــــرِ

دَعــي الوهـمَ سـافـو ولا تـحـقِـري — بــليــتــيــس مــعــجــزةَ الشــاعــرِ

فـــمـــا نــتَّقــِيــهِ بــحــيَّاــتــنــا — إذا هــو ألقــى عــصــا الســاحــرِ

بــليــتـيـس هـل هـو ذاكَ الخـيـال — المُــجـنَّحـُ بـيـن حـواشـي الغـيـومْ

عـــشـــيـــةَ صـــاح بـــأتـــرابــنــا — وقـــد أخـــطــأتْه قِــسِــيُّ الرُّجــومْ

وقــــيــــلَ لنــــا مَــــلَكٌ عـــاشِـــقٌ — يُــســرّي الهـمـومَ بـبـنـتِ الكـرومْ

يـجـوبُ السـمـاءَ إذا مـا انـتـشـى — يُــعــربــدُ بــيــن خــدورِ النـجـومِ

أعــاجــيــبُ شــتَّى لهــذا الفــتــى — وأعــجــبُ مــنــهـا الذي تـذكـريـنْ

كــــأنَّ أحـــاديـــثَه بـــيـــنـــنـــا — أســـاطـــيـــرُ آلهـــةٍ غـــابـــريــنْ

إذا كـــان للفـــنِّ هــذا الصِّيــالُ — فــوارحــمــتَـا للجـمـال الغـبـيـنْ

ودَدْتُ لو أنِّيــــــ فــــــي إثــــــرِهِ — درجـتُ عـلى الأرض فـي الدارجـينْ

أتُــغــويــن بــالشــعــر شــيـطـانَه — خـــيـــاليـــةٌ أنـــتِ أم شـــاعـــرهْ

بــل الشــعــرُ آســرُهُ المــســتـبـدُّ — فـــيـــا ليـــتَ لي روحَه الآســـرهْ

ويــا ليــتَ لي وثــبــاتِ الخـيـالِ — وقـــــوةَ أربـــــابِه القــــاهــــرهْ

لصـــيَّرتُهُ مُـــثــلَةً فــي الحــيــاةِ — وسُــخــريــةَ البــعــثِ فـي الآخـرهْ

صــفــي لي بِـليـتـيـسُ هـذا الأمـلْ — ومــاذا ابــتــدعــتِ له مــن حِـيَـلْ

أُدلِّهُ هــذا الفــتــى بــالجــمــالِ — وأُســـمِـــعُه مـــن رقـــيــق الغــزَلْ

وأورثــــه جُــــنَّةـــً بـــالرحـــيـــقِ — وأحــــرِمــــهُ رَشـــفَـــاتِ القُـــبَـــلْ

إلى أنْ تُــــحــــرَقَ أعــــصــــابــــهُ — ويـــصـــرَعـــه طـــائفٌ مـــن خَـــبَــلْ

وأحـــفـــرُ بـــعـــد الردى قــبــرَه — هـــنـــاك عـــلى قـــمَّةــِ الهــاويَهْ

وأغــــرس فــــي قــــلبــــهِ زهــــرةً — مــــن الشــــرِّ راويــــةً نـــامـــيَهْ

سَـــقَـــتْهــا ســمــومُ شــرايــيــنــه — ورفَّتـــْ بـــهــا روحــهُ العــاتــيَهْ

تـــخـــفُّ إليــهــا قــلوبُ الرجــال — وتـــرجـــع بــالشــوكــةِ الدامــيَهْ

إذا جـــنّهـــا الليــلُ لاحــتْ بــه — كــعــيــنٍ مــن اللهــبِ المــضـطـرمْ

تــثــور الشـيـاطـيـنُ مـن عـطـرهـا — كــمــجــمــرة الســاحـر المـلتـثـمْ

إذا اسـتـافَهـا الرَّجـلُ العـبـقريُّ — تـــحـــوَّل كـــالحـــيـــوان الوخِـــمْ

تـــضُـــجُّ البـــلاهـــة مـــن حـــولهِ — ويــنــظــر كــالصــنَّمــِ المـبـتـسـمْ

هَــبــي الشــعـرَ أولاكِ مـن مُـلكـه — ســـمـــاءَ الأُلوهــةِ ذات البــروجْ

ونــصَّ المــعــانــيَ عــن جـانـبـيـكِ — فــمــنـهـا السُّرَى وإليـكِ العـروجْ

فــمـا تـصـنـعـيـنَ إذا مـا بُـعِـثْـتِ — واحــــدةً مـــن بـــنـــاتِ الزُّنـــوجْ

ألم تـــقـــرأي قِــصَّةــَ الســامــريِّ — ومــا صَـنَـعَ القـومُ بـعـد الخـروجْ

نَـبـا مـنـطـقُ الوحـيِ فـي سـمـعـهم — وخـــفَّ عـــليـــهِ رنـــيـــنُ الطـــربْ

ومـــدُّوا العـــيــونَ إلى فــتــنــةٍ — تــــجـــسَّد فـــي حـــيـــوانٍ عَـــجَـــبْ

تــــرامــــى بـــأحـــضـــانِه غـــادةٌ — أفــادَ صِــبــاهــا شــبــوبَ اللهــبْ

جـــنـــونُ الحـــيـــاةِ وأهــواؤهــا — أنـــوثـــتُهـــا وبـــريـــقُ الذَّهـــبْ

فـأيـنَ مـن القـومِ سـحـرُ البـيـانِ — وصــيْــحــةُ مــوسـى قُـبَـيـل الوداعْ

هُـمُ النـاسُ لا يـعـشـقـون الخيالَ — إذا لم يــكــنْ حــافــزاً للطـمـاعْ

هُـمُ النـاسُ لا يـعـبـدون الجـمالَ — إذا لم يـــكـــنْ نُهــزةً للمــتــاعْ

هُـمُ النـاسُ لا يـألفـون الحـيـاةَ — إذا لم تــكــنْ مَــعــرِضـاً للخـداعْ

تــمــاثــيــلُهُ بــعــضُ أجــســامِـنـا — وقـد صـاغَهـا العـبـقـريُّ الصّـنـاعْ

ولوحــــاتُهُ صُــــوَرُ العــــاريــــاتِ — إذا مَــزَّقَ الفـنُّ عـنـهـا القِـنـاعْ

أبــالشِّعــرِ تُـغْـويـنَ هـذا الفـتـى — وهــــمْــــتِ إذن وجَهـــلتِ الطِّبـــاعْ

أليــــســـتْ لهُ صَـــبْـــوَةُ الآدمـــيِّ — وشــهــوةُ تــلك الذئابِ الجِــيــاعْ

رَجــعْــتُ لنــفــســي فــلا تـغْـضـبـا — وكُــفَّاــ العــتــابَ ولا تُــسْهِــبــا

لقــد رُعــتـمـانِـي بـهـذا المـزاح — وأبـــدَعْـــتــمــا نــبــأً مُــغــرِبــا

سَــــرَتْ بــــيَ مــــن ذكـــره رِعـــدةٌ — كــأنــي لبِــســتُ بــه الغَــيْهــبــا

أتـايـيـسُ لا كـنـتُ بـنـت الزنـوجِ — ولا شِــمْــتُ أُمَّاــ بــهــم أو أبــا

وصــمْــتِ الخــليــقـة فـي بـعـثـهـم — كـــأنـــهـــم الحـــدَثُ المـــنـــكــرُ

ومـــا أخـــطـــأ الطـــيــفُ ألوانَه — ولكــــنــــهُ اللهَــــبُ الأحــــمــــرُ

أبـــوهـــم كـــمـــا زعـــمـــوا آدمٌ — وحـــــواءُ أُمُّهـــــمُ المُــــعْــــصِــــرُ

لهــم أعــيــنٌ تــتــمــلَّى الجـمـالَ — وأفــــئدةٌ بــــالهـــوى تـــشـــعـــرُ

لهــم نـارُهـم فـي أقـاصـي الدُّجـى — وأبــيـاتُهـم فـي أعـالي الكـهـوفْ

وســحــرُ الطــبــيـعـةِ فـي عُـرْيـهـا — إذا هـتَـكَ الفـجـرُ عـنـها الشُّفوفْ

ونــايٌ يُــقــسِّمــُ فــيــهِ الربــيــعُ — ويــسـكـبُ شَـجْـوَ المـسـاءِ الهـتـوفْ

ورقـــصٌ يُـــمــثِّلــُ قــلبَ الحــيــاةِ — إذا مـا اسـتُـخِـفَّ بـنـقـرِ الدفـوفْ

تــــفـــرَّدَ فـــنُّهـــُمُ بـــالخـــفـــاء — وصِـــيـــغَ بـــفـــطــرتــهــم واتَّســمْ

يـــعـــيــشُ جــديــداً بــأرواحــهــم — وإن عــاش فــيــهــم بـروح القِـدَمْ

له بــــأسُ مــــانــــا وإيـــحـــاؤه — إذا اضـــطـــربــتْ رُوحــهُ بــالألمْ

ورِقَّةــــ هــــاوايَ فــــي شـــدْوهـــا — إذا جـــاشَ خـــاطــرُهــا بــالنَّغــمْ

ألا فـــلْيَـــكُــنْ لكِ مــن فــنــهــم — ســمــوُّ اللظــى وعــتــوُّ الجــبــالْ

ألا فــلْيــكُــنْ لكِ مــن ســحــرهــم — فــنــونٌ تُــعــطِّلــُ ســحــرَ الخـيـالْ

ألا فـــليـــكــنْ لكِ مــن نــارهــم — وشــــاحُ مــــؤلَّهـــةٍ بـــالجـــمـــالْ

إلى الأرضِ فــانـتـقـمـي للنـسـاءِ — وكــونــي بــهــا مــحــنـةً للرجـالْ

ســـلامٌ لكُـــنَّ عـــذارى الســـمــاء — ســــلامٌ لهــــرمـــيـــس روحِ الإلهْ

أرى ومْـــضَـــةَ الشــرِّ فــي جــوِّكــنَّ — وأســـمـــعُ صـــوتـــاً كــأنِّيــ أراهْ

يــلاحــقــنــي فـي رحـابِ السـمـاءِ — ويـــرتـــجُّ فــي مِــســمــعــيَّ صــداهْ

لقــد فــارقَ البـشـرُ غُـرَّ الوجـوهِ — وشــاعَ الذبــولُ بــوردِ الشــفــاهْ

أجــل أيــهــا المــلَك المـجـتـبـى — صـدقـنـاكَ فـاغـفـر عـذابَ الضـميرْ

لقــد مــرَّ كــالطـيـرِ مـن قـربـنـا — فــتــىً فــي رعــايــة ربٍّ خــطــيــرْ

رآنــــا فــــأعــــرض عــــنَّاــــ ولمْ — يُــحَــيــيِّ الســمــاءَ بــروحٍ قـريـرْ

تـــخـــايــلَ عُــجــبــاً بــأوهــامــه — وأمــعــن فــي شــرِّه المــسـتـطـيـرْ

ظــلمــتــنَّ هـذا الغـلامَ البـريـء — وقــد غــضَّ مــن نــاظــريـهِ الحـذَرْ

أهَـــلَّ بـــقـــلبٍ كـــفــرخِ القَــطــا — يـــرفـــرفُ تــحــتَ جــنــاحِ القــدَرْ

رَآكــــنَّ فــــيــــهِ وحــــيَّاــــ بــــهِ — فــــلم أدْرِ حــــاجــــتَه للنـــظـــرْ

وكـــيـــف تـــكـــلَّم قــلبُ الفــتــى — ومـــا هـــو إلا ســليــلُ البــشــرْ

هُــــوَ ابــــنُ الســــمـــاءِ ولكـــنَّهُ — مــن النــقـصِ تـركـيـبُه والتـمـامْ

صَــنَــاعُ الطــبــيـعـةِ بـل صُـنْـعُهـا — فـــمـــنــهــا دَمــامــتُه والوَســامْ

يُــسِــفُّ إلى حــيــث لا يــنــتــهــي — ويـــســـمــو إلى قــمــةٍ لا تُــرَامْ

ويُــــسْــــقَــــى بـــكـــأسٍ إلهـــيـــةٍ — مُـــرَنـــقـــةٍ بـــالهــوى والأثــامْ

نــقــيــضــانِ شــتَّى فـمـا يـسـتـقـرُّ — عــلى غَــضَــبٍ مــنــهــمـا أو رضـاء

تــــحــــدَّى الحــــيـــاةَ وآلامَهـــا — بــبــأسِ الجــبــابــرة الأعـليـاء

يـــزيـــدُ عُـــتُـــوّاً عــلى نــارهــا — ويـــلمـــعُ جـــوهـــرهُ مِــنْ صَــفــاء

ويـــنـــشـــقُّ عـــن نَـــضـــرةٍ قــلبُه — وإنْ طَـــمَـــرَتــهُ ثــلوجُ الشــتــاء

هــو المـرِحُ الشـاردُ المـسـتـهـامُ — شُــرودَ الفــراشــةِ عـنـد المـسـاء

حَـــبَـــتــهُ الألوهــةُ روحــاً يَــرَى — ويــنــطِـقُ عـنـهـا بـوحـي السـمـاء

يـــحُـــسُّ الخــيــالَ إذا مــا سَــرَى — ويــلمـسُ مـا فـي ضـمـيـرِ الخـفـاء

ويــبــتــدرُ النــجــمَ فــي أفــقــه — فـــيـــرشُــفُهُ قــطــرةً مــن ضِــيــاء

أرتـــهُ الســـمــاءُ أعــاجــيــبَهــا — ورَوَّتـــهُ مـــن كـــلِّ فـــنٍّ بـــديـــعْ

فـــضـــنَّ بــلألاءِ هــذا الجــمــالِ — وخــافَ عــلى كــنــزِهِ أن يــضــيــعْ

أبــــى أن يُــــبــــدّدَهُ نـــاظـــراهُ — فــأطـبـقَ جـفـنـيـهِ مـا يـسـتـطـيـعْ

فـــإن شـــارفَ الأرضَ نـــادتْ بـــهِ — فــفَــتَّحــَ عـيـنـاً كـعـيـنِ الرَّبـيـعْ

هــنــالكَ حــيــث تَــشــبّ الحــيــاةُ — وحــيــث الوجــودُ جــنــيـنُ العَـدَمْ

وحـــيـــثُ الطـــبـــيــعــةُ جــبَّاــرةٌ — تــشــقُّ الوهــادَ وتــبـنـي القِـمَـمْ

وحــيــثُ السـعـادة بـنـتُ الخـيـالِ — ولذَّتـــهـــا مــن مــعــانــي الألمْ

وحــيـث الطـريـدانِ شـجَّاـ الكـؤوسَ — ومَـــجَّاـــ صُــبَــابــتَهــا مــن قِــدَمْ

رَنَــا والطــبــيــعــةُ فـي حَـلِيـهـا — وحــــواءُ عــــاريــــةٌ كــــالصَّنــــمْ

فــــمـــن أيـــن ســـارَ وأنَّى ســـرَى — تـــصَـــدَّتـــهُ مـــقــبــلَةٌ مــن أمَــمْ

هـــــنـــــالكَ أولُ قــــلبٍ هــــفــــا — وأولُ صـــــوتٍ شـــــدا بــــالنَّغــــَمْ

وأولُ أنـــــــــمُـــــــــلةٍ صــــــــوَّرَتْ — وخَــطَّتــْ عـلى اللوحِ قـبـل القَـلمْ

فــــمــــا لكِ حــــواءُ أغــــويــــتِهِ — وأعــــقــــبــــتِهِ حَـــسَـــراتِ النَّدَمْ

لقــد كــان راعــيَــكِ المــجــتَـبـى — فـــأصـــبـــحَ رامـــيَـــكِ المـــتَّهــمْ

ولولاكِ مـــــا ذرفـــــتْ عــــيــــنُهُ — ولا شـــامَ بـــارقــةً فــابــتــسَــمْ

وعــــاشَ كــــمــــا كــــانَ آبــــاؤه — يُــغـنِّيـ النـجـومَ ويـرعَـى الغـنـمْ

لأجــلكِ يَــشــقــى بـلمـحِ العـيـونِ — ويُــصــرعُ بــالنــظــرةِ العــابــرهْ

لَوَدَّ إلى الأرضِ لو لم يُـــــصِـــــخْ — أو ارتــدَّ بــالمــقــلةِ الحـاسـرهْ

وكــم مــن فــتــىً عــزَّهــا ســمــعُهُ — وغـــــضَّ عـــــلى حَــــذَرٍ نــــاظــــرهْ

عــصــاهــا فــنـادت فـلم يـسـتـمـعْ — فـــحـــلَّت بــه لعــنــةُ الفــاجــرهْ

له مـــقـــلتـــانِ عـــلى مــا وعَــى — مــن الألَق الطُّهــْر مــخـتـومـتـانْ

فــفــي عــقــلهِ حــركــاتُ الزَّمــان — مــــصــــورةً وحــــدود المــــكــــانْ

وفــــي قــــلبــــهِ أعــــيـــنٌ ثَـــرَّةٌ — بـهـا النـارُ طـاغـيـة العـنـفوانْ

وفــــي كــــلِّ خــــاطــــرة نَـــيْـــزَكٌ — يـــشـــقُّ ســنــاهُ حــجــابَ الزمــانْ

إذا مــا هــوتْ ورقــاتُ الخــريــفِ — أحــــسَّ لهــــا وَخَــــزَاتِ السَّنــــانْ

وإن سَــــكَــــبَـــتْ زهـــرةٌ دمـــعـــةً — فــمــن قــلبـه انـحـدرتْ دمـعـتـانْ

ومـــن عَـــجَـــبٍ شَـــدْوُهُ للربـــيـــع — وقـد يـخـطـىءُ الطيرُ شدوَ الأوانْ

وقــيــثــارةُ الرِّيــح مــا لحـنُهـا — سـوى الريـح فـي جـفـوةٍ أو حـنانْ

عـــوالمُ جَـــيّـــاشـــةٌ بـــالمـــنــى — ودنــيــا بــأهــوائهــا تــضــطــربْ

مــــن اللاَّنـــهـــايـــة ألوانُهـــا — مــشــعــشـعـةٌ بـالنـدى المـنـسـكـبْ

فـفـيـهـا الصـبـاحُ وفيها المساءُ — وبــيــنــهــمــا الشَّفـَق المـلتـهـبْ

تــطــوف بــهــا صَــدَحــاتُ الطــروب — وتــســهــو بــهــا أنَّةـُ المـكـتـئبْ

لكَ الحــبُّ فــيــمــا أتــاحـتْ لنـا — ســريــرتُــكَ السَّمــحَــةُ الطــاهــره

ومــن مَــلَكٍ مــثــلُ هــذا الحـديـث — طُــمــأنــيــنــةُ المــهـجِ الحـائره

عَــطــفْــتَ عــلى قـلبِ هـذا الفـتـى — قـــلوبـــاً عـــلى فَـــنِّهـــِ ثـــائره

وصــــوَّرتـــهُ مَـــلَكـــاً نـــاقـــمـــاً — عــــلى آدمــــيــــتــــهِ الجــــائره

أجــــل هــــو ذاكَ ولو زدتــــكــــنَّ — لزدتُــــنَّ عــــطـــفـــاً عـــلى فـــنِّهِ

ومــا ذنــبُ روحٍ نَــمَــتْهُ السـمـاءُ — إذا ضــجَّ فــي الأرضِ مــن سِــجـنـهِ

تَــعــلَّقَ مــهــواهُ فــوق النــجــوم — وحَـــــوَّمَ وَهْـــــنــــاً عــــلى كِــــنِّهِ

ليــــنـــعـــمَ فـــي ظِـــلِّهِ لحـــظـــةً — ويــمــلأَ عــيــنــيــهِ مــن حــسـنـهِ

لهُ ولَعٌ بـــــخـــــدورِ النــــجــــومِ — إذا مـــا تـــخـــلَّصَ مـــن طــيــفــهِ

ويــا رُبَّ ليــلٍ كــوادي الخــيــال — دَعَــتْهُ الحــقــيــقــةُ مــن جــوفــهِ

فـــســـار يَـــضـــمُّ صــدورَ الرّبــاب — ويــســتــضــحــكُ النُّورَ فــي سُـدْفـهِ

وغــاب كــأعــجــوبــةٍ فــي الدُّجــى — تــحــارُ الأســاطــيــرُ فــي وصـفـهِ

عــلى الأرضِ شــيــطــانُهُ الحــائمُ — وفــي الكــون وجــدانــه السـاهـمُ

مـضـى سـابـحـاً فـي عـبـابِ الأثير — كــمــا يــســبــحُ النــظـرُ الحـالمُ

يـــدورُ فـــلا أفـــقٌ يـــنـــتـــهــي — إليـــــه ولا كـــــوكـــــبٌ هـــــائمُ

وحـــيـــثُ هــو الآن فــيــمــن أرى — هــــنــــاكَ عــــلى سِــــرّهِ جـــاثـــمُ

هـــنـــاك هـــنـــاك كـــأنّـــي أراه — نـعـم خـلف هـذا الغـمـام الرقيق

إذا مـــا عـــطــفــتــنَّ نــاديــتــهُ — عــســى الآن مـن روْعِه أن يُـفـيـقْ

ألا أيُّهــا الروحُ مــنـي السـلامُ — وأنـــتَ بـــحــبِّ العــذارى خــليــقْ

عــــرائسُ أحــــلامِـــكَ المـــائلاتُ — ومـــا أنـــا إلَّا مَـــلاكٌ صـــديــقْ

لقــد طَــلعَ الفــجــرُ يــا شـاعـري — وكــادتْ تــزولُ نــجــومُ الصــبــاحْ

وحـــان الرواحُ فـــودِّعْ خـــبـــاءَكَ — وادنُ أحــــدِّثــــكَ قـــبـــل الرواحْ

أتـــهـــتــف بــي أنــتَ أم هُــنَّ أمْ — نـذيـرُ الردى والقـضـاءُ المـتـاحْ

تـــراك ســـمـــعـــتَ أحــاديــثــنــا — لقـــد نـــقَــلَتــهــا إليّ الريــاح

عــجــبــتُ لحــوريَّةــٍ فــي السـمـاء — ويــأخــذ أهــلَ الســمــاء العـجـبْ

أتـــحـــلمُ بـــالأرضِ مـــخـــمـــورةً — مـــن الدمِ راقـــصــةً فــي اللهــبْ

وتُــغــري بــيَ المـوتَ لا جـانـيـاً — ولكـــنـــهـــا ثـــورةٌ مـــن غـــضــبْ

بــــرئتُ مـــن الإثـــمِ حـــوريَّتـــي — فـــرُدِّي الظـــنــونَ وخــلِّي الريــبْ

أأبــــغــــض حــــواءَ وهـــي التـــي — عــرفــتُ الحــنــانَ لهــا والرِّضــى

وبــــــاعَ بــــــهـــــا آدمٌ خُـــــلدَهُ — ولو لم يَــكُــنْ لتــمــنَّى القــضــا

ورِثــتُ هــواهــا فــرُمــت الحـيـاةَ — وحــبَّبــ لي العــالم المــبْــغَـضـا

أراهـا عـلى الأرض طـيـفَ النعيم — وحُــلمَ الفــراديــسِ فــيـمـا مـضـى

وكــانــت حــيــاتــي مــحْـضَ اتِّبـاع — فـــصـــارتْ طـــرائفَ مـــن فَـــنِّهـــا

وكــان شــبــابــيَ صَــمْــتَ القـفـارِ — ورَجْـــعَ الهـــواتـــفِ مـــن جِــنِّهــا

فــعــادتْ ليــالي الصِّبـا والهـوى — أرقَّ المـــقـــاطــعِ فــي لحــنــهــا

وأفــرغــتُ بــؤســيَ فــي حِــضــنـهـا — وأتـــرعـــتُ كـــأســـيَ مـــن دَنِّهـــا

وكـــم ذكـــريـــاتٍ لهـــا عَـــذْبَـــةٍ — أعــيــش عــليــهــا وأحــيــا بـهـا

لهــا فــي دَمــي خَـلجـاتُ الحـيـاةِ — كـــأنـــي خــلِقــتُ بــأعــصــابــهــا

مُــســامـرتـي حـيـن يـمـضـي الصِّبـا — وتــهــتــفُ رُوحــي بــأحــبــابــهــا

وتـخـلو بـيَ الدارُ عِـنـدَ الغـروبِ — وأجـــلسُ وحـــدي عـــلى بـــابــهــا

بَــدَتْ شِــبْهَ عــابــسـةٍ فـانـثـنـيـتُ — وقـــد زايـــلَ الشــمــسَ لألاؤهــا

وخِـــلتُ الحـــيـــاةَ وضـــوضــاءهــا — تـــمـــوتُ عــلى الأرض أصــداؤهــا

وكــفَّ عـن الهـمْـسِ حـتـى النـسـيـمُ — وأمــــســــكَ عـــن لَعِـــبٍ مـــاؤهـــا

ونــاديــتُ فــالتـفـتـتْ لا تـجـيـبُ — ولكــــنْ دعــــانــــي إغــــراؤهــــا

ومـــرَّتْ إزائي فـــتـــابـــعـــتُهـــا — بـــقـــلبــي وعــيــنــي إلى أمِّهــا

رأيــتُ مــفــاتــنــهــا غــيـرَ تـلك — وإن لم يُـــخـــلَّدْنَ فــي جــســمِهــا

وأبــصـرتُ مـن حـولهـا الكـائنـاتِ — جـــوانـــحَ تـــهـــفــو إلى ضَــمِّهــا

ويــحــنــو الصـبـاحُ عـلى ثـغـرِهـا — وقـــد جُـــنَّ شــوقــاً إلى لثــمِهــا

يــســائلنــي القــلب عــن أمـرهـا — وأســــأله أنــــا عــــن ســــرهــــا

ويــعــطـفـنـي فـي الهـوى ضـعـفُهـا — وأنـــسَـــى بـــأنِّيـــ فــي أســرهــا

وتُــبــدي ليَ الأنـجـمُ الوامـقـاتُ — رفــيــفَ الأمــانــي عـلى ثـغـرهـا

فــأحــســبُ أن اهــتــزازَ الحـيـاة — صـــدَى حـــبِّهـــا ورؤى ســـحـــرهـــا

لكــذبــتــهــا تُــســتـحـبُّ الحـيـاةُ — ويَــصْــفــو الزمــانُ بــتـغـريـرهـا

ويــأخــذُنــي الشــكُّ فــي قَــوْلهــا — فـــتُـــقــنــعــنــي بــأســاريــرهــا

وتـــعـــصــفُ بــي شــهْــوَةٌ للجــدال — فَــتــســكِــتُــنــي بــمــعَــاذيــرهــا

غـــفـــرتُ لهـــا كـــلَّ أخــطــائهــا — سِــوَى دَمــعــتــيــنِ لتــبــريــرهــا

أحــــاول أفــــهــــمــــهــــا مــــرَّةً — فــأعــيــا بــهــا وبــتــفـكـيـرهـا

أمــــــخــــــلوقـــــةٌ هـــــيَ أم ربَّةٌ — تــســيــرُ الخــلائقُ فــي نِــيـرهـا

ومــا سِــحْــرُهــا ألتــكــويــنــهــا — ومـــا حـــســنُهــا ألتــصــويــرهــا

تــقــولُ الطــبــيـعـةُ بِـنْـتـي ومـا — أُحِـــسُّ لهـــا بــعــضَ تــأثــيــرهــا

أعــنــد الطــبـيـعـةِ هـذا الدلالُ — وفـي دِفـئِهـا مـثـلُ هـذا الحـنـانْ

إذا قــيــلَ لي هــاكَ مُـلك الثّـرى — ودنــيــا الشَّبـابِ وعـمْـرَ الزمـانْ

فــــمــــا لذَّتــــي بـــالذي نِـــلتُه — ومــا نــشــوتـي بـرحـيـق الجـنـانْ

كــــرعــــشـــةِ رُوحِـــي وهـــزَّاتِهـــا — وصــدري عــلى صــدرهــا واليــدانْ

وغَــنَّتــْ فــأســمــعــنــي صــوتــهــا — صَــدى الروحِ فــي خــلَجـات البـدنْ

عـمـيـقـاً كـأنـفـذ مـا في الحياةِ — وأبــعــدِ مــا فــي قــرارِ الزّمــنْ

فــأحـسـسـتُ كـيـف تـطـيـش العـقـولُ — وتـسـهـو القـلوبُ وتـصـحـو الفـتنْ

وقــال لهــا الحــســنُ يــا ربـتـي — فـــقـــالت له كـــلّ شـــيــءٍ حــســنْ

رآهـا عـلى النـبـع بـعـضُ الرُّعاةِ — مـــصـــوَّرةً فـــي إطـــار الغــصــونْ

فــقــالوا أحُــلْمٌ تــراه العـيـونْ — أفــي الغــابِ حــوريَّةـٌ مـن تـكـونْ

ومـــــسَّ مـــــزاهــــرهــــم روحُهــــا — فــرفَّتــْ بــهــا خــالداتُ اللحــونْ

وبـــاتـــتْ تـــعـــانــقُ أحــلامَهــم — وقــد كــاد يـرقـصُ حـتـى السـكـونْ

ولاحــت بــمــرأىً لعــيــنــيْ فـتـىً — طــوى البــحـرَ ليـس لهُ مـن قـرارْ

تــفــتَّحــُ عــن صــدرهــا مــوجـتـان — ويـنـشـقُّ فـي الفجر عنها المحارْ

رآهـــا فـــجـــنَّ غـــرامـــاً بـــهــا — وغـنَّى بـهـا الليـلَ بـعـد النهارْ

وقــــالوا تــــعــــشَّقــــَ جِــــنِّيــــةً — فــتــىً شـاعـرٌ تـائهٌ فـي البـحـارْ

قـضـى اللّهُ أن تُـغـويَ الخـالديـن — وتُـــغـــريَ بــالمــجــدِ عُــشَّاــقَهــا

لَقِـيـتُ عـلى بـابـهـا الفـاتـحـيـنَ — وغــــارَ الفـــتـــوحِ وأبـــواقَهـــا

وكــــلَّ مُــــدِلٍّ عَـــصِـــيِّ القـــيـــاد — دَعَــتْهُ الصــبــابــةُ فــاشـتـاقـهـا

سَــلا مَــجــدَهُ الضَّخــْمَ فــي قُـبْـلةٍ — تُـــذِلُّ وتُـــسْـــعِـــد مـــن ذاقـــهــا

أمــــانــــيُّ شَـــتَّى تـــمـــثَّلـــنَ لي — بـــكـــلِّ وضـــيـــءِ الصِّبــا نــاعــمِ

مُــبَــعْــثَــرةً حـولهـا فـي التـرابِ — بـقـايـا الدُّمـى فـي يـدِ الحـاطـمِ

تَــمُــرُّ بــهــا وهــي فــي ضِـحْـكـهـا — ومــــا ذَرَفَـــتْ دمـــعـــةَ النَّاـــدمِ

فــــيــــا لكِ مـــن طـــفـــلةٍ فَـــذَّةٍ — ورُحـــــمـــــاكِ سَـــــيِّدَةَ العـــــالَمِ

يـــحـــاولُ بــالشــعــرِ إغــراءنــا — لنــــــؤمــــــنَ واحـــــدةً واحـــــده

هـو المـوقـف الضـنـكُ مـا يـتـقيهِ — كـــمـــايـــتـــقــي بــاشــقٌ صــائده

مــتــى كـان صَـبّـاً عـطـوفَ الفـؤاد — وهــــذي قــــصــــائدُه الجـــاحـــدهْ

ألا ذكِّريــــــهِ بــــــمــــــثَّاــــــله — ونــــادي بــــحــــيَّتـــِهِ الخـــالدهْ

ظَـــلَمْـــتِ الفــنــونَ وأربــابــهــا — ومـــا كـــنــتِ حــوريَّتــي ظــالمــه

قـــلوبٌ تـــلذُّ بـــتـــعـــذيـــبــهــا — غــــرائزُ عــــاتــــيــــةٌ عـــارمـــه

تُــــرنِّحــــهـــا سَـــكـــراتُ الهـــوى — وتُــوقــظــهــا الفِــتــنُ النـائمـه

صَـــحَـــتْ مــن خُــمــار مَــلذَّاتــهــا — تُـــعـــنِّفـــُ أهـــواءَهــا الآثــمــه

ألا مــا لأخـتـيـكِ مـا تـبـغـيـان — أقــلبــيَ والخــنــجــرَ المُـنـتَـضَـى

خــذاهُ اقــتــلاهُ ولا تــرحــمــاهُ — فــليــسَ له بَــعْــدُ أن يَــنــبِــضــا

أذيــقــاهُ مــا شــئتـمـا واغـرسـا — بــه الشــرَّ مــلتــهــبــاً مُــرْمِـضـا

فـلن تُـنـبِـتَـا فـيـه إلَّا السـلامَ — والحُــــبَّ والزهَـــرَ الأبـــيـــضـــا

إنـــاءٌ مـــن النُّور طـــافـــتْ بــهِ — يَـــدُ الحـــبِّ غـــارســـةُ الزَّنــبــقِ

تُــغــاديــهِ شــاديــةٌ فــي الدُّجــى — وراقــصــةٌ فــي الضُّحــى المــشــرقِ

بـــأجـــنــحــةٍ كــرؤى الخــالديــن — لغــيــر الصــبــابــةِ لم تــخــفِــقِ

وقــلبــيَ مــن قــدَحٍ فــي السـمـاء — ومـــن نـــبْـــعِ آلهـــةٍ يــســتــقــي

أتــخـشـى لِقـانـا سـليـلَ السـمـاء — أتــحــذرُنــا أم تــخــافُ الضِّيــاء

مُـــحـــدِّثــتــي مــا أحــبَّ اللقــاءَ — لقــد حــال جــســمـي دونَ اللقـاء

وكـــنـــتُ تــخــلَّصــتُ مــن طــيــفــهِ — فــلفَّتــهُ حــولي يـدٌ فـي الخـفـاء

كـــأنِّيـــَ أهــذي بــأضــغــاثِ حُــلمٍ — أو أنــي ضــللتُ طــريــقَ السـمـاء

بـليـتـيـس سـافـو الفرارَ الفرار — فــقــد لبــسَ الروحُ طـيـفَ البـشـرْ

أتــــبْـــصِـــرُهُ جـــســـداً عـــاريـــاً — وتــقــربــهُ تــلك إحــدى الكُــبــرْ

عــلى رِسْــلكــنَّ فــقــد عــاقــبـتـه — بـــأقـــوالكـــنَّ بـــنـــاتُ القـــدرْ

لقـــد عـــاقـــبـــتــهُ بــأشــعــاره — فــيــا ليــتَه مــا هــذَى أو شَـعَـرْ

أتـــصـــرخ ويـــحْـــكَ إنَّ الســمــاء — لتــــأخــــذُهــــا صـــرخـــاتُ الألَمْ

مـن الغـيـمِ يـا شـاعـري فـالتـمسْ — دِثـــاركَ واخـــصِــفْ بــه مــن أمــمْ

وخُــذْ مــن جــنــاحــيَّ مــا تــتَّقــي — بــه فــي الســمـاء عـثـارَ القـدمْ

وأقــســمُ مـا رُمْـتُ غـيـرَ الحـنـان — وإنِّيـــ زعـــيــمٌ بــهــذا القــســمْ

بـليـتـيـس تـايـيـس مـاذا انـظـرا — فـــثـــمَّتـــَ أُعـــجـــوبـــةٌ تــظــهــرُ

تـعـالَ فـتـى الشـعـرِ يـا للسـماءِ — أبِــالشــعــرِ أم بـالفَـتـى تَـسـخَـرُ

أهـــذا هـــو الآدمــيّ العــظــيــمُ — ألا شــدّ مــا يــخــدعُ المــنــظــر

تَــــصــــوَّرتُهُ مــــن أحــــاديـــثـــهِ — فــــتــــىْ لوَســــامـــتـــه يـــؤثـــرُ

تـــريـــديـــنـــه صــورةً أم فــتــىً — تــهــلّلَ فــيــه الحِــجـى وابـتـسـمْ

رأيـــتُ الرجـــولةَ كــلَّ الجــمــالِ — هـو الرَّجـلُ الفـردُ فـي المـزْدحَـمْ

تـراهُ عـلى النـبـع يُعلي الغطاءَ — ويُــدْلي الدلاءَ ويَــسـقـي الغـنـمْ

ويـــحـــدو العــذارى إلى دارهــنَّ — حَــيِــيَّ الخــطــى مــوســويَّ القــدمْ

لشــدَّ الذي قُــلتِهِ يــا ابــنــتــي — كــلامــاً تــوهَّجــَ مــنـه الحـنـيـنْ

تــعــاليْ هــنــا والثــمـي جـبـهـةً — هــزأت بــهـا وهـي حُـلْمُ السـنـيـنْ

أمــن خَــمَـلِ السُّحـْبِ هـذا الدثـار — ومــن حـمـإ الأرض هـذا الجـبـيـنْ

دعـــي طـــيـــفـــه وانــظــري روحَه — فـفـيـهـا الصِّبا والجمالُ المبينْ

هـــــل الرجـــــل الروح لا إنــــه — مــحــيّــا تــرقــرق فــيـه الوسـام

وعــيــنـانِ بـالسـحـر تـسـتـأثـرانِ — خـــيـــالٌ لعــمــركِ هــذا الكــلام

مُـحـيَّاـ وعـيـنـانِ مـا فـي الرجالِ — ســوى كــلِّ أصــيــدَ ســبْـطِ القـوام

ذراعــاهُ تــســتــدرجــانِ الخـصـورَ — وفــي شــفــتــيــهِ حــديـثُ الغـرامْ

تـــنـــزَّهْــتَ عــن شُــبْهــةٍ عــالمــي — ولا رابــنــي فــيــكَ مــا أســمــعُ

عــهــدتُ البــراءَة فــيــمــن تُـظِـلُّ — فــــمــــاليَ مـــن ريـــبـــة أفـــزعُ

وأبـــدعـــتَ خـــلقـــاً ولكـــنـــنــي — أراهُ إلى عَــــــبَــــــثٍ يـــــنـــــزِعُ

ســـبَـــى الســحــرُ أجــمــلَ أرواحِهِ — فـــأنـــطـــقـــهـــن بـــمــا يــخــدعُ

أفـي عـالم الرُّوح تـفـشو الظنونُ — ويـــنـــطـــق روحٌ بـــهــذا الكــلِمْ

أســـائلُ نـــفـــســـي أشــيــطــانــةٌ — تــــوســــوسُ لي أم مَــــلاكٌ أثِــــمْ

أم الشـــكُّ آذنـــنـــي بـــالصــراع — أم حــلَّ بــي غــضــبُ المــنــتــقــمْ

بـــل البـــعــثُ آذنــهــنَّ الغــداةَ — فــــلا تَــــلْحَهُــــنَّ ولا تــــتَّهــــِمْ

هـــي الآدمـــيـــةُ طـــافــتْ بــهــنَّ — وتــــلك غـــرائزُهـــا والطـــبـــاعْ

غــداً تــدرجُ الرُّوحُ فــي طـيـفـهـا — ومــا الطــيــفُ للرَّوحِ إلَّا قِـنـاعْ

ســتــرقـدُ فـي غـورهـا الذِّكـريـات — وتـــوقـــظــهــنَّ الســنــون السِّراعْ

وتــمـشـي لحـاضـرهـا فـي الحـيـاة — بــمــصــبــاحِ مــاضٍ خَـفـيِّ الشـعـاعْ

وكــم نــبـأةٍ كـالحـديـث الجـديـد — ومــا هــو إلَّا القـديـم السـمـاعْ

مــن الخــيــرِ والشــرِّ إلهــامـهـا — مــقــادِرُ تــجــري بــهــنَّ اليــراعْ

فـــدع للســـمــاءِ تــصــاريــفــهــا — فـقـد أذِنَ البـعـثُ بـعـد انـقـطاعْ

وداعـاً صـديـقـي إلى أيـن تـمـضـي — إلى المـلتـقـى فـالوداع الوداع

البحر والقافية

القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.

تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.

القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • الخاطر: الخَاطِرُ : النفْس أو القلب؛ اضطرب خاطره لما سمع من أنباء / مرّ بالخاطر أي جال بالنفس أو القلب / عن طيب خاطر أى براحة بال / هو سريع الخاطر أي سريع البديهة. -: ما يمرّ بالذهن من الأمور والآراء مؤ خاطِرَة ج خَوَاطِرُ.
  • الدابر: الدَّابِرُ : فا.- من كلِّ شيء: آخِرهُ؛وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذْيِنَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا/ قطع اللَّه دابرَهم، أي أَفْناهم عن آخرهم.-: التَّابِعُ؛ هو دابرُ مديره.-: الأصْلُ ج دوابِرُ.
  • السائر: السَّائِرُ [ سير]: فا.-: الماشي.- من الشّيْءِ: باقيهِ؛ حصل الطّالبُ على نتائج رديئة في الرّياضيّات إلاّ أنّه تفوّق فى سائرِ الموادّ/ المَثَلُ السّائرُ، هو الجاري الشّائع ُ بين النَّاس.
  • السديم: السَّديمُ : التَّعِبُ.-: السَّدِر.-: الماء المُندفِقُ؛ يستقى السّديمُ ما حوله من الأرضِ.-: الضّبابُ الرّقيقُ.-: بُقَعٌ سحابِيّةٌ متوهِّجَة أو مغيمَةٌ في الفضاء ناشئةٌ عن تكاثف عددٍ لا يُحصى من الأجرام السّماويّة أو تصادم …
  • الغابر: الغَابِرُ : فا. -: الماضي؛ حَدَثَ ذلك في الزَّمنِ الغابر.-: الباقي [ضد]فَأنجَيْنَاهُ وأَهْلَهُ إلا امْرأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِين/ هو غابرُ أسرة كانت معروفة/ غُبَّرُ الشيْء، هي بقاياه/ غُبَّرُ اللَّيل أو أواخرُه/ غ …
  • القادر: القَادِرُ : فا.- عليه: المتمكِّن منه حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَنَتْ وظَنَّ أهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أوْ نَهَاراًْ فَجَعَلْنَاهَا حصيداً.- في الرِّزق على ا …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة