حَنَتْ على حاجز السفينهْ

الشاعر: علي محمود طه · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 88 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الدال.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

حَنَتْ على حاجز السفينهْ ... ترنو إلى الرغو والزَّبدْ

كأنّها الفتنةُ السجينةْ ... تمضي بها لُجَّةــ الأبدْ

نَبَتْ بها ضَجَّةُ المكان ... يَزينها الصَّمْتُ والجلالُ

والبحرُ من حولها أغاني ... والسُّحْبُ والريحُ والجبالُ

ســــاهــــرة وحدها تُطِلُّ ... بملتقى النور والظلامِ

لا تسأم الصَّمْتَ أو تَمَلُّ ... تَهامسَ الشُّهْبِ والغمامِ

تُصْغي إلى الموج والرياح ... في مَعْزِلٍ شاق كلَّ عَينِ

كأنها نجمةُ الصباحِ ... مُطِلَّةٌ من سحابتينِ

هفهافةُ الثوب في بياضٍ ... يكاد عن روحها يشفُّ

لأيِّ ذكـــــــــرى وأيِّ مـــــــــاضٍ ... يَسْرِي بها خاطرٌ ويَهْفو

وما وراءَ العُباب تَبْغي ... وأيُّ ســـــرٍّ لهـــــا تَـــــبـــــدّى

وأيُّ لحــــن إِليه تُصغي ... بروحها الحالم استبدَّا

عجبتُ للبحر ما عراهُ ... يودّ لو مسَّ ناظريها

يتاخمُ النّجمَ في علاهُ ... ويَنثني جاثياً لديها

وهائمٍ في الفضاءِ صَبِّ ... مُجنّح لا يبينُ طيفا

كم ودّ لو من ضنىً وحُبِّ ... هوى على صدرها وأَغفى

كم بثّ من أنّةٍ وألقى ... بهمسةٍ ضائعٌ صداها

يا وَيحه لا يَحير نُطقا ... فكيف تُلقي له انتباها

أنفاسُهُ عن جَواهُ تُغْنِي ... عليلةً خفْقُها اضطراب

كآهةٍ في فم المُغَنِّي ... جريحةٍ لحنُها العذابُ

يدنو ويرتدُّ في حياءِ ... يُجاذب الثوبَ والشّعَرْ

وكلما كلَّ من عياءِ ... أثاره الوجدُ فاستعرْ

يضمُّها راعشاً ويمضي ... مباعداً وهو ما ابتعدْ

كأنه بالحنين يقضي ... لُبــــانــــةَ الروح والجسدْ

والقمرُ الطالع الصغيرُ ... أزاح عن وجهه السّحابا

وقد جرى ضوؤه الغريرُ ... يستشرف الأُفْقَ والعُبابا

المرحُ العابثُ الطروبُ ... لما دعا باسمِهِ الشروقُ

نــــادت به موجةٌ لعوبُ ... إليَّ يــــا أيّهــــا المشوقُ

طال على المنتأى طُروقي ... وطال مَسراكَ في السماءِ

فَنَمْ على صدريَ الخفوق ... واحْلُمْ بما شِئْتَ من هناءِ

وانْسِني وحشةَ الليالي ... بقُبْلةٍ منكَ يا حبيبي

لكـــــنّه مـــــرَّ لا يــــبــــالي ... ولجّ في صمتهِ العجيب

مذ أبصرته انثنى ومرّا ... قالتْ ومن دمعها مَسيلُ

لأنتَ مثلُ الرجال طُرّا ... يا أيُّها الخائنُ الجميلُ

وهبتُكَ الغضَّ من شبابي ... سكرانَ من خمر أُمسياتي

فأين تمضي على العُباب ... من صوت حُبّي وذكرياتي

ومــــن هــــيَ الغادةُ التي ... تنسلُّ من مخدعي إليها

أعندها مثلُ فتنتي ... أم انني أفْترِي عليها

إذهبْ إِليها ودعْ ذمامي ... فديتُكَ اسْلَمْ على التنائي

إذْبَحْ على صدرها غرامي ... واملأ لها الكأسَ من شقائي

والْهُ مع الغيد والعذارى ... وغــــنّ بــــالكــــأس والوتــــرْ

وانقعْ من الغُلّة الأُوارا ... واقطفْ من اللّذة الثّمرْ

أبوكَ والطبعُ لا يحولُ ... وَرِثْــــتَهُ خِــــلْقــــةً وخَلْقا

يا أيها القُلَّبُ الملولُ ... من قبضتي لن تنالَ عِتْقا

مُطاردٌ أنت باشتياقي ... ما جُبْتَ أرضاً وجُزتَ بحرا

مُقيّدٌ أنتَ في وثاقي ... وإنْ رأتكَ العيونُ حُرّا

لأنتَ مهما كبرْتَ طِفلي ... يا ابنَ الهوى البكرِ والألَمْ

خُطاكَ مسبوقةٌ بظلّي ... وإنْ تعلّقتَ بالقِمَمْ

سأحفظ العهد مِنكَ دوما ... وأقطع العمر في انتظارِكْ

وســــوف تــــأوي إليّ يوماً ... تبكي وأبكي إلى جواركْ

ضراعةٌ من عذاب أُنثى ... مَشَتْ على المائج الغضوبِ

صغا لها الليلُ واستحثّا ... سواكنَ الريح للهبُوبِ

وحدّقتْ في الدُّجَى نجومُ ... غيرَى تغامزن بالخبرْ

وغمغمتْ نجمةٌ رؤومُ ... أما يرى ضوءَه القمرْ

أمـــــا يـــــرى ذلك الصَّبــــِيَّا ... يُؤلّب البحرَ والظلاما

فيا لهُ فاتناً خَلِيّا ... يُزوّرُ العشق والغراما

كم ليلةٍ بعد ألف ليلهْ ... لم تروِها عنه شهرزادُ

وكــــم عناق له وقُبْلهْ ... في كِذبةٍ لفظُها مُعادُ

فاستوعب الضوءُ ملءَ حسّهْ ... مفاتنَ الناس والطبيعهْ

مُردّداً في قرار نفسهْ ... ما أبشع الغيرة الوضيعهْ

وارتعش الضوءُ ثم أضفَى ... من حوله الصفوَ والسكينهْ

وابتسمتْ نفسه فألفى ... خطاه في جانب السفينهْ

فـــــراعـــــه ذلك الجــــمــــالُ ... جمالُها الصّامتُ الحزينُ

فشاقه الشِّعرُ والخيالُ ... وهزّهُ الوجدُ والحنينُ

فقال يا روعةَ المساءِ ... وفِــــتنةَ اللُّبِّ والبصرْ

قد آذن الليلُ بانقضاءِ ... وأنــــتِ موصولةُ السهرْ

أيّتُها الملكةُ الكسيرهْ ... أيّتُها الربّةُ الخجولهْ

أيّتُها الطفلةُ الكبيرهْ ... لن تبرحي عالمَ الطفولهْ

أعلمُ ما تكتمين عنِّي ... وإنْ تــــلثَّمتِ بالخفاءِ

خمسُ ليالٍ وأنت مني ... متبوعةُ الظلِّ باشتهائي

قد كنتُ أُزهى بما عرفتُ ... من فِتنِ الحسن والدلالِ

لكنّني الليلةَ اكتشفتُ ... أروعَ ما شِمْتُ من جمالِ

عشقتُ فيكِ الهوى ودُلّهْ ... في زَهوةِ الحسن والشبابِ

وذلك الصّــــمــــت ما أجلّهْ ... في عالم اللَّغو والكذابِ

هاربةٌ أنتِ يا فتاتي ... من ثورةِ الشكّ والرِّيَبْ

هَرَبْتِ من ضجَّةــ الحياةِ ... فكيف من نفسِك الهربْ

بها ابدئي أولاً فسُلّي ... وردكِ من شوكِهِ الأثيمِ

لا البُعْدُ يجدي ولا التسلّي ... كطعْنكِ الغدر في الصميمِ

هنيهةٌ لم يَطُلْ مداها ... تروع بالصّمت والشحوبِ

لم يبلغ الليلُ منتهاها ... إلَّا على رَوعةِ المغيبِ

والتــــفــــتَ الضــــوءُ للوداع ... يهمسُ في رِقّةٍ ووجدِ

يا ربَّةَ الحسنِ لا تُراعي ... فلترْعَكِ الكائناتُ بعدي

يا ليلُ يا موجُ يا رياحُ ... أيّتُها السُّحْبُ والظلالُ

أيّتُها الغُورُ والبِطاحُ ... أيّتُها الشهبُ والجبالُ

في الجوّ في الماءِ في الثرى ... صوني لها العهدَ والودادا

رُدِّي على عينها الكرى ... وأبعِدي الفِكرَ والسهادا

وأنقذيها مِنَ الجوى ... يا عاشقاتي على الزَّمانِ

بكلِّ ما فيك من قُوَى ... وكلِّ ما فيَّ من حنانِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الدال، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • الرغو: (رَغَوَ) الرَّاءُ وَالْغَيْنُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا شَيْءٌ يَعْلُو الشَّيْءَ، وَالْآخَرُ صَوْتٌ. فَالْأَوَّلُ الرَّغْوَةُ وَالرُّغْوَةُ [لِلَّبَنِ] : زَبَدُهُ؛ وَالْجَمْعُ رُغَىً. وَارْتَغَى الر … (مقاييس اللغة)
  • السفينه: سفن: السَّفْنُ: القَشْر. سَفَن الشيءَ يَسْفِنه سَفْناً: قَشَّرَهُ؛ قَالَ إمرؤُ الْقَيْسِ: فجاءَ خَفِيَّاً يَسْفِنُ الأَرضَ بَطْنُه، ... تَرى التُّرْبَ مِنْهُ لَاصِقًا كلَّ مَلْصَق. وَإِنَّمَا جَاءَ مُتَلَبِّدًا عَلَى الأ … (لسان العرب)
  • تمل: تمل: التُّمَيْلَة: دُويبَّة بِالْحِجَازِ عَلَى قَدْرِ الهِرَّة، وَالْجَمْعُ تِمْلانٌ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الْجَمْعُ التُّمَيْلات. ابْنُ الأَعرابي: هُوَ التُّفَّة والتُّمَيلَة لعَناق الأَرض، وَيُقَالُ لذَكرها الفُنْجُل. و … (لسان العرب)
  • تهامس: همس: الهَمْس: الْخَفِيُّ مِنَ الصَّوْتِ وَالْوَطْءِ والأَكل، وَقَدْ هَمَسُوا الْكَلَامَ هَمْساً. وَفِي التَّنْزِيلِ: فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً؛ فِي التَّهْذِيبِ: يَعْنِي بِهِ، واللَّه أَعلم، خَفْقَ الأَقدام عَلَى الأَ … (لسان العرب)
  • حاجز: حجز: الحَجْز: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، حَجَز بَيْنَهُمَا يَحْجُزُ حَجْزاً وحِجازَةً فاحْتَجَز؛ وَاسْمُ مَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا: الحاجِزُ. الأَزهري: الحَجْز أَن يَحْجِز بَيْنَ مُقَاتِلَيْنِ، والحِجَاز الِاسْمُ، وَكَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • إلى قمة الزمن الغابر
  • كَأْسُ الْخَيَّامِ
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة