طَـلَعُـوا جـبـابـرةً عـليكِ وثاروا
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
طَـلَعُـوا جـبـابـرةً عـليكِ وثاروا — وَوَقــفْــتِ أنــتِ ورُوحــكِ الجـبَّاـرُ
عصفوا ببابكِ فاستُبيحَ فلم يكنْ — إلَّا جَهَــنَّمــ هــاجَهــا الإعـصـارُ
حــربٌ إذا ذُكِـرَتْ وقـائعُ يـومِهـا — شـابَ الحـديـدُ لِهـولِهـا والنـارُ
لو قِـيـلَ أبطالُ العصورِ فمنهُمو — لحُــمـاتِـكِ الإعـظـامُ والإِكـبـارُ
أو عـاَد هُـومـيـرٌ وسـحْـرُ غـنـائهِ — ورأى مَــلاحــمَهــم وكـيـفَ تُـثـارُ
وهـمُـو حُـمـاةُ مـديـنـةٍ مـحْـصـورَةٍ — دُكَّتــْ عــلى حُــرَّاسِهــا الأســوارُ
نــسِــيَ الذي غـنّـاهُ فـي طُـرْوادةٍ — وشــدَا بــهـم وتـرنَّمـَ القـيـثـارُ
كــم مــن أخــيـلٍ فـيـهـمـو لكـنَّهُ — رُدَّ المُــغــيــرُ بــهِ وفُــكَّ حِـصـارُ
لم تـجْـرِ مَـلحَـمـةٌ بـوصـفِ كـفاحِه — لكــن جــرت بــدمــائهِ الأنـهـارُ
نــادَتْهُ مـن خَـلفِ الشـواطـئِ أُمَّةٌ — هـو عـن حِماها الذائدُ المِغوارُ
إن يَـسـألوا عـنـه فـفـارسُ حَلْبة — لم يَــخْــلُ مـن وثْـبـاتِه مـضـمـارُ
أو يـقـرأوا تـاريـخَهُ فـصـحـيـفةٌ — إمــضــاؤُه فــيــهـا عُـلىً وفـخـارُ
أو يـبـحـثـوا عـن قـبْرِهِ فمكانهُ — فـيـمـا يُـظِـلُّ العُـشْـبُ والأزهـارُ
فـيـمـا يُـغطِّي الثلْجُ تحت رُكامهِ — فـيـمـا تُـعـرِّي الريـحُ والأمطارُ
هـو مـهـجـةٌ فـنـيَتْ بأرضِ مِعَادِها — ليــتــمَّ غــرسٌ أو يَــطـيـبَ ثِـمـارُ
هـو مـوجـةٌ ذابـت بـبـحر وجودها — كــيـمـا يـثـورَ بـرحُهـا التـيـارُ
فــي شــاطــئٍ وقـف العـدوُّ إزاءَهُ — يـبـغـي العـبـورَ ودونـه أشـبـارُ
مـا زال يـدفـعُ عـنـه كـلَّ كتيبةٍ — حـتـى تـلاشـى الجـحْـفـلُ الجـرَّارُ
وهـوى وفـي شـفـتـيْهِ بـسمةُ ظافرٍ — أوْدى وتــمَّ عــلى يــديـهِ الثـارُ
يُـزهـى بـه تـحـت الحـديد وبأسِهِ — رأس يــكــلِّلُ مــفــرقــيـهِ الغـارُ
يا ربَّةَ الأبطالِ لا هانَ الحِمى — وســلمْــتِ أنـتِ وقـومُـكِ الأحـرارُ
أأقـولُ أبـنـاءُ الوغـى أم جِـنـةٌ — وأقــــولُ آلهَــــةٌ أمِ الأقــــدارُ
يـسـتـنـقِـذونـكِ مـن بـراثنِ كاسِرٍ — مــاجــتْ بــهِ الآجـامُ والأغـوارُ
مُـتـربِّصِ السطوات تختبىءُ الرُّبى — وتــفِــرُّ مــن طُـرُقـاتِهِ الأشـجـارُ
قـهَـرَ الطـبـيعةَ صيفَها وشتاءَها — حــتــى أتــاهُ شِــتــاؤكِ القـهَّاـرُ
مـجْـد المدائن والقرى إن الذي — أبــدعــتِه فـيـه العـقـولُ تـحَـارُ
عـجـبـاً أأنـتِ مـديـنـةٌ مـسـحـورةٌ — أم عــالمٌ حــاطَــتْ بـه الأسـرارُ
طُــرُقٌ مُــحــيــرةٌ يَــضِــلُّ ويَهـتـدي — فـيـهـا الكُـمـاةُ وليـسَ ثَمَّ قرارُ
عَــزَّتْ عـلى قَـدَمِ العـدوِّ كـأنـمـا — مـن زِئبـقٍ صـيـغـت بـها الأحجارُ
ومــنــازلٌ مــشــبــوبـةٌ وكـأنـهـا — للجــنِّ فــي وادي اللظـى أوكـارُ
وتـرى زَبـانـيَـةَ الجحيمِ ببابها — ضــاقــت بــهـم غُـرَفٌ ونـاءَ جـدارُ
يــتــصــارعـون بـأذرعٍ مـخـضـوبـةٍ — والسـقـفُ فـوق رؤوسـهـم يَـنـهـارُ
يـتـنازعون بها الطِّباقَ خَرائبا — دَمِـيَـتْ عـلى أنـقـاضـها الأظفارُ
مــا زِلْتِ صـامِـدة لهـم حـتَّى إذا — سَهَـتِ العـقـولُ وزاغـتِ الأبـصـارُ
وتـقَـبَّضـَ المـسـتَـقـتِـلونَ وعربدَتْ — أيــدي الرُّمــاةِ وعــرَّدَ البـتَّاـرُ
وتـقـوَّض الحِصنُ المنيعُ ولم يكن — إلَّا جِـــدارٌ يـــحــتــويــهِ دَمــارُ
وقـسَـا عـليـكِ المرجِفون وحدَّثوا — أنْ ليــس تــمــضـي ليـلةٌ ونـهـارُ
أطـبـقتِ كالنَّسرِ المحلِّقِ ما لهمْ — مــنــه ولا مـن مِـخـلبـيـهِ فِـرارُ
وتـفـرَّسـتـكِ قـلوبـهـم فـتـرنَّحـوا — رُعْــبـاً وأنـتِ الخـمـرُ والخـمّـارُ
وخَـبَـتْ مَـدافِـعُهـم وذاب حـديدهم — والثَّلـجُ يَـعـجـبُ واللَّظى الموَّارُ
يـا فِـتـيَـةَ الفُولجا تحيَّة شاعرٍ — رقَّتــْ له فــي شــدوِهِ الأشــعــارُ
مـــلاَّحُ وادي النِّيـــلِ إلا أنــهُ — أغـرَتـه بـالتِّيـهِ السَّحـيـقِ بحارُ
أبــداً يــطــوِّفُ حـائراً بـشـراعـهِ — يَــرمــي بــه أُفــقٌ وتــقــذِفُ دارُ
إنـي رَفـعْـتُ بـكـم مِـثالاً رائعاً — يُـومـا إليـهِ فـي العُـلى ويُـشارُ
لشـبـابِ مِـصـرَ وهم بُناةُ حياتِها — وحُــمـاتُهـا إنْ حـاقـتِ الأخـطـارُ
وبـمـثـلِ مـا قـدَّمـتـمـو وبذَلْتُمُو — تـغـلو الدِّيـارُ وتـرخُصُ الأعمارُ
هـذي مَـديـنـتُـكـم وذاك صِـراعُهـا — رمـــزٌ لكـــلِّ بُـــطـــولةٍ وشــعــارُ
جِـئتـمْ بـكـلِّ عـجـيـبـةٍ لم تحتفِلْ — يـومـاً بـمـثـلِ حـديثها الأمصارُ
تـتـحـدَّثُ الدُّنـيـا بـها وبصُنعكمْ — وتُــحــدِّثُ الأجــيــالُ والأدهــارُ
أحـقـيـقـةٌ في الكونِ أم أُسطورةٌ — هــذا الصِّراعُ الخــالدُ الجـبَّاـرُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- القيثار: القِيثَارُ والقِيثَارَةُ : آلة طرب ذات ستة أوتار.
- ببابك: بأب: فَرَسٌ بُؤَبٌ: قَصير غليظُ اللَّحْمِ فسيحُ الخَطْوِ بَعيدُ القَدْرِ.
- جهنم: جهنم: الجِهنّامُ: القَعْرُ الْبَعِيدُ. وَبِئْرٌ جَهَنَّمٌ وجِهِنَّامٌ، بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْهَاءِ: بَعِيدَةُ القَعْر، وَبِهِ سُمِّيَتْ جَهَنَّم لبُعْدِ قَعْرِها، ولم يقولوا حِهِنَّام فِيهَا؛ وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ: جِ …