بعد خمسٍ جِئتنِي يا ذكرياتي
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 54 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الضاد.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بعد خمسٍ جِئتنِي يا ذكرياتي ... والأماني بين موتٍ وحياةِ
بعد خمسٍ يا لها في السنواتِ ... حمَلتْ كلَّ ذنوب الكائناتِ
صَاح فيها زُحَلٌ بالظلماتِ ... فطوتْ نجمي وسدَّت طُرقاتي
ورمَتْ شملي ببينٍ وشتاتِ ... والصِّبا نشوانُ والحبُّ مؤاتي
فاحفظيها في المآسي الخالداتِ ... أو دعيها واذكري لي خطراتي
أرجعي لي بعضَ أحلامي وهاتي ... صفَو أنغامي وردِّي صدحاتي
حدِّثي ليلة خُضْنا الأبيضا ... في سكونٍ خِفْتُه أن ينبضا
ودُجىً كالسُّخط من بعد الرضى ... قد دعونا نجمَه أن يُغمضا
جثم الرعبُ عليه فنضا ... لججاً سوداً وظلاً مُقبِضا
كلما عودُ ثقابٍ أومضا ... دفعَ النيلَ وأرغى ومضى
يُنْذِرُ الركب فماجوا رُكَّضا ... وادَّعى منهم خبيثٌ عرَّضا
أنَّ نجماً هتلريا مُغْرِضا ... شعَّ ناراً وتوارى في الفضا
ذكرياتي كيف أقبلتِ إليَّا ... كيف جُزْتِ البرَّ والبحرَ القصيَّا
كيف خُضْتِ الكون لجّاً دمويّاً ... وشُواظاً طاغيَ النار عتيَّا
ذكرياتي جدِّدي هذا الرويَّا ... وابعثيهِ نغماً عذباً شجيَّا
ما عجيبٌ أن تردِّيهِ عليَّا ... بل عجيبٌ أنني لا زلتُ حيَّا
أتلقَّاكِ وكأسي في يديَّا ... ونشيدي ضارعٌ في شفتيَّا
طاف بي شاديكِ يدعوني مَليَّا ... أيها الملَّاحُ حان الوقتُ هيَّا
حان أن ننشر خفّاق الشراعِ ... يا سفيني ويكِ هيَّا لا تُراعي
قد تدانى البحرُ من بعد امتناعِ ... وغَدَتْ فينيسيا قيدَ ذراعِ
هذه الجنّةُ يا ويح الأفاعي ... نفثتْ في زهرها سُمَّ الخداعِ
آه دعني من أحاديث الصراعِ ... ضاع عمري ويحَ للعمر المضاعِ
فالتمس نَهزَةَ حُبٍّ ومتاعِ ... تحت أُفْقٍ صادحٍ صافي الشعاعِ
يا شراعي طُفْ بهاتيك البقاعِ ... وتــــــهــــــيَّأـــــ للقـــــاءٍ ووداعِ
أيُّها البحر سفيني ما عَراها ... رنَّحتها نبأةٌ رقَّ صداها
أو حقّاً قَرُبتْ من منتهاها ... هذه المحنةُ وانجاب دُجاها
أغداً تستقبل الدنيا مُناها ... حرَّةً تشدو بمكنون هواها
وأرى حُــــريّــــة عَزَّ حماها ... لم يُضِعْ عقباه من مات فداها
أيها الشرق تأملْ أتراها ... أنت من داراتها أين سناها
ذُدْتَ عنها وتقدمتَ خُطاها ... يوم قالوا خَسرَ الحربَ فتاها
أيَّ بشرى زفَّها أرخم لحنِ ... من تُراه ذلك الطيف المغنِّي
مسَّ قلبي صوتُهُ إذْ مسَّ أُذني ... ألِحُــــبٍّ أم لســــلمٍ أم تــــمــــنِّي
يا بشير السِّلم لا يكذِبْكَ ظنِّي ... أنا ظمآنُ إلى الشدو فزِدني
عبرتْ بي الخمسُ في صمت وحزنِ ... أيُّ خمسٍ بعدها تمتدُّ سِنِّي
صاح قلبي إنْ تدعْني لستَ منِّي ... إفتح الباب ونحِّ القيد عنِّي
آهِ دعني أُبصر العالم دعني ... قد سئمتُ اليوم في أرضيَ سجني
ما ثوائي في مكانٍ ما ثوائي ... هو ذا الفجرُ فهبُّوا أصدقائي
إفتحوا نافذتي عَبْرَ الفضاءِ ... إفتحوها لأرى لونَ السماءِ
في ظلالِ السِّلم أو نورِ الصفاءِ ... حنَّ قيثاري لشعري وغنائي
فانشدوني بين أمواج الضياءِ ... وانشدوا فوق البحيرات لقائي
لا تقولوا كيف يشكو من بقاء ... شاعرٌ في موطنٍ حالي الرواءِ
قد ظلمتم دعوتي يا أصدقائي ... وجهلتم ما حياةُ الشعراءِ
يا ابنة الإِيزار حُيِّيتِ سلاما ... وغراماً لا عتابا ولا ملاما
هذه الحربُ التي راعت ضراما ... شَبَّها طاغٍ بواديكِ أقاما
ذُقتِ في الغربة وجداً وسَقاما ... أتُراها لم تَطِبْ مصرُ مُقاما
مصرُ كانت لمحبِّيها دواما ... لم تُضِعْ عهداً ولم تخفُرْ ذماما
فاذكري في الغد أحباباً كراما ... إنْ ألمَّتــ بك ذكراها لماما
واذكري بعض لياليها القُدامَى ... في ضفافٍ حَمَلَتْ عنك الهُياما
في ضفافٍ كلُّ ما فيها جميلْ ... تُنبِتُ الحبّ وتُنمي وتُنيلْ
يخطرُ الفجر عليها والأصيلْ ... بين صفصافٍ وحورٍ ونخيلْ
يَدُ هاتور على كل جميلْ ... تنشر النُّوَّارَ في كلِّ سبيلْ
وأزوريسُ على الشطِّ الظليلْ ... يَعْصُرُ الخمرَ ويسقِي السلسبيلْ
هذه مصر دياراً وقبيلْ ... ألها في هذه الدنيا مثيلْ
عجباً لي وعجيبٌ ما أقول ... كيف يدعوني غداً عنها الرحيلْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الضاد، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الخالدات: خلد: الخُلْد: دَوَامُ الْبَقَاءِ فِي دَارٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا. خَلَدَ يَخْلُدُ خُلْداً وخُلوداً: بَقِيَ وأَقام. وَدَارُ الخُلْد: الْآخِرَةُ لبقاءِ أَهلها فِيهَا. وخَلَّده اللَّهُ وأَخْلَده تَخْلِيدًا؛ وَقَدْ أَخْلَد ال … (لسان العرب)
- السنوات: سنا: سَنَت النارُ تَسْنُو سَناءً: عَلا ضَوْءُها. والسَّنا، مقصورٌ: ضوءُ النارِ والبرْقِ، وَفِي التَّهْذِيبِ: السَّنا، مقصورٌ، حَدُّ مُنْتَهى ضوْءِ البرْقِ. وَقَدْ أَسْنَى البرْقُ إِذَا دَخلَ سَناهُ عليكَ بيتَك أَو وقَع ع … (لسان العرب)
- بالظلمات: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
- ببين: بين: البَيْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى وجْهَين: يَكُونُ البَينُ الفُرْقةَ، وَيَكُونُ الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْناً وبَيْنُونةً، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَقَدْ فَرَّقَ الواش … (لسان العرب)
- حدثي: حدث: الحَدِيثُ: نقيضُ الْقَدِيمِ. والحُدُوث: نقيضُ القُدْمةِ. حَدَثَ الشيءُ يَحْدُثُ حُدُوثاً وحَداثةً، وأَحْدَثه هُوَ، فَهُوَ مُحْدَثٌ وحَديث، وَكَذَلِكَ اسْتَحدثه. وأَخذني مِنْ ذَلِكَ مَا قَدُمَ وحَدُث؛ وَلَا يُقَالُ ح … (لسان العرب)
- خطراتي: خطر: الخاطِرُ: مَا يَخْطُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ تَدْبِيرٍ أَو أَمْرٍ. ابْنُ سِيدَهْ: الْخَاطِرُ الْهَاجِسُ، وَالْجَمْعُ الْخَوَاطِرُ، وَقَدْ خَطَرَ بِبَالِهِ وَعَلَيْهِ يَخْطِرُ ويَخْطُرُ، بِالضَّمِّ؛ الأَخيرة عَنِ ابْنِ … (لسان العرب)