ســألونـي عـن بـيـانـي وقـصـيـدي
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 62 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ســألونـي عـن بـيـانـي وقـصـيـدي — أسـفـاً بـاريـس قـد مـات نـشـيدي
لك ذكـــراكِ ولي عـــهـــدٌ بـــهــا — كـيـف أنـسـى ذكـريـاتـي وعـهودي
أنـــا لا أنـــســى ليــاليّ عــلى — روضـك الرفـاف بـالزهـر النضيد
ثــمــرُ الفــكــر ومــجــنـى نـورِه — ومـراح العـيـن والقـلب العميد
خـــطـــرةٌ عـــابـــرةٌ عــدت بــهــا — عــودة الغـوّاصِ بـالدرّ الفـريـد
فـاعـذري المـزهـرَ فـي كـفّي إذا — أخــسـرتـهُ ضـجـة الرزء الشـديـد
يــوم قــالوا جـلّلَ القـيـد يـدا — حـطـمَـت بـالأمـس أصـفاد العبيد
حـــمـــلت مــشــعــل حــرّيــاتــهــم — فـي شـراة مـن شـباب المجد صيد
كــيــف يــا بـاريـس بـاللّه هـوى — ذلك النـجـم مـن الأفـق البعيد
إن يـنـل مـنـك المـغـيـرون فـما — فــتــحــوا غــيــر تــخـومٍ وحـدود
لســتِ بــنـيـانـا ولا أرضـاً ولا — غـــاب آســـادٍ ولا جــنّــة غــيــدِ
أنــت مــعـنـىً عـالمُ الفـكـر بـه — يـتـحـدّى قـبـضـة الباغي المريد
كــعــبــة الأحــرار هـذي مـحـنـةٌ — راعـت الأحـرارَ فـي أكـرم عـيـد
صـــرع النـــورُ بــه وانــحــســرت — جـبـهة الشمس عن النور الشهيد
وأتـــى الليـــلُ ومـــن أهـــوالهِ — أن تُــرَي بــيــن ظــلامٍ وقــيــود
أيــن مــن فــرســاي أفــقٌ ضـاحـكٌ — مـشـرقٌ عـن أمـلِ الشـعـب السعيد
وعـــلى كـــل طـــريـــق مــوكــبــق — صـادح الأبـواقِ خـفّـاق البـنـود
لكــأنــي اليــوم ألقـى مـأتـمـا — وأرى الكـنـكرد كالقبر الحريد
حــال شــدو المـاء فـي أحـواضـهِ — نـفـثـة الغـرقـى بـبحرٍ من صديد
وقـــفـــت مـــصـــر بـــه ســـاخــرة — مــن نــحــوسٍ تــتــوالى وســعــود
غــلَبَ الصــمـتُ عـليـهـا وهـي فـي — صـمـتـهـا الخـالدِ طـلّسمُ الوجود
سـاحـة البـاسـتيل حانَ الملتقى — وتـعـالت صـرخـة الفـجـر الوليد
أيـــن أبـــطـــالك مـــاذا أتــرى — ضـرب الليـل عـليـهـم بـالوصـيـد
أغــمــدوا أسـيـافـهـم ويـح ومـا — عـوّدوا أسـيـافـهـم حـبسَ الغمود
ويـحـهـم قـد شـيّـعـوا أعـيـادهـم — بين عصف النار أو قصف الحديد
فــوق أرض صــبــغــت مــن دمــهــم — وتـــحـــدّت كــل جــبــار عــنــيــد
فــوق أحــجــارك صــرعـى أمـسـهـم — فــلذاتٌ كــتــبَــت ســفـر الخـلود
فــاذكــريــهــم بـالذي مـرّ بـهـم — واقـرئي تـاريـخـهـم ثـم أعـيـدي
أيــهــا العــائد مــن غــاراتــه — راقـداً تـحـت قـبـاب الأنـفـليـد
تــلك رايــاتــك فــانــظـر أتـرى — مـن سـيـوف تـحـتـها أو من جنود
أيـن مـن مـوسـكـو ومـن آفـاقِهـا — جـيـشـك الظـافر بالجيش البديد
تـــطـــأ الأرض إلى مــشــرقــهــا — مـوغـلاً فـي أثـر الدبّ الشـريـد
فــفــرنــســا هــمــة لا تـنـثـنـي — أمشت في النار أم تحت الجليد
بـالقـليـل الجـمـعِ مـن أبنائها — تـنـزع النصر من الجمع العديد
أمـــمٌ تـــرســف فــي أحــقــادهــا — دتـتـها بالصفح والصنع الحميد
لم تــســيّــر فــوقــهــا دبّــابــة — أو تـبـاغـتـهـا بـطـيـرٍ من حديد
شـــرَفُ الحـــرب كـــمـــا لقّــنــتَهُ — مـلتـقـى سـيـفـين في ظلّ البنود
فــاعــذر اليـومَ فـرنـسـا إنـهـا — وثـقـت بالعهد في دنيا الجحود
قــرَعــت للنــصـر كـأسـا ويـحـهـا — صـرعـتـهـا خـمـرة النصر التليد
رقــدَت عــن غــدرهــا وانـتـبـهـت — حـيـثُ لا يـنـفـع صـحـو مـن رقود
أســفـرت سـيـدان عـن مـأسـاتـهـا — وتـهـاوى حـجـرُ الحـصـن المـشـيد
ثــغــرةٌ أنــفــذِ مــنــهـا خـنـجـرٌ — قــد تــلقّــتـه عـلى حـزّ الوريـد
شـــهِـــدَ المــجــد لهــا بــاســلةً — خــضّـبـت بـالدم مـن نـحـر وجـيـد
فــابــعــث العــزّة مـن تـاريـخـه — وتـــألّق بـــســنــاه مــن جــديــد
واطــلع اليــوم عــليـهـا سـيـرةً — وكـن الشـاعـر واهـتـف بـالقصيد
أيــهـا الفـاتـحُ لا يـغـررك مـا — أنــت فــيــه مــن حــصـونٍ وسـدود
لك فــيّ العــبـرةُ المـثـلى فـلا — تــأمَـنِ الزلةَ فـي أوج الصـعـود
ربّـــةَ النـــور ســلامــاً كــلّمــا — هـتـف الشـعـر بـمـاضـيـك المجيد
لك فــــي كــــلّ خــــيـــالٍ صـــورةٌ — بـرئت مـن وصـمـة العصر الجديد
غـيـر ذكـرى يـرجـع الفـكـر بـها — لليــالٍ مــن عـصـور الظـلم سـود
لهـــف نـــفــســي لدمــشــق ولمــن — خــرّ فــيـهـا مـن جـريـحٍ وشـهـيـد
مــن شــواظٍ يــقــذفُ المـوت عـلى — ركّــعٍ فــي ســاحــة اللَه ســجــود
فـأنـا الشـرقـيّ لا أنـسـى الذي — حـاقَ مـن حـكـمك بالشرق العتيد
ألمــســاواةُ التــي أعــلنــتـهـا — أعـــلنـــتَه بـــنـــذيــر ووعــيــد
والإخــاءُ الحــرّ مــا كـان سـوى — مــدفــعٍ يــرمــي بــمـرد ومـبـيـد
وطــنــي الروحــيّ إن أغــضــب له — فـــــلآبـــــاء كـــــرامٍ وجـــــدود
وتـــــــراثٍ خـــــــالدٍ مــــــن أدب — أنــا فــاديــه بــروحـي ووجـودي
كــفــرت ثــورتــك الكــبــرى بــه — وهـو المـحـسـنُ يـجـزى بـالكـنود
ســارَ بــالإســلامِ نــوراً وهــدى — بـسـنـى عـيسى خطى الحقِ الطريد
ألنــــبــــيّـــونَ هـــمـــو ثـــوارُه — حـامـلو الشـعـلة أعداء القيود
فـــخـــذي بــالحــق والروح الذي — هــزّ بــالثــورة أركـان الوجـود
وابــعـثـيـهـا ثـورة أخـرى فـمـا — يـعـرفُ الأحـرارُ مـعـنـى للجمود
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الرفاف: الرُّفَافُ : ما تحطَّم من التبن؛ تجمَّعَ الرُّفَافُ على البَيْدر.
- الشديد: الشّديد. ـ: وَقْعُ المطرِ ج أَرْمَاءٌ وأَرْمِيَةٌ ورَمَايا.
- العميد: العمِيد : المشغوف عشقاً، هو عميد القلب مأخوذ اللب.-: الشديد الحزن.-: المريض لا يستطيع الجلوسَ حتى يُعْمَدَ من جوانبه بالوسائد؛ زرت صديقي العميد فأحزنني حاله،-: السيد المعتمد عليه في الأمور؛ هو عميد الأسرة كلها.-: مدير كل …
- الغواص: الغَوَّاصُ : الكثير الغوص.-: من حرفته الغوص في البحر لاصطياد اللؤلؤ والمرجان وغيرهما.-: الطائر المعروف باسم الغمَّاس.-: من يحتال لتدبير معيشته.
- الفريد: الفَرِيدُ : الواحدُ والمتفرِّدُ؛ سيفٌ فريدٌ أي لا نظير له/ إنه فريدٌ بين الأدباء ج فِرادٌ ـ: خَرَزٌ يَفصلُ بين حبَّاتِ الذَّهبِ واللؤلؤ في العِقد. ـ: الدُّرُّ إذا نُظِم وفُصِّل بغيره/ الفريدةُ هي الجوهرةُ الثمينة ج فَرَا …
- المزهر: المِزْهَرُ : العودُ يُضرَبُ به؛ كان صاحبُنا يميل إلى أصحاب المزاهِر واللَّهْو.-: الذي يُزْهر النار ويقلِّبُها للضّيف ج مَزَاهِرُ.
- النضيد: النَّـضِيدُ : المُنْضُود، أي المَضْموم بعضُه إلى بعْض باتّساق وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ/ شجرٌ نَضِيدٌ، أي نُضِّد بالوَرق والثِّمار من أسفله إلى أعلاه، مؤ نَضِيدَةٌ.