مالوا بمصباح البيان صباحا
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 68 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الحاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مالوا بمصباح البيان صباحا ... ومشوا به في الذاهبين رواحا
ومضوا به إلا شعاعاً لم يزل ... في الأرض مؤتلق السنى وضاحا
تهفو النجوم إلى سناه وتغتدي ... نشوى كأن من الأشعة راحا
وعلى جوانب أرضها وسمائها ... شفق تقلّده السماء وشاحا
هذا شعاع العبقرية لم يزل ... يولي الحياة طلاقة وسماحا
قدر الخلود له وبارك أفقه ... رب أراد بــــه هــــدى وصلاحا
أجرى البيان على لسان نبيه ... غدقا من السحر المبين قراحا
وحبابه الشعراء من ألحانه ... فشدوا بألسنة الطيور فصاحا
لما مشى في الأرض فجر صخرها ... ماء ونضرها ربى وبطاحا
وأنار في شرف السماء نجومها ... فتلون من آياته الألواحا
فكأنما الدنيا ضحلا وكأنما ... في كل داجية نرى مصباحا
قل لابن هانئ لا ذوت لك كرمة ... فقد الربيع هزارها الصداحا
قد كنت في أمس نزيل رحابها ... فنزلت أشرف ما أبلغ ساحا
ألقى وأسمع عبقريا ملهما ... طلق المحيا ماجدا مسماحا
يولي النفوس بشاشة وينيلها ... أدبا ويسقيها الوداد صراحا
أنست زمانا بالبيان وأهله ... حتى تبدل أنسها أتراحا
وقفت بي الدنيا على جنباتها ... فرأيت حزنا واستمعت نواحا
وشهدت ظل الموت فوق ظلالها ... يغشى الربى ويجلل الأدواحا
وجمت وكانت الموت فوق ظلالها ... تستقبل الإمساء والإصباحا
وذو ت أزاهرها ونفر طيرها ... ينزو ويقطر أدمعا وجراحا
يبكي من الصدر الورود لجدول ... كم عب من دفاقه وامتاحا
لما نعيت لها تزايل حسنها ... وصغا الربيع بوجهه وأشاحا
سيان بعدك يابن هانئ دهرها ... يسري نسيما أم يهب رياحا
قم وابك للشعر النبوغ وقل له ... أمضى زمان النابغين وراحا
واهتف بصومعة البيان فقد خلا ... عهد الرسالة بالقريض وطاحا
ولى بسر العبقرية شاعر ... اللّه هــــيأه لنا وأتاحا
لم تسعد الفصحى بمثل يراعه ... يوما ولا لقي الخيال جناحا
شعر حوى الدنيا ونسق حسنها ... صورا ومثلها منى وطماحا
ويزيح عن ماضي العصور ستارها ... فترى بها الغادين والرواحا
هو مثل هذا الطير في صدحاته ... والزهر لطفا والعبير نفاحا
وأراه كالبحر الخضم عبابه ... يعيى مداه الخائض السباحا
ويظنه الملاح طوع شراعه ... فيرد عن غمراته الملاحا
يهدي إذا هدأ الثرى أصدافه ... وإذا تــــمــــرد دره اللماحا
وأراه حين يرق عاطر نسمة ... وإذا قسا فالعاصف المجتاحا
شعر يشف عن الحياة وداعة ... ويؤج منها ثورة وكفاحا
ويبين من غضب النفوس وصفوها ... مثل الحياة كآبة ومراحا
ويفيض من نبع القلوب فآنة ... ماء وآنا جاحما لفاحا
والشعر مرآة الحياة ولم يزل ... يجلو الرؤى ويصور الأشباحا
والشعر من أدب النفوس ولن ترى ... من دونه هديا ولا إصلاحا
ولقد تذوقت الحياة فلم أجد ... كالشعر ريا للنفوس وراحا
قل للكنانة عن رمائك أقصري ... فلقد فقدت الرامي النضاحا
صياد أسراب الجمال إذا رنا ... جاءته ما عرفت لديه جماحا
يدني القصي من الشوارد لفظه ... ويروض منها النافر الممراحا
من كل معنى بالروائع حافل ... يجلى كما تجلى الشموس صباحا
وقصيدة كالروض باكره الحيا ... فاهتز ريحانا ورف أقاحا
من للطبيعة يستزيد جمالها ... غررا كآيات الكتاب وضاحا
ذهب الذي غنى خمائل روضها ... حتى مددن إلى النسيم الراحا
المرقص الزاهرت فوق غصونها ... والمستخف عبيرها الفواحا
والمسعد الأيكات منه بملهم ... كانت به الجنات قبل شحاحا
أوحى له المرح الوجود فصاغه ... شدوا بأسرار القلوب وباحا
سبحان من أهدى الخيال يراعه ... وهدى له الإبداع والإسجاحا
فتسمعوه فلم يزل من شعره ... شاد يهزّ بسحره الأرواحا
يا نازحا عنا نزلت بعالم ... تلقى الأحبة فيه والنزاحا
فاحلل بجنات الخلود ورو من ... عين النعيم فؤادك الملتاحا
واملأ من الزهر المنور والجنى ... كفيك واطرح عبئك الفداحا
سترى الرسول على معطر روحها ... يهدي إليك ببابها المفتاحا
يسعى بحسان إليك وأنتما ... وضحان من فجر النبوة لاحا
يختال في بردية من بردة ... حاك القريض خيوطها أمداحا
يستاف من ميلاده شوقية ... الله كان لمسكها النفاحا
فاشرح هواك له وبث لواعجا ... كانت لهن دموعك الشراحا
أبلغ إلى صبري التحية والهوى ... عنا وحي جبينه الوضاحا
وامسح دموعك عن أسرة حافظ ... فلقد لقيت بقربه الأفراحا
وتساق أقداح المسرة معهما ... فلكم ملأت بدمعك الأقداحا
واذكر على الأرض الشقية رفقة ... باتوا عليك يقلبون الراحا
في عالم ما زال في غلوائه ... ومنى على رث الحطام تلاحى
أشرق بوجهك في غياهب ليله ... يخلع دجاه إذا جبينك لاحا
وأضىء على شط الحياة منارة ... واطلع بكل دجية مصباحا
ونم الغداة وحسب روحك أن ثرى ... من نور مجدك هذه الأوضاحا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الحاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الذاهبين: ذهب: الذَّهابُ: السَّيرُ والمُرُورُ؛ ذَهَبَ يَذْهَبُ ذَهاباً وذُهوباً فَهُوَ ذاهِبٌ وذَهُوبٌ. والمَذْهَبُ: مَصْدَرٌ، كالذَّهابِ. وذَهَبَ بِهِ وأَذهَبَه غَيْرُهُ: أَزالَه. وَيُقَالُ: أَذْهَبَ بِهِ، قَالَ أَبو إِسحاق: وَهُ … (لسان العرب)
- بمصباح: صبح: الصُّبْحُ: أَوّل النَّهَارِ. والصُّبْحُ: الفجر. والصَّباحُ: نقيص المَساء، وَالْجَمْعُ أَصْباحٌ، وَهُوَ الصَّبيحةُ والصَّباحُ والإِصْباحُ والمُصْبَحُ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فالِقُ الْإِصْباحِ؛ قَالَ الْفَرَّاء … (لسان العرب)
- تقلده: قلد: قَلَد الماءَ فِي الحَوْضِ وَاللَّبَنَ فِي السِّقَاءِ والسمْنَ فِي النِّحْي يَقْلِدهُ قَلْداً: جَمَعَهُ فِيهِ؛ وَكَذَلِكَ قَلَد الشرابَ فِي بَطْنِه. والقَلْدُ: جَمْعُ الْمَاءِ فِي الشَّيْءِ. يُقَالُ: قَلَدْتُ أَقْلِد … (لسان العرب)
- جوانب: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ. (لسان العرب)
- راحا: رحا: الرَّحا: معروفةٌ، وَتَثْنِيَتُهَا رَحَوانِ، والياءُ أَعْلى. ورَحَوْتُ الرَّحا: عَمِلْتُها، ورحي رَحَيْتُ أَكثرُ، وَقَالَ فِي الْمُعْتَلِّ بالياء: رحي الرَّحَى الحَجَر الْعَظِيمُ. قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الرَّحَا عِنْد … (لسان العرب)
- شفق: شفق: الشّفَق والشَّفَقة: الِاسْمُ مِنَ الإِشْفاق. والشَّفَق: الخِيفة. شَفِقَ شَفَقاً، فَهُوَ شَفِقٌ، وَالْجَمْعُ شَفِقُون؛ قَالَ الشَّاعِرُ إسحق بْنُ خَلَفٍ، وَقِيلَ هُوَ لِابْنِ المُعَلَّى: تَهْوى حَياتي، وأَهْوَى مَوْت … (لسان العرب)